الأمثل 1
▲الأمثل من جديد
لكلّ عصر خصائصه وضروراته ومتطلباته، وهي تنطلق من الأوضاع الاجتماعية والفكرية السائدة في ذلك العصر، ولكلّ عصر مشاكله وملابساته النّاتجة من تغيير المجتمعات والثّقافات، وهو تغيير لا ينفك عن مسيرة المجتمع التّاريخية الفكرية الفاعلة، هو ذلك الّذي فهم الضّرورات والمتطلبات، وإدرك المشاكل والملابسات.
هذا ما قاله البحّاثة الفريد الفقيه والمفسّر المعاصر، العلاّمة آية الله العظمى مكارم الشّيرازي(دام ظلّه) في دوافع تأليف تفسيره الأمثل.
ويقول: واجهنا دوماً أسئلة وردت إلينا من مختلف الفئات ـ وخاصّة الشباب المتعطّش إلى نبع القرآن ـ عن التّفسير الأفضل.
هذه الأسئلة تنطوي ضمنياً على بحث عن تفسير يبيّن عظمة القرآن عن تحقيق لا عن تقليد ويُجيب على ما في الساحة من احتياجات وتطلّعات وآلام وآمال... تفسير يجدي كل الفئات، ويخلو من المصطلحات العلميّة المعقّدة، وهذا التّفسير دوّن على أساس هذين الهدفين.
ولتنفيذ هذا الهدف العظيم، صمّم القسم الثّقافي لمدرسة الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) بعرض جديد كامل للتّفسير الأمثل، فأعاد النظر وامعن فيه بدقّة، مع تصحيح الأخطاء المطبعيّة والإنشائيّة والإملائيّة، وإضافة كثير من الأحاديث التي كانت محذوفة في الطبعة الاُولى.
نأمل أن يكون مقبولاً لدى الباري عزّ اسمه وجميع الباحثين في حقائق القرآن الكريم.
القسم الثّقافي لمدرسة الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام)
▲المقدّمة
▲ما هو التّفسير؟
التّفسير في اللغة الإبانة وإماطة اللّثام.
ولكن هل يحتاج القرآن إلى إبانة وإماطة لثام... وهو «النّور» و«الكلام المبين»؟!
كلاّ، ليس على وجه القرآن لثام أو نقاب... بل إنّنا بالتّفسير ينبغي أن نكشف اللثام عن روحنا، ونزيح الستار المسدول على بصيرتنا، فنستجلي بذلك مفاهيم القرآن ونعيش أجواءه.
من جهة اُخرى، ليس للقرآن بُعدٌ واحدٌ... نعم، له بُعدٌ عام ميسّر للجميع، ينير الطريق، ويهدي البشريّة إلى سواء السبيل.
وله أيضاً أبعادٌ اُخرى للعلماء والمتفكّرين، لاُولئك الطامحين إلى مزيد من الإرتواء... وهؤلاء يجدون في القرآن ما يروي ظمأهم إلى الحقيقة، ويغرفون من بحره قدر آنيتهم... وتتسع الآنية باتّساع دائرة السعي والجهد والإخلاص.
هذه الأبعاد أطلقت عليها الأحاديث اسم «البطون»... بطون القرآن... وهي لا تتجلّى للجميع، أو بعبارة أدقّ لا تقوى كلُّ العيون على رؤيتها.
والتّفسير يمنح العيون قوّة، ويقشع عن البصائر الحجب والأستار، ويمنحنا اللياقة لرؤية تلك الأبعاد بدرجة واُخرى.
وللقرآن أبعاد اُخرى تنجلي بمرور الزمان وتعاقب التجارب البشرية ونموّ الكفاءات الفكرية، وهذا ما أشار إليه ابن عباس إذ قال: «القرآن يفسّره الزمان».
أضف إلى ذلك أنّ «القرآن يفسّر بعضه بعضاً»، وهذا لا يتنافي مع كونه نوراً وكلاماً مبيناً،لأنّه كلٌّ لا يتجزأ، وجميع لا يتفرّد، يشكّل بمجموعه النور والكلام المبين.
▲متى بدأ تفسير القرآن؟
تفسير القرآن بالمعنى الحقيقي بدأ منذ عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله)، بل من بدء نزول الوحي إلاّ أنّه كـ «علم مدوّن» بدأ من زمن خلافة أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) كما تجمع على ذلك أقوال المورّخين والمفسّرين، ورجال هذا العلم يصلون بسلسلة أسانيدهم إليه، ولا عجب في ذلك، فهو باب مدينة علم رسول الله(صلى الله عليه وآله).
إنّ مئات التفاسير كتبت لحدّ الآن، وبلغات مختلفة، وبأساليب ومناهج متنوعة، منها الأدبي، والفلسفي، والأخلاقي، والروائي، والتأريخي، والعلمي، وكلّ واحد من المفسّرين تناول القرآن من زواية تخصّصه.
وفي هذا «بستان» مثمر ومزدهر...، شُغف أحدهم بمناظره الشاعريّة الخلاّبة.
وآخر عكف على ما فيه من أشكاليات طبيعيّة ترتبط بتكوين النبات وهندسة الأزهار وعمل الجذور.
وثالث ألفت نظره إلى المواد الغذائية المستفادة منه.
ورابع اتّجه إلى دارسة الخواصّ العلاجيّة في نباتاته.
وخامس اهتمّ بكشف أسرار الخلقة في عجائب ثماره اليانعة وأوراده الملوّنة.
وسادس راح يفكّر من أيّ أزهاره يستطيع استخراج أفضل العطور.
وسابع كالنحلة لا تفكّر إلاّ بامتصاص رحيق الورد لتهيئة العسل.
وهكذا روّاد طريق التّفسير القرآني، عكس كلٌّ منهم بما يملكه من مرآة خاصّة، مظهراً من مظاهر جمال القرآن وأسراره.
واضح أنّ كلّ هذه التفاسير في الوقت الذي تعتبر فيه تفسيراً للقرآن، إلاّ أنّها ليست تفسيراً للقرآن، لأنّ كلّ واحد منها يميط اللثام عن بُعد من أبعاد القرآن لا عن كلّ الأبعاد، وحتى لوجمعناها لتجلّى من خلالها بعض أبعاد القرآن لا جميع أبعاده.
ذلك لأنّ القرآن كلامُ الله وفيض من علمه اللامتناهي، وكلامه مظهرٌ لعلمه، وعلمه مظهرٌ لذاته، وكلّها لا متناهية.
من هنا، لا ينبغي أن نتوقع استطاعة البشر إدراك جميع أبعاد القرآن، فالكوز لا يسع البحر.
طبعاً، ممّا لا شكّ فيه أنّنا نستطيع أن نغرف من هذا البحر الكبير... الكبير جدّاً... بقدر سعة آنية فكرنا، ومن هنا كان على العلماء فرض أن لا يتوانوا في كلّ عصر وزمان عن كشف مزيد من حقائق القرآن الكريم، وأن يبذلوا جهودهم المخلصة في هذا المجال ما استطاعوا، عليهم أن يستفيدوا ممّا خلّفه الأسلاف رضوان الله عليهم في هذا المجال، ولكن لا يجوز لهم أن يكتفوا به، فرسول الله(صلى الله عليه وآله) قال عن كتاب الله العزيز: «لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه».
▲خطر التّفسير بالرأي
أخطر طريقة في تفسير القرآن هي أن يأتي المفسّر إلى كتاب الله العزيز معلّماً لا تلميذاً.
أي يأتي إليه ليفرض أفكاره على القرآن، وليعرض رؤاه وتصوراته المتولّدة من إفرازات البيئة والتخصّص العلمي، والاتّجاه المذهبيّ الخاص، والذّوق الشّخصي، باسم القرآن، وبشكل تفسير للقرآن، مثل هذا الشخص لا يتّخذ القرآن هادياً وإماماً، بل يتّخذه وسيلة لإثبات نظرياته وتبرير ذوقه وأفكاره.
هذا اللون من تفسير القرآن ـ أو قُل تفسير الأفكار الشخصية بالقرآن ـ راج بين جماعة، وليس وراءه إلاّ الإنحراف... الانحراف عن طريق الله... والإنزلاق في متاهات الضّلال.
إنّه ليس بتفسير، وإنّما هو قسر وفرض وتحميل... ليس باستفتاء، وإنّما إفتاء... ليس بهداية، وإنّما هو الضلال... إنّه مسخ وتفسير بالرأي، ونحن في منهجنا التّفسيري سوف لا ننحو ـ بإذن الله ـ هذا النحو، بل نتّجه بكلّ قلوبنا وأفكارنا نحو القرآن لنتتلمذ عليه، لا غير.
▲متطلّبات العصر
لكلّ عصر خصائصه وضروراته ومتطلّباته، وهي تنطلق من الأوضاع الاجتماعية والمتغيّرات الفكرية والمستجدّات الثقافية الطارئة على مفاصل الحياة في ذلك العصر.
ولكلّ عصر مشاكله وملابساته الناتجة عن تغيير المجتمعات والثقافات، وهو تغيير لا ينفك عن مسيرة المجتمع التأريخية.
المفكّر الفاعل في الحياة الاجتماعية هو ذلك الذي فهم الضرورات والمتطلّبات، وأدرك المشاكل والملابسات... وبعبارة اُخرى هو الذي استوعب مسائل عصره.
أمّا اُولئك الّذين لا يدركون هذه المسائل إطلاقاً، أو لا يتفاعلون معها بسبب عدم انتمائهم إلى عصرهم، أي بسبب فقدانهم عنصر «المعاصرة»، فهم الهامشيّون الذين لا يقدرون على التأثير ولا على المعالجة، بل يقفون دوماً متأسّفين ومتحسّرين وشاكين ومنتقدين، ويزداد تشاؤمهم ويأسهم باستمرار حتى يقعوا في طامّة «الإنزواء الاجتماعي».
ذلك لأنّهم ما استطاعوا أو ما أرادوا أن يستوعبوا احتياجات عصرهم ومشاكله.
هؤلاء يعيشون في ظلام مطبق، وبسبب عدم تفهّمهم لأسباب الحوادث وعللها ونتائجها، يفقدون أنفسهم أمام هجوم هذه الحوادث ويرتبكون ويخافون ويظلّون دون خطّة للمواجهة والدفاع، وبما أنّ مسيرتهم في الظلام، فسوف تزلّ قدمهم في كلّ خطوة، وما أجمل ما قاله الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): «العالم بزمانه لا تهجم عليه اللّوابس».
رسالة العلماء في كلّ عصر أن يدركوا بوعي كامل هذه المسائل... هذه الاحتياجات، وهذا الفراغ الروحي والفكري والاجتماعي، وأن يسعوا لمعالجتها بشكل صحيح كي لا يفسحوا المجال للاُطروحات المنحرفة أن تخترق الساحة وتملأ الفراغ وتقدّم الحلول الكاذبة.
من المسائل التي تلمّسناها بوضوح عطش الجيل الراهن لدرك المفاهيم الإسلامية والمسائل الدينية ـ وخلافاً لما يردّده اليائسون والمتشائمون ـ إنّ هذا الجيل لا يتوق إلى الفهم فحسب، بل يتلهف إلى التطبيق العملي لهذه المفاهيم والمسائل، ولمس المعطيات الدّينية من خلال العمل بها.
من الواضح أنّ أمام هذا الجيل التوّاق مسائل غامضة ونقاط إبهام ومواضع استفهام كثيرة، والخطوة الاُولى لتلبية هذه الحاجات إعادة كتابة التراث العلمي والفكري الإسلامي بلغة العصر، وتقديم كلّ هذه المفاهيم السامية عن طريق هذه اللغة إلى روح الجيل وعقله.
والخطوة الاُخرى استنباط الاحتياجات والمتطلّبات الخاصّة بهذا الزمان من مبادئ الإسلام العامّة.
وهذا التّفسير دُوِّن على أساس هذين الهدفين.
▲الأمثل بين التفاسير
واجهنا دوماً أسئلة وردت إلينا من مختلف الفئات وخاصّة الشباب المتعطّش إلى نبع القرآن عن التّفسير الأفضل.
هذه الأسئلة تنطوي ضمنياً على بحث عن تفسير يبيّن عظمة القرآن عن تحقيق لا تقليد، ويجيب على ما في الساحة من احتياجات وتطلّعات وآلام وآمال... تفسير نافع لكلّ الفئات، ويخلو من المصطلحات العلميّة المعقّدة.
في الواقع نحن نفتقر إلى مثل هذا التّفسير، فالأسلاف والمعاصرون رضوان الله عليهم كتبوا في حقل التّفسير كثيراً، لكنّ بعضها كتب قبل عدّة قرون وباُسلوب خاصّ لا يستفيد منه إلاّ العلماء والأدباء، وبعضها مدوّن بمستوى علمي لا يدركه سوى الخواص، وبعضها تناول جانباً معيّناً من القرآن، وكأنّها باقة ورد اقتطفت من بستان مزدان، فهي قبس من هذا البستان، وليست البستان... وهكذا.
من هنا لم نجد أمام هذه الأسئلة المتدفّقة علينا جواباً مقنعاً يرضي هذه الأرواح المتعطّشة التّواقة. فآلينا على أنفسنا أن نجيب على هذا السؤال عمليّاً، فالكلام لا يرضي السائلين.
لكنّنا وجدنا أنفسنا في خِضَمّ الأشغال المتزايدة من جهة، وأمام القرآن... البحر الذي لا ساحل له... من جهة اُخرى، فأنّى لنا أن نخوض عبابه دون عدّة ووقت واستعداد فكري، لذلك وقفنا على ضفاف هذا البحر الموّاج ننظر إليه بحسرة.
وفجأة هدانا الله إلى طريق الحلّ، وانقدحت في الذهن فكرة العمل الجماعي، فكان أن اجتمع معنا على الطريق عشرة من الفضلاء المخلصين الواعين كانوا حقّاً مصداق «عشرة كاملة» فبذلت المساعي الدائبة ليلا ونهاراً لتثمر - خلال مدّة أقصر ممّا توقّعناها- هذا الذي يراه القارئ الكريم.
ولكي لا تبقى نقطة غموض أمام القارئ الكريم نشرح باختصار منهج عملنا في هذا التّفسير.
قُسّمت الآيات الكريمة أوّلا في الفروع المختلفة بين الاخوة وبتوجيه موحّد، ودرسوا المصادر المختلفة في التّفسير لكبار المفسّرين من علماء الشيعة وأهل السنّة، مثل:
1ـ مجمع البيان للشيخ الطبرسي. 2ـ أنوار التنزيل للقاضي البيضاوي. 3ـ الدرّ المنثور لجلال الدين السيوطي. 4ـ البرهان للمحدّث البحراني. 5ـ الميزان للعلاّمة الطباطبائي. 6ـ المنار، تقرير دروس للشيخ محمّد عبده. 7ـ في ظلال القرآن للاُستاذ سيد قطب.
8ـ المراغي لأحمد مصطفى المراغي. 9ـ مفاتيح الغيب للفخر الرازي. 10ـ روح الجنان لأبي الفتوح الرازي. 11ـ أسباب النّزول للواحدي. 12ـ تفسير القرطبي لمحمّد بن أحمد الأنصاري القرطبي. 13ـ روح المعاني للعلاّمة شهاب الدين الآلوسي. 14ـ نورالثقلين لعبد علي بن جمعة الحويزي. 15ـ الصافي للملاّ محسن الفيض الكاشاني. 16ـ التبيان للشيخ الطوسي. وتفاسير اُخرى... .
ثمّ جمعنا من المفاهيم مايتناسب مع متطلّبات عصرنا واحتياجاته، وفي الجلسات العامّة التي عقدناها يوميّاً أضفنا إلى كلّ ذلك المستجدات الضرورية من المعارف القرآنية، وبعد دراسات ومشاورات حول المباحث المختلفة، ومراجعة المصادر المتنوعة، أمليتُ تلك البحوث ودوّنها الاخوان بسرعة، ثمّ راجعنا الكتابات ودقّقنا فيها بصبر وسعة صدر، وأعددناها للطبع، وبعد الطبع أيضاً ـ وقبل مرحلة النشر ـ اُعيد النظر فيها مرّة اُخرى.
وكانت نتيجة هذه الجهود ما يراه القارئ العزيز، ونرجو أن يكون بإذن الله نافعاً مفيداً للجميع.
▲خصائص هذا التّفسير
لكي يرد القرّاء الأعزّاء إلى هذا التّفسير برؤية أوضح، وليجدوا فيه ما يريدونه بشكل أيسر، نذكر باختصار خصائص هذا التّفسير ومزاياه:
1ـ لمّا كان القرآن «كتاب حياة» فإنّا لم نركّز ـ في التّفسير ـ على المسائل الأدبية والعرفانية، بل بدلا من ذلك عالجنا المسائل الحيوية ـ المادية والمعنوية ـ وخاصّة المسائل الاجتماعية، وسعينا إلى إشباعها بحثاً وتحليلا، وخاصّة ما يرتبط من قريب بحياة الفرد والمجتمع.
2ـ في ذيل كلّ آية تناولنا تحت عنوان «بحوث» المسائل المطروحة في الآية بشكل مستقل، كالربا، والرّق، وحقوق المرأة، وفلسفة الحج، وأسرار تحريم القمار، والخمر، ولحم الخنزير، ومسائل الجهاد الإسلامي، وأمثالها من الموضوعات، كي يستغني القارئ عن مراجعة الكتب الاُخرى في هذه المجالات.
3ـ عزفنا عن تناول البحوث ذات الفائدة القليلة، وأعطينا الأهميّة لمعاني الكلمات وأسباب النّزول ممّا له تأثير في الفهم الدقيق لمعنى الآية.
4ـ عرضنا التساؤلات والشبهات والإعتراضات المطروحة حول اُصول الإسلام وفروعه بمناسبة كلّ آية، وذكرنا الجواب عليها باختصار، مثل شبهة الآكل والمأكول، والمعراج، وتعدّد الزوجات، وسبب الاختلاف بين إرث المرأة والرجل، ودية المرأة والرجل، والحروف المقطّعة في القرآن، ونسخ الأحكام، والغزوات الإسلامية، والاختبارات الإلهيّة، وعشرات المسائل الاُخرى، كي لا تبقى أيّة علامة استفهام عند مطالعة تفسير الآيات.
5ـ أعرضنا عن استعمال المصطلحات العلمية المعقّدة التي تجعل الكتاب خاصّاً بفئة خاصّة من القرّاء، ولدى الضرورة تناولنا ذلك في هامش الكتاب من أجل استفادة المتخصّصين.
نسأل الله سبحانه أن يأخذ بأيدينا لما فيه رضاه، ويوفّق كلّ العالمين لخدمة كتابه العظيم.
▲الصّحوة الإسلامية المعاصرة وزيادة الحاجة إلى تفسير القرآن
تشهد اُمتنا الإسلامية خلال هذه الأعوام صحوة إسلامية عامّة، تتمثل في رفض كلّ المستوردات الفكرية، والعودة إلى الإسلام، لإقامة حياتها على أساس أحكام الرسالة الخاتمة.
هذه الصّحوة تعود إلى فشل كلّ الاُطروحات الوضعية الكافرة في تحقيق ما لوّحت به من تقدّميّة وتحرّر وسعادة كما تعود أيضاً إلى العواطف الإسلامية المتوغّلة في أعماق أبناء الاُمّة.
ويتحمّل العلماء الواعون في هذه المرحلة الحسّاسة مسؤوليّات كبرى تفرض عليهم أن يعمّقوا هذا التحرك الواعي بين صفوف الاُمّة ويُجذّروه ويؤصّلوه، كي تكون المسيرة على بصيرة في حركتها وعلى يقظة في اتّخاذ قراراتها، وعلى ثقة من أنّها تسلك الطريق نحو أهدافها الإسلامية الكبرى دون زيغ أو انحراف.
وكتاب الله هدىً ونور، وفيه الإطار العامّ للمسيرة، وفيه الزاد اللازم لمواصلة الطريق المستقيم نحو ربّ العالمين.
وأخيراً نشكر جهود العلماء والفضلاء الذين شاركونا في تأليف هذا التفسير الجليل:
1ـ الشيخ محمّد رضا الآشتياني.
2ـ الشيخ محمّد جعفر الإمامي.
3ـ الشيخ داود الإلهامي.
4ـ الشيخ أسد الله الإيماني
5ـ الشيخ عبدالرسول الحسني.
6ـ السيد حسن الشجاعي.
7ـ السيد نور الله الطباطبائي.
8ـ الشيخ محمود عبداللهي.
9ـ الشيخ محسن القرائتي.
10ـ الشيخ محمّد محمّدي الإشتهاردي
وكذلك نشكر الإخوة الأفاضل الاستاذ محمد على آذرشب، الشّيخ محمدرضا آل صادق، الاستاذ خالد توفيق عيسى، السيّد محمّد الهاشمي، الاستاذ قصي هاشم فاخر، الاستاذ أسد مولوي، الشيخ مهدي الأنصاري والسيّد أحمد القبانچي والشّيخ هاشم الصالحي بمساهمتهم في تنقيح وإخراج هذا السفر الجليل وداموا مشكورين.
نسأل الله سبحانه أن نكون بهذا التّفسير قد ساهمنا في إعلان كلمة القرآن بشأن واقعنا، وبشأن مستقبلنا، وبشأن ما يجب أن نفعله للخروج من الواقع المؤلم الذي تعيش فيه اُمتنا.
ونسأله سبحانه أنّ يوفّق كلّ العاملين على إعلاء راية القرآن في العالم ويسدّد خطاهم وينصرهم على أعدائهم.
نسأله جلّ وعلا أن يوفّق العلماء والمفكّرين الواعين الملتزمين إلى قيادة هذا التحرك الإسلامي المتصاعد في كلّ أرجاء العالم الإسلامي، قيادة أصيلة قائمة على هدى القرآن والسنة.
ونتضرّع إليه أن يوفّقنا لإكمال بقيّة أجزاء هذا التّفسير وأن يتقبّل من كلّ العاملين عليه في أي سبيل إنّه تعالى سميع مجيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
ناصر مكارم الشيرازي
قم ـ الحوزة العلمية 1404 هـ.
▲سورة الحمد،مكّيّةوعدد آياتها سبع
▲خصائصها
لهذه السّورة مكانة متميّزة بين سائر سور القرآن الكريم، وتتميز بالخصائص التالية:
▲1ـ سياق السّورة
تختلف سورة الحمد عن سائر سور القرآن في لحنها وسياقها، فسياق السور الاُخرى يعبّر عن كلام الله، وسياق هذه السّورة يعبّر عن كلام عباد الله، وبعبارة اُخرى: شاء الله في هذه السّورة أن يعلّم عباده طريقة خطابهم له ومناجاتهم إيّاه.
تبدأ هذه السّورة بحمد الله والثناء عليه، وتستمر في إقرار الإيمان بالمبدأ والمعاد «بالله ويوم القيامة» وتنتهي بالتّضرع والطلب.
الإنسان الواعي المتيقّظ يحسّ وهو يقرأ هذه السّورة بأنّه يعرج على أجنحة الملائكة، ويسمو في عالم الروح والمعنوية، ويدنو باستمرار من ربّ العالمين.
هذه السّورة تعبّر عن إتجاه الإسلام في رفض الوسطاء بين الله والإنسان... هؤلاء الوسطاء الذين افتعلتهم المذاهب الزائفة المنحرفة، وتُعلّم البشر أن يرتبطوا بالله مباشرة دونما واسطة، فهذه السّورة عبارة عن تبلور هذا الإرتباط المباشر والوثيق بين الله والإنسان... بين الخالق والمخلوق. فالإنسان لا يرى في مضامين آيات السّورة سوى الله... يخاطبه... يناجيه... يتضرّع إليه... دونما واسطة حتى وإن كانت الواسطة نبيّاً مرسلا أو ملكاً مقرّباً، ومن العجيب أن يحتلّ هذا الإرتباط المستقيم بين الخالق والمخلوق مكان الصدارة في كتاب الله العزيز!.
▲ 2ـ سورة الحمد أساس القرآن
فقد روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال لجابر بن عبدالله الأنصاري: «ألا اُعَلّمُكَ أَفْضَلَ سُورَة أَنْزَلَهَا اللهُ في كِتَابِهِ؟ قَالَ جَابرُ: بَلى بِأَبي أَنْتَ وَاُمّي يَا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْنِيهَا. فَعَلَّمَهُ الْحَمْدَ اُمَّ الْكِتَابِ، وَقَالَ: هِي شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاء، إلاّ السَّامَ، وَالسَّامُ الْمَوْتُ» (1).
وروي عنه(صلى الله عليه وآله) أيضاً أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْزَلَ اللهُ في التَّوْرَاةِ، وَلاَ في الإنجيل ولا في الزّبُورِ وَلا في الْقُرْآنِ مِثْلَهَا، وَهِيَ اُمُّ الْكِتَابِ» (2).
سبب أهميّة هذه السّورة يتضح من محتواها، فهي في الحقيقة عرض لكل محتويات القرآن، جانب منها يختصّ بالتوحيد وصفات الله، وجانب آخر بالمعاد ويوم القيامة، وقسم منها يتحدّث عن الهداية والضلال باعتبارهما علامة التمييز بين المؤمن والكافر وفيها أيضاً إشارات إلى حاكمية الله المطلقة، وإلى مقام ربوبيّته، ونعمه اللامتناهية العامّة والخاصّة «الرحمانيّة والرحيميّة»، وإلى مسألة العبادة والعبودية واختصاصهما بذات الله دون سواه.
إنّها تتضمّن في الواقع توحيد الذات، وتوحيد الصفات، وتوحيد الأفعال، وتوحيد العبادة.
وبعبارة اُخرى: تتضمّن هذه السّورة مراحل الإيمان الثلاث: الاعتقاد بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، ومن المعلوم أنّ لفظ «الاُمّ» يعني هنا الأساس والجذر.
ولعل ابن عباس ينطلق من هذا الفهم إذ يقول: «إن لكل شيء أساساً... وأساس القرآن الفاتحة». (3)
ومن هذا المنطلق أيضاً قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيما روي عنه: «أَيُّمَا مُسْلِم قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ اُعْطِيَ مِنَ الاَْجْرِ كَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلْثيِ الْقُرْآنِ، وَاُعْطِيَ مِنَ الاَْجْرِ كَأَنَّمَا تَصَدَّقَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِن وَمُؤْمِنَة» (4).
تعبير «ثلثي القرآن»، ربّما كان إشارة إلى أنّ القرآن ينطوي على ثلاثة أقسام: الدّعوة إلى الله، والإخبار بيوم الحساب، والفرائض والأحكام، وسورة الحمد تتضمن القسمين الأوَّلَين. وتعبير «اُمّ القرآن» إشارة إلى القرآن يتلخّص من وجهة نظر اُخرى في (الإيمان والعمل) وقد جمعا في سورة الحمد.
▲3ـ سورة الحمد شرف النبي (صلى الله عليه وآله)
القرآن الكريم يتحدّث عن سورة الحمد باعتبارها هبة إلهيّة لرسوله الكريم، ويقرنها بكل القرآن إذ يقول: (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم) (1) (2).
فالقرآن بعظمته يقف هنا إلى جنب سورة الحمد، ولأهميّة هذه السّورة أيضاً أنّها نزلت مرّتين.
نفس هذا المضمون رواه أمير المؤمنين علي (عليه السلام) عن الرّسول(صلى الله عليه وآله) قال: «إنَّ اللهَ تعالى قَالَ لِي: يا محمّد وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، فأفرَدَ الإمْتنَانَ عَلَيَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَجَعَلَهَا بِإزَاءِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَإنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ أشْرَفُ مَا فِي كُنُوزِ الْعَرْشِ...» (3).
▲4 ـ التّأكيد على تلاوة هذه السّورة
ممّا تقدم نفهم سبب تأكيد السنّة بمصادرها الشيعية والسنّية على تلاوة هذه السّورة ـ فتلاوتها تبعث الروح والإيمان والصفاء في النفوس، وتقرّب العبد من الله، وتقوّي إرادته، وتزيد اندفاعه نحو تقديم المزيد من العطاء في سبيل الله، وتبعده عن ارتكاب الذنوب والانحرافات، ولذلك كانت اُمّ الكتاب صاعقة على رأس إبليس كما ورد عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): «رَنَّ إبْلِيسُ أَرْبَعَ رَنّات، أَوَّلُهُنَّ يَوْمَ لُعِنَ، وَحِينَ اُهْبِطَ إلَى الاْرْضِ، وَحِينَ بُعِثَ محمّد صَلَّى اللهُ عَلَيْه وَآلِهِ عَلى حِين فَتْرَة مِنَ الرُّسُلِ، وَحيِنَ نَزَلَتْ اُمُّ الْكِتَابِ» (1).
▲محتوى السّورة
كلّ واحدة من الآيات السبع في هذه السّورة تشير إلى حقيقة هامّة:
(بسم الله...) بداية لكلّ عمل، وتعلّمنا الإستمداد من الباري تعالى لدى البدء بأي عمل.
(الحمد لله ربِّ العالمين) درس في عودة كلّ نعمة ورعاية إلى الله تعالى، وإلفات إلى حقيقة إنطلاق كلّ هذه المواهب من ذات الله تعالى.
(الرَّحمن الرَّحيم) تبيّن هذه الحقيقة، وهي: إنّ خلق الله ورعايته وحاكميته تقوم على أساس الرحمة والرحمانية، وهذا المبدأ يشكّل المحور الأساس لنظام رعاية العالم.
(مالك يوم الدِّين) استحضار للمعاد ويوم الجزاء، ولحاكمية الله على تلك المحكمة الكبرى.
(إيّاك نعبد وإيَّاك نستعين) تبيّن التوحيد في العبادة، والتوحيد في الاستعانة بالأسباب.
(إهدنا الصِّراط المستقيم) توضّح حاجة العباد ورغبتهم الشديدة للهداية، وتؤكّد حقيقة أنّ كل ألوان الهداية إنّما تصدر منه تعالى.
وآخر آية من هذه السّورة ترسم معالم (الصِّراط المستقيم) وتميّز بين صراط الذين أنعم الله عليهم، وصراط الذين ضلّوا والذين استحقّوا غضب الله عليهم.
ويمكن تقسيم هذه السّورة، من منظار آخر إلى قسمين: قسم يختصّ بحمد الله والثناء عليه، وقسم يتضمّن حاجات العبد.
وإلى هذا التقسيم يشير الحديث الشريف عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَسَّمْتُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ بَيْني وَبَيْنَ عَبْدِي، فِنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سأَلَ.
إذا قَالَ الْعَبْدُ (بسم الله الرَّحمن الرَّحيم) قَالَ الله جَلَّ جَلاَلُهُ: بَدَأ عَبدِي باسْمِي وَحَقَّ عَلَيَّ أنْ اُتَمِّمَ لَهُ اُمُورَهُ وَاُبارِكَ لَهُ فِي أحوَالِهِ.
فَإذا قَالَ: (الحمد للّه ربِّ العالمين) قَالَ اللّهُ جَلَّ جلالُهُ: حَمَدَنِي عَبدِي وَعَلِمَ أَنَّ النِعَمَ الَّتِي لَهُ مِنْ عِنْدِي، وَأَنَّ اْلبَلايَا الَّتِي دَفَعْتُ عَنْهُ فبِتَطَوُّلِي، اُشْهِدُكُمْ أَنِّي اُضِيفُ لَهُ إلى نِعَمِ الدُّنْيَا نِعَمَ الآخِرَةِ، وَاَدْفَعُ عَنْهُ بَلاَيَا الآخِرَةِ كَمَا دَفَعْتُ عَنْهُ بَلاَيَا الدُّنْيَا.
وَإذا قَالَ: (الرَّحمن الرَّحيم) قَالَ الله جَلَّ جَلاَلُهُ: شَهِدَ لِي عَبْدِي أَنِّي اَلرَّحْمنُ الرَّحِيمُ، اُشْهِدُكُمْ لاُوَفِّرَنَّ مِنْ رَحْمَتِي حَظَّهُ وَلاُجْزِلَنَّ مِنْ عَطَائِي نَصِيبَهُ.
فَإذا قَالَ: (مالك يوم الدّين) قَالَ الله تَعالى: اُشهِدُكُمْ كَمَا اعْتَرَفَ بِأَنِّي أَنَا مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ لاُسَهِّلَنَّ يَوْمَ الْحِسابِ حِسَابَهُ، وَلأَتَقَبَّلَنَّ حَسَنَاتِهِ، وَلأَتَجَاوَزَنَّ عَنْ سَيِّئاتِهِ.
فَإذا قَالَ: (إيَّاك نعبد) قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: صَدَقَ عَبْدِي، إيَّايَ يَعْبُدُ اُشْهِدُكُمْ لاُثِيبَنَّهُ عَلَى عِبَادَتِهِ ثَوَاباً يَغْبِطُهُ كُلُّ مَنْ خَالَفَهُ في عِبَادَتِهِ لي.
فَإذا قَالَ: (وإيَّاك نستعين) قَالَ اللهُ تَعالى: بِيَ اسْتَعَانَ عَبْدِي، وَإلَيَّ إلْتَجَأَ، اُشْهِدُكُمْ لاُعِينَنَّهُ عَلى اُمْرِهِ، ولاُغيثَنَّهُ فِي شَدَائِدِهِ وَلآخُذَنَّ بِيَدِهِ يَوْمَ نَوَائِبِهِ.
فَإذا قَالَ: (إهدنا الصِّراط المستقيم) إلى آخر السّورة قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ وَقَد اسْتَجَبْتُ لِعَبْدِي وَأَعْطَيتُهُ مَا أَمَّلَ وَآمَنْتُهُ مِمَّا مِنْهُ وَجِلَ» (1).
▲لماذا سمّيت فاتحة الكتاب؟
«فَاتِحَةُ الْكِتَاب» اسم اتخذته هذه السّورة في عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله)، كما يبدو من الأخبار والأحاديث المنقولة عن النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله). (1)
وهذه المسألة تفتح نافذة على مسألة مهمّة من المسائل الإسلامية، وتلقي الضوء على قضية جمع القرآن، وتوضّح أنّ القرآن جُمع بالشكل الذي عليه الآن في زمن الرّسول(صلى الله عليه وآله)، خلافاً لما قيل بشأن جمع القرآن في عصر الخلفاء، فسورة الحمد ليست أول سورة في ترتيب النّزول حتى تسمّى بهذا الإسم ولا يوجد دليل آخرلذلك، وتسميتها بفاتحة الكتاب يرشدنا إلى أنّ القرآن قد جمع في زمن الرّسول(صلى الله عليه وآله) بهذا الترتيب الذي هو عليه الآن.
وثمّة أدلّة اُخرى تؤيّد حقيقة جمع القرآن بالترتيب الذي بأيدينا اليوم في عصر الرّسول(صلى الله عليه وآله) وبأمره.
روى عليّ بن إبراهيم، عن الإمام الصادق(عليه السلام)، أنّ رَسُولَ الله(صلى الله عليه وآله) قَالَ لِعَلّي(عليه السلام):
«يَا عَلِيُّ، إنَّ الْقُرْآنَ خَلْف فِرَاشِي فِي الصُّحُفِ وَالْحَرِيرِ وَالْقَرَاطِيَس، فَخُذُوهُ وَأجْمِعُوهُ وَلاَ تُضَيِّعُوهُ كَمَا ضَيَّعَتِ الْيَهُودُ التَّوْرَاةَ، وانْطَلَقَ عَلِيٌّ(عليه السلام) فَجَمَعَهُ فِي ثَوْب أَصْفَرَ، ثُمَّ خَتَمَ عَلَيْهِ» (2).
ويروي (الخوارزمي) في المناقب عن (علي بن رباح) أنّ علي بن أبي طالب واُبيّ بن كعب جمعا القرآن في عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله). (3)
وروى (الحاكم) في (المستدرك) عن (زيد بن ثابت) قال: «كُنّا نُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ مِنَ الرِّقَاعِ». (4)
ويقول العالم الجليل السيد المرتضى(رحمه الله): «إنَّ الْقُرْآنَ كَانَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله) مَجْمُوعاً مُؤَلَّفاً عَلى مَا هُوَ عَلَيْهِ الآن» (5).
ويروي الطبراني وابن عساكر عن الشعبي أنّ القرآن جمعه ستة من الأنصار في عصر النبي(صلى الله عليه وآله) (6).
ويروي قتادة أنّه سأل أنس عن جمع القرآن في عصر النبي(صلى الله عليه وآله) فَقَالَ: أَرْبَعَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ هُمْ: اُبَيُّ بْنُ كَعْب، وَمَعَاذٌ، وَزيْدُ بْنُ ثَابِت، وَأبُو زَيْد (7) وهناك روايات اُخرى يطول ذكرها.
على أيّ حال، اتّخاذ سورة الحمد اسم (فاتحة الكتاب) دليل واضح على إثبات هذه المسألة، إضافة إلى الأدلة الاُخرى المستفيضة في مصادر الشيعة والسنّة.
سؤال: وهنا يثارُ سؤال حول المشهور بين بعض العلماء بشأن جمع القرآن بعد عصر النبي(صلى الله عليه وآله).
جواب: وفي الجواب نقول: ما روي بشأن جمع القرآن على يد الإمام عليّ(عليه السلام) بعد عصر الرّسول، لم يكن القرآن وحده، بل مجموعة تتضمّن القرآن وتفسيره وأسباب نزول الآيات، وما شابه ذلك ممّا يحتاجه الفرد لفهم كلام الله العزيز.
وأمّا ما فعله عثمان في هذا الصدد، فتدلّ القرائن أنّه أقدم على كتابة قرآن واحد عليه علامات التلاوة والإعجام، منعاً للإختلاف في القراءات، إذ لم يكن التنقيط معمولا به حتى ذلك الوقت.
وما نراه من إصرار جماعة على عدم جمع القرآن في عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وعلى نسبة هذا الأمر للخليفة عثمان أو للخليفة الأول أو الثاني، فإنّما يعود إلى ظروف وملابسات وعصبيات تأريخية لسنا بصددها الآن.
وإذا رجعنا إلى استقصاء طبيعة الأشياء في مجال جمع القرآن، ألفينا أنّه من غير المعقول أن يترك النبي(صلى الله عليه وآله) هذه المهمّة الكبيرة، بينما نجده يهتمّ بدقائق الاُمور المرتبطة بالرسالة.
أليس القرآن دستور الإسلام، وكتاب هداية البشرية، وأساس عقائد الإسلام وأحكامه؟
أليس من الممكن أن يتعرّض القرآن ـ إن لم يجمع ـ في عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى الضياع، وإلى الاختلاف فيه بين المسلمين؟!
(حديث الثقلين) المروي في المصادر الشيعية والسنّية، حيث أوصى رسول الله(صلى الله عليه وآله)بوديعته: كتاب الله وعترته، (8) يؤكّد أيضاً أن القرآن كان قد جمع في مجموعة واحدة في عصر الرّسول الأعظم.
أمّا اختلاف الرّوايات في عدد الصحابة الذين جمعوا القرآن خلال عصر النبي فلا يشكّل عقبة في البحث، ومن الممكن أنّ تتّجه كلّ رواية إلى ذكر عدد منهم.
▲سورة الحمد / الآية 1-7
بِسمِ اللّهِ الرَّحمانِ الرَّحيمِ
2 ) الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمينَ
3 ) الرَّحْمنِ الرَّحيمِ
4 ) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
5 ) إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعينُ
6 ) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيمَ
7 ) صِراطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لاَ الضّالِّينَ
▲التّفسير
(بسم الله الرَّحمن الرَّحيم)
دأبت الأمم والشّعوب على أن تبدأ كل عمل هام ذي قيمة باسم كبير من رجالها، والحجر الأساس لكل مؤسسة هامّة يوضع باسم شخصية مرموقة في نظر أصحابها، أي أنّ أصحاب المؤسسة يبدأون العمل باسم تلك الشّخصية.
ولكن، أليس من الأفضل أن يبدأ العمل في اُطروحة اُريد لها البقاء والخلود باسم وجود خالد قائم لا يعتريه الفناء؟ فكلّ ما في الكون يتجه إلى الزّوال والفناء، إلاّ ما كان مرتبطاً بالذات الأبدية الخالدة... ذات الله سبحانه.
إنّ خلود ذكر الأنبياء سببه إرتباطهم بالله وبالقيم الإنسانية الإلهيّة الخالدة كالعدالة وطلب الحقيقة، وخلود اسم رجل في التّاريخ مثل (حاتم الطّائي)، يعود إلى إرتباطه بواحدة من تلك القيم هي (السّخاء).
صفة الخلود والأبدية يختص بها الله تعالى من بين سائر الموجودات، ومن هنا ينبغي أن يبدأ كلّ شيء باسمه وتحت ظلّه وبالاستمداد منه، ولذلك كانت البسملة أوّل آية في القرآن الكريم.
والبسملة لا ينبغي أن تنحصر في اللفظ والصورة، بل لابدّ أن تتعدّى ذلك إلى الإرتباط
الواقعي بمعناها، وهذا الإرتباط يخلق الإتجاه الصحيح ويصون من الانحراف، ويؤدّي حتماً إلى نتيجة مطلوبة مباركة، لذلك جاء في الحديث النّبوي الشريف: «كُلُّ أمْر ذِي بَال لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ اسْمُ اللهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» (1).
وأميرالمؤمنين(عليه السلام) بعد نقله لهذا الحديث الشريف قَالَ: «إنَّ الْعَبْدَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ أَوْ يَعْمَلَ عَمَلا فَيَقُولُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَإنَّهُ يُبَارَكَ فيهِ» (2).
ويقول الإمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام): «... وَيَنْبَغي الإتْيَانُ بِهِ عِنْدَ افْتِتَاحِ كُلِّ أَمْر عَظِيم أَوْ صَغِير لِيُبَارَكَ فيهِ» (3).
بعبارة موجزة: بقاء العمل وخلوده يتوقف على إرتباطه بالله.
من هنا كانت الآية الاُولى التي أنزلها الله على نبيّه الكريم تحمل أمراً لصاحب الرسالة أن يبدأ مهمّته الكبرى باسم الله: (إقرأ باسم ربِّك...) (4).
ولذلك أيضاً فإنّ نوح(عليه السلام) حين يركب السفينة في ذلك الطوفان العجيب، ويمخر عباب الأمواج الهادرة، ويواجه ألوان الأخطار على طريق تحقيق هدفه ـ يطلب من أتباعه أن يردّدوا البسملة في حركات السفينة وسكناتها: (وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها) (5). وانتهت هذه السفرة المليئة بالأخطار بسلام وبركة كما يذكر القرآن الكريم: (قيل يا نوح اهبط بسلام منَّا وبركات عليك وعلى امم ممَّن معك) (6).
وسليمان(عليه السلام) يبدأ رسالته إلى ملكة سبأ بالبسملة: (إنَّه من سليمان وإنَّه بسم الله الرَّحمن الرَّحيم...) (7).
وانطلاقاً من هذا المبدأ تبدأ كلّ سور القرآن بالبسملة، كي يتحقّق هدفها الأصل المتمثل بهداية البشرية نحو السعادة، ويحالفها التوفيق من البداية إلى ختام المسيرة.
وتنفرد سورة التوبة بعدم بدئها بالبسملة، لأنّها تبدأ بإعلان الحرب على مشركي مكّة وناكثي الأيمان، وإعلان الحرب لا ينسجم مع وصف الله بالرحمن الرحيم.
تجدر الإشارة إلى أنّ البسملة تقتصر على صيغة «بسم الله» ولا تقول فيها: باسم الخالق أو باسم الرزاق وما شابهها من الصيغ. والسبب يعود إلى أنّ كلمة (الله) ـ كما سيأتي ـ جامعة لكلّ أسماء الله وصفاته، أمّا الأسماء الاُخرى لله فتشير إلى قسم من كمالاته كالرحمة والخالقية.
اتضح ممّا سبق أيضاً أنّ قولنا: «بِاسْمِ اللهِ» في بداية كلّ عمل يعني «الإستعانة» بالله، ويعني أيضاً «البدء» باسم الله، وهذان المعنيان يعودان إلى أصل واحد، وإن عمد بعض المفسّرين إلى التفكيك بينهما وتقدير كل واحد منهما في الكلام. فالمعنيان متلازمان، أي: أبدأ باسم الله وأستعين بذاته المقدّسة.
وطبيعي أنّ البدء باسم الله الذي تفوق قدرته كل قدرة، يبعث فينا القوّة، والعزم، والثقة، والإندفاع، والصمود والأمل أمام الصعاب والمشاكل، والإخلاص والنزاهة في الحركة.
وهذا رمز آخر للنجاح، حين تبدأ الأعمال باسم الله.
مهما أطلنا الحديث في تفسير هذه الآية فهو قليل، فالمعروف عن عليّ(عليه السلام) أنّه بدأ يفسّر لابن عباس آية البسملة في أول الليل، فأسفر الصبح وهو لم يتجاوز تفسير الباء منها، (8) غير أنّنا ننهي البحث بحديث عنه(عليه السلام)، وستكون لنا بحوث اُخرى في هذا الصدد خلال بحوثنا القادمة.
دَخَلَ عَبْدُ الله بنُ يَحْيى عَلى أَمِير الْمُؤْمِنينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ كُرْسِيٌّ فَأَمَرَهُ بالْجُلُوسِ عَلَيْهِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ فَمَالَ بِهِ حَتّى سَقَطَ عَلى رَأْسِهِ فَأَوْضَحَ عَنْ عَظْمِ رَأْسِهِ وَسَالَ الدَّمُ، فَأَمَرَ أَميرُ الْمُؤْمِنينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِمَاء فَغَسَلَ عَنْهُ ذَلِكَ الدَّمَ ثُمَّ قَالَ: اُدْنُ مِنّي، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى مَوْضِحَتِهِ «...أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ حَدَّثَني عَن اللهِ جَلَّ وَعَزَّ: كُلُّ أَمْر ذِي بَال لَمْ يَذْكَر فِيهِ بِسْمِ اللهِ فَهُوَ أَبْتَرُ؟» فَقُلْتُ: بَلى بِأَبِي أَنْتَ وَاُمّي لاَ أَتْرُكُهَا بَعْدَهَا، قَالَ: «إذاً تحْظى بِذَلِكَ وَتسْعَدُ».
وَقَالَ الصَّادِقُ(عليه السلام): «وَلَرُبَّمَا تَرَكَ فِي افْتِتَاحِ أَمْر بَعْضُ شِيعَتِنَا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَيَمْتَحِنُهُ اللهُ بِمَكْرُوه لِيُنَبِّهَهُ عَلى شُكْرِ اللهِ تَعَالى وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَيَمْحُو فِيهِ عَنْهُ وَصمَةَ تَقْصِيرِهِ عِنْدِ تَرْكِهِ قَوْلَ بِسْمِ اللهِ». (9)
▲بحوث
▲1 ـ هل البسملة جزء من السّورة؟
أجمع علماء الشيعة على أنّ البسملة جزء من سورة الحمد وكلّ سور القرآن، وكتابتها في مطالع السور أفضل شاهد على ذلك، لأنّنا نعلم أن النصّ القرآني مصون عن أيّة إضافة، وذكر البسملة معمول به منذ زمن النبي(صلى الله عليه وآله).
أمّا علماء السنّة فاختلفوا في ذلك، وصاحب المنار يجمع أقوالهم فيما يلي:
«أجمع المسلمون على أنّ البسملة من القرآن وأنّها جزء آية من سورة النمل. واختلفوا في مكانها من سائر السور، فذهب إلى أنّها آية من كل سورة علماء السلف من أهل مكّة ـ فقهاؤهم وقرّاؤهم ـ ومنهم: ابن كثير. وأهل الكوفة ومنهم عاصم والكسائي من القراء، وبعض الصحابة والتابعين من أهل المدينة، والشافعي في الجديد وأتباعه، والثوري وأحمد في أحد قوليه، والإمامية، ومن المروي عنهم ذلك من علماء الصحابة عليّ وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة، ومن علماء التابعين سعيد بن جبير وعطاء والزهري وابن المبارك. وأقوى حججهم في ذلك إجماع الصحابة ومن بعدهم على إثباتها في المصحف أول كل سورة سوى سورة البراءة (التوبة) مع الأمر بتجريد القرآن عن كل ما ليس منه. ولذلك لم يكتبوا (آمين) في آخر الفاتحة...».
ثم ينقل عن مالك والحنفية وآخرين، أنّهم ذهبوا إلى أنّ البسملة آية مستقلّة نزلت لبيان رؤوس السور والفصل بينها.
وعن حمزة من قرّاء الكوفة وأحمد «الفقيه السنّي المعروف» أنّها من الفاتحة دون غيرها من سور القرآن (1).
ومن مجموع ما ذكر يستفاد أنّ الأكثرية الساحقة من أهل السنّة يرون أنّ البسملة جزء من السّورة كذلك.
ننقل هنا طائفة من الروايات المنقولة في هذا الصدد بطرق الشيعة والسنّة، وبالقدر الذي يتناسب مع هذا البحث التّفسيري:
1ـ عن معاوية بن عمار قال: قُلْتُ لاَِبي عَبْدِ اللهِ(عليه السلام): إذا قُمْتُ لِلصَّلاَةِ أقْرَاُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ
الرَّحِيمِ فِي فاتِحَةِ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قُلْتُ: فَإذا قَرَأْتُ فَاتِحَةَ الْقُرْآنِ أَقْرَاُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مَعَ السُّورَةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» (2).
2ـ ما أخرجه الدارقطني بسند صحيح عن علي(عليه السلام): «أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ السَّبْعِ الْمَثَانِي، فَقَالَ: اَلْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّمَا هِيَ سِتُّ آيَات فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ آية» (3).
3ـ روى البيهقي بسنده عن ابن جبير، عن ابن عباس، قال: «إسْتَرَقَ الشَّيطانُ مِنَ النَّاسِ أَعْظَمَ آيَة مِنَ الْقُرْآنِ: بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيم: (إشارة إلى شيوع عدم قراءتها في مطالع السور) (4).
أضف إلى ذلك، أنّ سيرة المسلمين جرت دوماً على قراءة البسملة في مطالع السور لدى تلاوة القرآن، وثبت بالتواتر قراءة النبي لها، وكيف يمكن أن تكون أجنبية عن القرآن والنبي والمسلمون يواظبون على قراءتها لدى تلاوتهم القرآن؟!
وأمّا ما ذهب إليه بعضهم من احتمال أنّ البسملة آية مستقلّة وليست جزءً من سور القرآن، فهو احتمال واه ضعيف، لأنّ مفهوم البسملة يشعر ببداية العمل، ولا يفصح عن معنى منفصل مستقل.
وفي اعتقادنا أنّ الإصرار على فصل البسملة عن السور تعصّب لا مبرر له، ولا ينهض عليه دليل، في حين أنّ مضمونها مسفر عن أنّها بداية لما بعدها من الأبحاث.
يبقى إيراد واحد، هو أنّ البسملة لا تحتسب في عدّ آيات سور القرآن (عدا بسملة سورة الحمد)، بل يبدأ العدّ من الآية التالية للبسملة.
والجواب على ذلك ما ذكره (الفخر الرازي) في تفسيره الكبير، إذ قال: لا يمنع أن تكون البسملة لوحدها آية في سورة الحمد، وأن تكون جزءً من الآية الاُولى في سائر سور القرآن (أي أنّ مطلع سورة الكوثر مثلا: بسم الله الرحمن الرحيم إنّا أعطيناك الكوثر) يعتبر كلّه آية واحدة.
والمسألة ـ على أيّ حال ـ واضحة إلى درجة كبيرة حتى روي: أنَّ مُعَاوِيَةَ صَلّى بِالنّاسِ في فَتْرَةِ حُكُومَتِهِ فَلَمْ يَقْرَأْ اَلْبسْمَلَةَ، فَصَاحَ جَمْعٌ مِنَ الْمُهاجِرينَ وَالاَْنْصَارِ بَعْدَ الصَّلاَةِ: أَسَرَقْتَ أَمْ نسِيتَ؟ (5).
▲ 2 ـ لفظ الجلالة جامع لصفاته تعالى
كلمة (اسم) أول ما تطالعنا في البسملة من كلمات، وهو في رأي علماء اللغة من (السموّ) على وزن (العُلوّ)، ومعناه الإرتفاع، ويفهم أنّ الشيء بعد التسمية يخرج من مرحلة الخفاء إلى مرحلة البروز والظهور والرقي، أو أنّه يرتفع بالتسمية عن مرحلة الإهمال ويكتسب المعنى والعلو (1).
بعد كلمة الاسم نلتقي بكلمة (الله) وهي أشمل أسماء ربّ العالمين فكل إسم ورد لله في القرآن الكريم وسائر المصادر الإسلامية يشير إلى جانب معين من صفات الله. والاسم الوحيد الجامع لكل الصفات والكمالات الإلهيّة أو الجامع لكل صفات الجلال والجمال هو (الله).
ولذلك اعتبرت بقية الإسماء صفات لكلمة (الله) مثل: (الغفور) و(الرحيم) و(السميع) و(العليم) و(البصير) و(الرزاق) و(ذو القوّة) و(المتين) و(الخالق) و(الباري) و(المصوّر).
كلمة (الله) هي وحدها الجامعة، ومن هنا اتّخذت هذه الكلمة صفات عديدة في آية كريمة واحدة، حيث يقول تعالى: (هو اللّه الَّذي لا إله إلاّ هو الملك القدُّوس السَّلام المؤمن المهيمن العزيز الجبَّار المتكبِّر) (2).
أحد شواهد جامعية هذا الاسم أنّ الإيمان والتوحيد لا يمكن إعلانه إلاّ بعبارة (لا إله إلاّ الله)، وعبارة (لاَ إلهَ إلاّ القَادِر... أو إلاّ الخالِق... أو إلاّ الرَّزَّاق) لا تفي بالغرض، ولهذا السبب يشار في الأديان الاُخرى إلى معبود المسلمين باسم (الله) فهذه التسمية الشاملة خاصّة بالمسلمين.
▲3 ـ الرّحمة الإلهيّة الخاصّة والعامّة
المشهور بين جماعة من المفسّرين أنّ صفة (الرحمن) تشير إلى الرحمة الإلهيّة العامّة، وهي تشمل الأولياء والأعداء، والمؤمنين والكافرين، والمحسنين والمسيئين، فرحمته تعمّ المخلوقات، وخوان فضله ممدود أمام جميع الموجودات، وكلّ العباد يتمتعون بموهبة الحياة، وينالون حظهم من مائدة نعمه اللامتناهية، وهذه هي رحمته العامّة الشاملة لعالم الوجود كافة وما تسبّح فيه من كائنات.
وصفة (الرحيم) إشارة إلى رحمته الخاصّة بعباده الصالحين المطيعين، قد استحقوها بإيمانهم وعملهم الصالح، وحُرِمَ منها المنحرفون والمجرمون.
الأمر الذي يشير إلى هذا المعنى أنّ صفة (الرحمن) ذكرت بصورة مطلقة في القرآن الكريم ممّا يدل على عموميتها، لكنّ صفة (الرحيم) ذكرت أحياناً مقيّدة، لدلالتها الخاصّة، كقوله تعالى: (وكان بالمؤمنين رحيماً) (1) وأحياناً اُخرى مطلقة كما في هذه السّورة.
وفي رواية عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) قَالَ: «وَالله إلهُ كُلِّ شَيْء الرَّحْمنُ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ، الرَّحِيمُ بِالْمُؤْمِنينَ خَاصَّةً» (2).
من جهة اُخرى، كلمة (الرحمن) اعتبروها صيغة مبالغة، ولذلك كانت دليلا آخر على عمومية رحمته. واعتبروا (الرحيم) صفة مشبّهة تدلّ على الدوام والثبات، وهي خاصّة بالمؤمنين.
وثمّة دليل آخر، هو إنّ (الرحمن) من الأسماء الخاصّة بالله، ولا تستعمل لغيره، بينما (الرحيم) صفة تنسب لله ولعباده. فالقرآن وصف بها الرّسول الكريم، حيث قال: (عزيزٌ عليه ما عنتُّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيمٌ) (3).
وإلى هذا المعنى أشار الإمام الصادق(عليه السلام)، فيما روي عنه: «اَلرَّحْمنُ إسْمٌ خَاصٌّ بصِفَة عَامَّة، وَالرَّحيمُ عَامٌّ بِصِفَة خَاصَّة» (4).
ومع كل هذا، نجد كلمة (الرّحيم) تستعمل أحياناً كوصف عام، وهذا يعني أنّ التمييز المذكور بين الكلمتين إنّما هو في جذور كل منهما، ولا يخلو من استثناء.
في دعاء عرفة ـ المنقول عن الحسين بن علي(عليهما السلام) ـ وردت عبارة: «يَا رَحْمنَ الدُّنْيِا وَالاْخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا». (5)
نختتم هذا الموضوع بحديث عميق المعنى، عن رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله) قَالَ: «إنَّ للهِ عَزَّ وَجَلّ مائَةَ رَحْمَة، وَإنَّهُ أَنْزَلَ مِنْهَا واحِدَةً إلَى الأَرْضِ، فَقَسَّمَهَا بَيْنَ خَلْقِهِ، بِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَيَتَرَاحَمُونَ، وَأَخَّرَ تِسْعاً وَتِسْعِينَ لِنَفْسِهِ يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (6).
▲4 ـ لم لم ترد بقيّة صفات الله في البسملة؟
في البسملة ذكرت صفتان لله فقط هما: الرحمانية والرحيمية، فما هو السبب؟
الجواب يتضح لو عرفنا أنّ كل عمل ينبغي أن يبدأ بالإستمداد من صفة تعم آثارها جميع الكون وتشمل كلّ الموجودات، وتنقذ المستغيثين في اللحظات الحساسة.
هذه حقيقة يوضّحها القرآن إذ يقول: (ورحمتي وسعت كلّ شيء) (1)، ويقول على لسان حملة العرش: (ربّنا وسعت كلّ شيء رحمةً) (2).
ومن جانب آخر نرى الأنبياء وأتباعهم يتوسّلون برحمة الله في المواقف الشديدة الحاسمة. فقوم موسى تضرّعوا إلى الله أن ينقذهم من تجبّر فرعون وظلمه، وتوسّلوا إليه برحمته فقالوا: (ونجّنا برحمتك) (3).
وبشأن هود وقومه، يقول القرآن: (فأنجيناه والّذين معه برحمة منَّا) (4).
من الطبيعي أنّنا ـ حين نتضرّع إلى الله ـ نناديه بصفات تتناسب مع تلك الحاجة، فعيسى(عليه السلام) حين يطلب من الله مائدة من السماء، يقول: (اللّهمّ ربّنا أنزل علينا مائدةً من السماء... وارزقنا وأنت خير الرّازقين) (5).
ونوح(عليه السلام) يدعو الله في حطّ رحاله: (ربِّ أنزلني منزلا مباركاً وأنت خير المنزلين) (6).
وزكريا نادى ربّه لدى طلب الولد الوارث قال: (ربِّ لا تذرني فرداً وأنت خيرالوارثين) (7).
للبدء بأيّ عمل ينبغي ـ إذن ـ أن نتوسّل برحمة الله الواسعة، رحمته العامّة ورحمته الخاصّة، وهل هناك أنسب من هذه الصفة لتحقّق النجاح في الأعمال، وللتغلب على المشاكل والصعاب؟!
والقوّة التي تستطيع أن تجذب القلوب نحو الله وتربطها به هي صفة الرحمة، إذ لها طابعها العام مثل قانون الجاذبية، ينبغي الاستفادة من صفة الرحمة هذه لتوثيق العرى بين المخلوقين والخالق.
المؤمنون الحقيقيّون يطهّرون قلوبهم بذكر البسملة في بداية كلّ عمل من كل علقة وإرتباط، ويرتبطون بالله وحده ويستمدّون منه العون، ويتوسلون إليه برحمته التي وسعت كلّ شيء.
والبسملة أيضاً تعلّمنا أنّ أفعال الله تقوم أساساً على الرحمة، والعقاب له طابع استثنائي لا ينزل إلاّ في ظروف خاصّة، كما نقرأ في الأدعية المروية عن آل بيت رسول الله: «يَا مَنْ سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ» (8).
المجموعة البشرية السائرة على طريق الله ينبغي أن تقيم نظام حياتها على هذا الأساس أيضاً، وأن تقرن مواقفها بالرحمة والمحبّة، وأن تترك العنف إلى المواضع الضرورية، 113 سورة من مجموع 114 سورة قرآنية تبدأ بالتأكيد على رحمة الله، وسورة التوبة وحدها تبدأ بإعلان الحرب والعنف بدل البسملة.
▲سورة الحمد / الآية 2
2 ) الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمينَ
▲التّفسير
▲العالم مغمور في رحمته
بعد البسملة، أول واجبات العباد أن يستحضروا دوماً مبدأ عالم الوجود، ونِعَمه اللامتناهية، هذه النعم التي تحيطنا وتغمر وجودنا، وتهدينا إلى معرفة الله من جهة، وتدفعنا على طريق العبودية من جهة اُخرى.
وعند ما نقول أن النعم تشكّل دافعاً ومحرّكاً على طريق العبودية، لأنّ الإنسان مفطور على البحث عن صاحب النعمة حينما تصله النعمة، ومفطور على أن يشكر المنعم على أنعامه.
من هنا فان علماء الكلام (علماء العقائد) يتطرقون في بحوثهم الأولية لهذا العلم إلى «وجوب شكر المنعم» باعتباره أمراً فطرياً وعقلياً دافعاً إلى معرفة الله سبحانه.
وإنّما قلنا إنّ النعم تهدينا إلى معرفة الله، لأنّ أفضل طريق وأشمل سبيل لمعرفته سبحانه، دراسة أسرار الخليقة، وخاصّة ما يرتبط بوجود النعم في حياة الإنسان.
ممّا تقدم ابتدأت سورة الحمد بعبارة (الحمد لله ربِّ العالمين).
ولفهم عمق هذه العبارة وعظمتها يلزمنا توضيح الفرق بين «الحمد» و«المدح» و«الشكر» والنتائج المترتبة على ذلك:
1ـ «الحمد» في اللغة: الثناء على عمل أو صفة طيبة مكتسبة عن اختيار، أي حينما يؤدّي شخص عملا طيّباً عن وعي، أو يكتسب عن اختيار صفة تؤهله لأعمال الخير فإنّنا نحمده ونثني عليه.
و«المدح» هو الثناء بشكل عام، سواء كان لأمر اختياري أو غير اختياري، كمدحنا جوهرة ثمينة جميلة. ومفهوم المدح عام، بينما مفهوم الحمد خاص.
أمّا مفهوم «الشكر» فأخصّ من الاثنين، ويقتصر على ما نبديه تجاه نعمة تغدق علينا من منعم عن اختيار (1).
ولو علمنا أنّ الألف واللام في (الحمد) هي لاستغراق الجنس، لعلمنا أنّ كل حمد وثناء يختص بالله سبحانه دون سواه.
ثناؤنا على الآخرين ينطلق من ثنائنا عليه تعالى، لأنّ مواهب الواهبين كالأنبياء في هدايتهم للبشر، والمعلمين في تعليمهم، والكرماء في بذلهم وعطائهم، والأطباء في علاجهم للمرضى وتطبيبهم للمصابين، إنّما هي في الأصل من ذاته المقدّسة. وبعبارة اُخرى: حمد هؤلاء هو حمد لله، والثناء عليهم ثناء على الله تعالى.
وهكذا الشمس حين تغدق علينا بأشعتها، والسحب بأمطارها، والأرض ببركاتها، كلّ ذلك منه سبحانه، ولذلك فكلّ الحمد له.
وبكلمة اُخرى: جملة (الحمد لله ربِّ العالمين) إشارة إلى توحيد الذات، والصفات، والأفعال (تأمّل بدقة).
2ـ وصف (الله) بأنّه (رَبّ الْعَالَميِن) هو من قبيل ذكر الدليل بعد ذكر إلادعاء، وكأنّ سائلا يقول: لم كان الحمد لله؟ فيأتي الجواب: لأنّه (رب العالمين).
وفي موقع آخر يقول القرآن عن الباري سبحانه: (الَّذي أحسن كلَّ شيء خلقه...) (2).
ويقول أيضاً: (وما من دابَّة في الأرض إلاَّ على الله رزقها) (3).
3ـ يستفاد من (الحمد) أنّ الله سبحانه واهب النعم عن إرادة واختيار، خلافاً لأولئك القائلين إنّ اللّه تعالى مجبر على أن يفيض بالعطاء كالشمس!!
4ـ جدير بالذكر أنّ الحمد ليس بداية كل عمل فحسب، بل هو نهاية كل عمل أيضاً كما يعلمنا القرآن.
يقول سبحانه عن أهل الجنّة: (دعواهم فيها سبحانك اللَّهمَّ وتحيَّتهم فيها سلامٌ وآخر دعواهم أن الحمد لله ربِّ العالمين) (4).
5ـ أمّا كلمة «ربّ» ففي الأصل بمعنى مالك وصاحب الشيء الذي يهتم بتربيته وأصلاحه. وكلمة «ربيبة» وهي بنت الزوجة، ومأخوذة من هذا المفهوم للكلمة. لأنّ الربيبة تعيش تحت رعاية زوج اُمّها.
والكلمة بلفظها المطلق تعني ربّ العالمين، وإذا أطلقت على غير الله لزم أن تضاف، كأن نقول: ربّ الدار، وربّ السفينة (5).
وذكر صاحب تفسير (مجمع البيان) معنىً آخر للرب، وهو السيد المطاع، ولكن لا يبعد أن يعود المعنيان إلى أصل واحد (6).
6ـ كلمة «عالمين» جمع «عالم»، والعالم: مجموعة من الموجودات المختلفة ذات صفات مشتركة، أو ذات زمان ومكان مشتركين، كأن نقول: عالم الإنسان، وعالم الحيوان، وعالم النبات، أو نقول عالم الشرق وعالم الغرب، وعالم اليوم، وعالم الأمس، فكلمة العالم وحدها تتضمن معنى الجمع، وحين تجمع بصيغة «عالمين»، فيقصد منها كل مجموعات هذا العالم.
ويلفت النظر هنا أن كلمة عالم جُمعت هنا جمعاً مذكراً سالماً، ونعرف أنّ جمع المذكر السالم يستعمل في العاقل عادة، ومن هنا ذهب بعض المفسرين إلى أنّ كلمة «عالمين» إشارة إلى المجموعات العاقلة في الكون كالبشر، والملائكة، والجن، ولكن قد يكون هذا الاستعمال للتغليب، أي لتغليب المجموعات العاقلة على غير العاقلة.
7ـ يقول صاحب المنار: (ويؤثر عن جدنا الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) أنّ المراد بـ (العالمين) النّاس فقط) (7) (8).
ثم يضيف: وقد وردت كلمة (العالمين) في القرآن الكريم أيضاً بهذا المعنى كقوله: (ليكون للعالمين نذيراً) (9).
ولكن، لو استعرضنا مواضع استعمال (عالمين) في القرآن، لرأينا أنّ هذه الكلمة وردت في كثير من الآيات بمعنى بني الإنسان، بينما وردت في مواضع اُخرى بمعنى أوسع يشمل البشر وسائر موجودات الكون الاُخرى، كقوله تعالى: (فللّه الحمد ربِّ السَّماوات وربِّ الأرض ربِّ العالمين) (10) وكقوله سبحانه: (قال فرعون وما ربُّ العالمين قال ربُّ السَّماوات والأرض وما بينهما) (11).
وعن الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) في تفسير (ربّ العالمين) قال: «رَبُّ الْعَالَمِينَ هُمُ الْجَمَاعَاتُ مِنْ كُلِّ مَخْلُوق مِنَ الْجَمَادَاتِ وَالْحَيْوَانَاتِ» (12).
كلمة عالمين يمكن فهمها في إطارها الكوني الأوسع، ويمكن فهمها في إطار عالم (الإنسان) ـ كما ورد في رواية الإمام زين العابدين(عليه السلام)، لأنّ الكائن البشري أشرف المخلوقات، ولأنّ الإنسان هو الهدف الأساس من هذه المجموعة الكبرى وليس بين الفهمين أي تناقض.
8ـ جدير بالذكر أنّ هناك من قسّم العالم إلى: عالم صغير وعالم كبير، والمقصود من العالم الصغير هو الإنسان، لأنّه لوحده ينطوي على مجموعة من نفس القوى المتحكمة في هذا الكون الفسيح، والإنسان ـ في الواقع ـ عيّنة مصغرة لكل هذا العالم.
الذي دعانا إلى التوسّع في مفهوم كلمة (العالم) هو أنّ عبارة «ربّ العالمين» جاءت وكأنّها دليل على عبارة (الحمد لله)، أي أننا نقول في سورة الفاتحة: إنّ الحمد مختص بالله تعالى لأنّه صاحب كلّ كمال ونعمة وموهبة في العالم.
▲بحثان
▲1 ـ رفض الآلهة
شهد التاريخ البشري ألوان الانحرافات عن خط التوحيد، والصفة البارزة في هذه الانحرافات هو الاعتقاد بوجود آلهة متعددة لهذا العالم، وفكرة التعدّد انطلقت من ضيق نظرة أصحابها الذين راحوا يعيّنون لكل جانب من جوانب الكون والحياة إلهاً، وكأنّ ربوبيّة العالمين لا يمكن إناطتها بمصدر واحد!! وراحت بعض الاُمم تصنع الآلهة لاُمور جزئية كالحب والعقل والتجارة والحرب والصيد.
اليونانيّون مثلا كانوا يعبدون اثنتي عشرة آلهةً وضعوها على قمة (أولمپ) وكل واحدة منها تمثل جانباً من صفات البشر!! (1).
والكلدانيّون اعتقدوا بإله الماء وإله القمر وإله الشمس وإله الزهرة، وأطلقوا على كل واحد منها اسماً معيّناً، واتخذوا فوق ذلك «مردوخ» إلهاً أكبر لهم.
والروم تعددت آلهتهم أيضاً، وراج سوق الشرك عندهم أكثر من أية اُمّة اُخرى. فقد قسموا الآلهة إلى مجموعتين: آلهة الأسرة وآلهة الحكومة، ولم يكونوا يكنون ولاءً لآلهة الحكومة، (لعدم إرتياحهم من حكومتهم!).
وقد ورد في التاريخ أن الروم اتخذوا لهم ثلاثين ألف إلهاً حتى قال أحد رجالهم مازحاً: إنّ عدد الهتنا من الكثرة إلى درجة أنّها أكثر من المارّة في الأزقة والطرقات، وكلّ واحد منها لمظهر من مظاهر الكون المشهودة، مثل إله الزراعة، وإله المطبخ، وإله مستودع الطعام، وإله البيت، وإله النار، وإله الفاكهة، وإله الحصاد، وإله شجرة العنب، وإله الغابة، وإله الحريق، وإله بوابة روما، وإله بيت النار (2).
وللخلاصة، أن البشرية كانت غارقة في وحل الخرافات كما أنّها تعاني الآن أيضاً من ذلك الموروث السقيم.
وفي عصر نزول القرآن كان في الجزيرة العربية وفي كثير من مناطق العالم، آلهة تعبد من دون الله. كما كانت عبادة الأفراد رائجة، وإلى ذلك يشير القرآن في خطابه لليهود والنصارى إذ يقول: (اتَّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) (3).
بعبارة موجزة، حين تنحرف البشرية عن خط التوحيد، وتتورط في شراك الخرافات وفخاخ الأوهام، فمضافاً إلى أنّها تساهم في تغريب العقل وانحطاط الفكر، تؤدّي الى تشتت المجتمع وتعمل على تمزيقه.
خط التوحيد الذي دعا إليه الأنبياء يتميز بنبذ الآلهة المتعددة، وهداية البشرية نحو الإله الواحد الاحد، وإنطلاقاً من هذه الأهميّة القصوى للقضاء على الآلهة المتعددة جاء التأكيد القرآني بعد آية البسملة بقوله: (الحمد لله ربِّ العالمين).
وبهذا يرسم القرآن الكريم خط البطلان على جميع الآلهة المزيفة وارباب النوع ويلقي بها في وادي العدم مكانها الاوّلي، ويغرس محلّها أزهار التوحيد والإتحاد.
هذا التأكيد يتلوه الإنسان المسلم عشر مرات في صلواته اليومية ـ على الأقل ـ لتترسخ فكرة التوحيد، وفكرة رفض ربوبيّة كل الأرباب والآلهة، غير ربوبيّة الله ربّ العالمين.
▲2 ـ ربوبية الله طريق لمعرفة الله
كلمة (الربّ)، وإن كانت تعني في الأصل المالك والصاحب، تتضمن معنى الصاحب المتعهّد بالتربية.
إمعان النظر في المسيرة التكاملية للموجودات الحيّة، وفي التغييرات والتحولات التي تجري في عالم الجماد، وفي الظروف التي تتوفّر لتربية الموجودات، وفي تفاصيل هذه الحركات والعمليات، هو أفضل طريق لمعرفة الله، والتنسيق اللاإرادي بين أعضاء جسدنا هو نموذج حيّ لذلك.
لو واجهنا في حياتنا ـ مثلا ـ حادثة هامّة تتطلب منّا أن ننهض أمامها بقوة وحزم، فإنّ أوامر منسّقة تصدر خلال لحظة قصيرة إلى جميع أجزاء جسدنا بشكل لا إرادي، وبسرعة خاطفة يشتد ضربان قلبنا وتنفسنا، وتتجهز كل قوانا، وتتدفق المواد الغذائية والأوكسجين ـ المحمولة عن طريق الدم ـ إلى جميع الخلايا، وتتأهب الأعصاب والعضلات للعمل والحركة السريعة، وترتفع قدرة تحمّل الإنسان للمتاعب والآلام، ويغادر النوم العيون، ويزول التعب من الأعضاء، ويزول الإحساس بالجوع.
من الذي أوجد هذا التنسيق العجيب في هذه اللحظة الحساسة، وبهذه السرعة، بين جميع أجزاء وجود الإنسان؟ هل هذه العناية والتربية ممكنة من غير الله العالم القادر؟!
آيات القرآن الكريم تكثر من عرض نماذج لهذه التربية الإلهيّة، سنتعرض لها في مكانها إن شاء الله تعالى، وكل واحدة منها دليل واضح على معرفة الله.
▲سورة الحمد / الآية 3
3 ) الرَّحْمنِ الرَّحيمِ
▲التّفسير
معنى (اَلرَّحْمن) و(الرَّحِيم) وإتساع مفهومهما والفرق بينهما، شرحناه في تفسير البسملة، ولا حاجة إلى التكرار، وما نضيفه هنا هو أنّ هاتين الصفتين تتكرران في البسملة والحمد، «والملتزمون» بذكر البسملة في السّورة بعد الحمد يكررون هاتين الصفتين في صلواتهم اليومية الواجبة ثلاثين مرّة، وبذلك يصفون الله برحمته ستين مرّة يومياً.
وهذا في الواقع درس لكل جماعة بشرية سائرة على طريق الله، وتوّاقة للتخلق بأخلاق الله، أنّه درس يبعد البشرية عن تلك الحالات التي شهدها تاريخ الرق في ظل القياصرة والأكاسرة والفراعنة.
القرآن يركز على علاقة الرحمة والرأفة بين ربّ العباد والعباد، حيث يقول: (قل يا عبادي الَّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنَّ الله يغفر الذُّنوب جميعاً) (1).
هذه العلاقة نستحضرها مرات يومياً إذ نقول: (الرَّحمن الرَّحيم)، لنربّي أنفسنا تربية صحيحة في علاقتنا بالله، وفي علاقتنا بأبناء جنسنا.
▲ سورة الحمد / الآية 4
4 ) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
▲التّفسير
▲الرّكيزة الثّانية: الإيمان بيوم القيامة
هذه الآية تلفت الأنظار إلى أصل هام آخر من اُصول الإسلام، هو يوم القيامة: (مالك يوم الدّين)، وبذلك يكتمل محور المبدأ والمعاد، الذي يعتبر أساس كل إصلاح أخلاقي واجتماعي في وجود الإنسان.
تعبير (مَالِكِ) يوحي بسيطرة الله التامة وهيمنته المستحكمة على كل شيء وعلى كل فرد في ذلك اليوم، حيث تحضر البشرية في تلك المحكمة الكبرى للحساب، وتقف أمام مالكها الحقيقي للحساب، وترى كل ما فعلته وقالته، بل وحتى ما فكرت به، حاضراً، فلا يضيع أي شيء ـ مهما صغر ـ ولا يُنسى، والإنسانُ ـ وحده ـ يحمل أعباء نتائج أعماله، بل نتائج كل سنّة استنّها في الأرض أو مشروع أقامه.
مالكية الله في ذلك اليوم دون شك ليست ملكية اعتبارية، نظير ملكيتنا للأشياء في هذا العالم. ملكيتنا هذه عقد يبرم بموجب تعامل ووثائق، وينفسخ بموجب تعامل آخر ووثائق اُخرى. لكن ملكية الله لعالم الكون ملكية حقيقية، تتمثل في إرتباط الموجودات إرتباطاً خاصاً بالله، ولو انقطع هذا الإرتباط لحظة لزالت الموجودات تماماً مثل زوال النور من المصابيح الكهربائية، حين ينقطع اتصالها بالمولّد الكهربائي.
بعبارة اُخرى: مالكية الله نتيجة خالقيته وربوبيّته. فالذي خلق الموجودات ورعاها وربّاها، وأفاض عليها الوجود لحظة بلحظة، هو المالك الحقيقي للموجودات.
نستطيع أن نرى نموذجاً مصغراً للمالكية الحقيقية، في مالكيتنا لأعضاء بدننا، نحن نملك ما في جسدنا من عين واُذن وقلب وأعصاب، لا بالمعنى الاعتباري للملكية، بل بنوع من المعنى الحقيقي القائم على أساس الإرتباط والإحاطة.
وقد يسأل سائل فيقول: لماذا وصفنا الله بأنه (مالك يوم الدّين) بينما هو مالك الكون كله؟
والجواب هو أنّ الله مالك لعالم الدنيا والآخرة، لكن مالكيته ليوم القيامة أبرز وأظهر، لأنّ الإرتباطات المادية والملكيات الاعتبارية تتلاشى كلها في ذلك اليوم، وحتى الشفاعة لا تتم يومئذ إلاّ بأمر الله: (يوم لا تملك نفسٌ لنفس شيئاً والاْمْر يوْمئذ لله) (1).
بتعبير آخر: قد يسارع الإنسان في هذه الدنيا لمساعدة إنسان آخر، ويدافع عنه بلسانه، ويحميه بأمواله، وينصره بقدرته وأفراده، وقد يشمله بحمايته من خلال مشاريع ومخططات مختلفة، لكن هذه الألوان من المساعدات غير موجودة في ذلك اليوم، من هنا حين يوجه هذا السؤال إلى البشر: (لمن الملك اليوم) يجيبون: (لله الواحد القهَّار) (2).
الإيمان بيوم القيامة، وبتلك المحكمة الإلهيّة الكبرى التي يخضع فيها كل شيء للإحصاء الدقيق، له الأثر الكبير في ضبط الإنسان أمام الزلاّت، ووقايته من السقوط في المنحدرات، وأحد أسباب قدرة الصلاة على النهي عن الفحشاء والمنكر هو أنّها تذكّر الإنسان بالمبدأ المطلّع على حركاته وسكناته وتذكّره أيضاً بمحكمة العدل الإلهي الكبرى.
التركيز على مالكية الله ليوم القيامة يقارع من جهة اُخرى معتقدات المشركين ومنكري المعاد، لأنّ الإيمان بالله عقيدة فطرية عامّة، حتى لدى مشركي العصر الجاهلي، وهذا ما يوضحه القرآن إذ يقول: (ولئن سألتهم من خلق السَّماوات والاْرْض ليقولنَّ الله) (3) بينما الإيمان بالمعاد ليس كذلك، فهؤلاء المشركون كانوا يواجهون مسألة المعاد بعناد واستهزاء ولجاج: (وقال الَّذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبّئكم إذا مزِّقتم كلَّ ممزَّق إنكم لفي خلق جديد افترى على الله كذباً أم به جنَّةٌ) (4).
وروي عن علي بن الحسين السجاد(عليه السلام): «أَنَّه كَانَ إذا قَرَأَ (مالك يوم الدّين) يُكَرِّرُهَا حَتَّى يَكَادَ أَنْ يَمُوتَ» (5).
أما تعبير (يوم الدِّين)، فحيثما ورد في القرآن يعني يوم القيامة، وتكرر ذلك في أكثر من عشرة مواضع من كتاب الله العزيز، وفي الآيات 17 و18 و19 من سورة الإنفطار ورد هذا المعنى بصراحة.
وأمّا سبب تسمية هذا اليوم بيوم الدين، فلأن يوم القيامة يوم الجزاء، و(الدين) في اللغة (الجزاء)، والجزاء أبرز مظاهر القيامة، ففي ذلك اليوم تُكشف السرائر ويُحاسب النّاس عمّا فعلوه بدقة، ويرى كل فرد جزاء ما عمله صالحاً أم طالحاً.
وفي حديث عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) يقول: «يَوْمُ الدّينِ هُوَ يَوْمُ الْحِسَابِ» (6)(والدين) استناداً إلى هذه الرواية يعني (الحساب)، وقد يكون هذا التعبير من قبيل ذكر العلّة وإرادة المعلول. لأنّ الحساب دوماً مقدمة للجزاء.
من المفسّرين من يعتقد أنّ سبب تسمية (يوم الدّين) يعود إلى أنّ كل إنسان يوم القيامة يُجازى إزاء دينه ومعتقده. لكن المعنى الأول (اَلْحِسَابُ وَالْجَزاءُ) يبدو أقرب إلى الصحة.
▲سورة الحمد / الآية 5
5 ) إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعينُ
▲التّفسير
▲الإنسان بين يدي الله
في هذه الآية يتغيّر لحن السّورة، إذ يبدأ فيها دعاء العبد لربّه والتضرّع إليه، الآيات السابقة دارت حول حمد الله والثناء عليه، والإقرار بالإيمان والإعتراف بيوم القيامة، وفي هذه الآية يستشعر الإنسان ـ بعد رسوخ أساس العقيدة ومعرفة الله في نفسه حضوره بين يدي الله... يخاطبه ويناجيه، يتحدث إليه أولا عن تعبّده، ثم يستمد العون منه وحده دون سواه: (إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين).
بعبارة اُخرى: عندما تتعمق مفاهيم الآيات السابقة في وجود الإنسان، وتتنوّر روحه بنور ربّ العالمين، ويدرك رحمة الله العامّة والخاصّة، ومالكيته ليوم الجزاء، يكتمل الإنسان في جانبه العقائدي، وهذه العقيدة التوحيدية العميقة، ذات عطاء يتمثّل أوّلا: في تربية الإنسان العبد الخالص لله، المتحرر من العبودية للآلهة الخشبية والبشرية والشهوية، ويتجلّى ثانياً: في الإستمداد من ذات الله تبارك وتعالى.
الآيات السابقة تحدثت في الحقيقة عن توحيد الذات والصفات، وهذه الآية تتحدّث عن توحيد العبادة وتوحيد الأفعال.
توحيد العبادة: يعني الإعتراف بأن الله سبحانه هو وحده اللائق بالعبادة والطاعة والخضوع، وبالتشريع دون سواه، كما يعني تجنب أىّ نوع من العبودية والتسليم لغير ذاته المقدسة.
وتوحيد الأفعال: هو الإيمان بأنّ الله هو المؤثّر الحقيقي في العالم (لاَ مُؤَثِّرَ فِي الْوُجُودِ إلاَّ الله) (1). وهذا لا يعني إنكار عالم الأسباب، وتجاهل المسببات، بل يعني الإيمان بأن تأثير الأسباب، إنّما كان بأمر الله، فالله سبحانه هو الذي يمنح النار خاصية الإحراق، والشمس خاصية الإنارة، والماء خاصية الإحياء.
ثمرة هذا الاعتقاد أنّ الإنسان يصبح معتمداً على (الله) دون سواه، ويرى أنّ الله هو القادر العظيم فقط، ويرى ما سواه شبحاً لا حول له ولا قوّة، وهو وحده سبحانه اللائق بالإتكال والاعتماد عليه في كل الاُمور.
هذا التفكير يحرر الإنسان من الإنشداد إلى أىّ موجود من الموجودات، ويربطه بالله وحده، وحتى لو تحرك هذا الإنسان في دائرة استنطاق عالم الأسباب، فإنّما يتحرّك بأمر الله تعالى، ليرى فيها تجلّي قدرة الله، وهو «مُسَبِّبُ الأسْبَابِ». (2)
هذا المعتقد يسمو بروح الإنسان ويوسّع آفاق فكره، ليرتبط بالأبدية واللانهاية، ويحرر الكائن البشري من الاُطر الضيقة الهابطة.
▲بحوث
▲1 ـ هو المستعان وحده
تقدم المفعول على الفاعل يفيد الحصر ـ كما يذكر أصحاب اللغة ـ، وتقدم «إيّاك» على «نَعْبُدُ» يدلّ على الحصر، أي أنّنا نعبدك دون سواك، ونتيجة هذا الحصر، هو توحيد العبادة وتوحيد الأفعال.
نعم، نحن محتاجون إلى عونه حتى في العبودية والطاعة، ولذلك ينبغي أن نستعين به في ذلك أيضاً، كي لا تتسرب إلى أنفسنا أوهام العجب والرياء وأمثالها من الانحرافات التي تجهض عبوديتنا.
بعبارة اُخرى: حين نقول (إيَّاك نعبد) فان هذه الجملة يشم منها رائحة الاستقلالية، لذلك نتبعها مباشرة بعبارة (إيَّاك نستعين)، كي نجسّم حالة الأمر بين الأمرين (لاَ جَبْرَ وَلا تَفْويض)، في عباداتنا، ومن ثمّ في كل أعمالنا.
▲2 ـ استعمال صيغ الجمع في تعبير الآيات
كلمة «نَعْبُدُ» و«نَسْتَعِينُ» بصيغة الجمع تشير إلى أن العبادة ـ خاصّة الصلاة ـ تقوم على أساس الجمع والجماعة، وعلى العبد أن يستشعر وجوده ضمن الجمع والجماعة، حتى حين يقف متضرّعاً بين يدي الله، فما بالك في المجالات الاُخرى!
وهذا الاتجاه في العبادة يعني رفض الإسلام لكل ألوان الفردية والإنعزال.
الصلاة خاصّة ـ ابتداء من إذانها وإقامتها حتى تسليمها ـ تدل على أنّ هذه العبادة هي في الأصل ذات جانب اجتماعي، أي أنّها ينبغي أن تؤدّى بشكل جماعة. صحيح أنّ الصلاة فرادى صحيحة في الإسلام، لكن العبادة الفردية ذات طابع فرعي ثانوي.
▲3 ـ الاستعانة به في كل الأمور
يواجه الإنسان في مسيرته التكاملية قوى مضادة داخلية (في نفسه)، وخارجية (في مجتمعه)، ويحتاج في مقاومة هذه القوى المضادة إلى العون والمساعدة، ومن هنا يلزم على الإنسان عندما ينهض صباحاً أن يكرر عبارة (إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين) ليعترف بعبوديته لله سبحانه، وليستمد العون منه في مسيرته الطويلة الشاقة، وعندما يجنّ عليه الليل لا يستسلم للرقاد إلاّ بعد تكرار هذه العبارة أيضاً، والإنسان المستعين حقّاً، هو الذي تتضاءل أمام عينيه كلّ القوى المتجبّرة المتغطرسة، وكل الجواذب المادية الخادعة، وذلك ما لا يكون إلاّ حينما يرتفع الإنسان إلى مستوى القول: (إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين) (1).
▲ سورة الحمد / الآية 6
6 ) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيمَ
▲التّفسير
▲السير على الصراط المستقيم
بعد أن يقّر الإنسان بالتسليم لربّ العالمين، ويرتفع إلى مستوى العبودية لله والإستعانة به تعالى، يتقدّم هذا العبد بأول طلب من بارئه، وهو الهداية إلى الطريق المستقيم، طريق الطّهر والخير، طريق العدل والإحسان، طريق الإيمان والعمل الصالح، ليهبه الله نعمة الهداية كما وهبه جميع النعم الاُخرى.
الإنسان في هذه المرحلة مؤمن طبعاً وعارف بربّه، لكنه معرّض دوماً بسبب العوامل المضادة إلى سلب هذه النعمة والانحراف عن الصراط المستقيم، من هنا كان عليه لزاماً أن يكرر عشر مرات في اليوم على الأقل طلبه من الله أن يقيه العثرات والانحرافات.
أضف إلى ما تقدم أنّ الصراط المستقيم هو دين الله، وله مراتب ودرجات لايستوي في طيّها جميع النّاس، ومهما سما الإنسان في مراتبه، فثمّة مراتب اُخرى أبعد وأرقى، والإنسان المؤمن توّاق دوماً إلى السير الحثيث على هذا السلّم الإرتقائي، وعليه أن يستمد العون من الله في ذلك.
ثمّة سؤال يتبادر إلى الإذهان عن سبب طلبنا من الله الهداية إلى الصراط المستقيم، تُرى هل نحن ضالون كي نحتاج إلى هذه الهداية؟ وكيف يصدر مثل هذا الأمر عن المعصومين وهم نموذج الإنسان الكامل؟!
وفي الجواب نقول:
أوّلا: الإنسان معرض في كل لحظة إلى خطر التعثر والانحراف عن مسير الهداية ـ كما أشرنا إلى ذلك ـ ولهذا كان على الإنسان تفويض أمره إلى الله، والإستمداد منه في تثبيت قدمه على الصراط المستقيم.
ينبغي أن نتذكر دائماً أن نعمة الوجود وجميع المواهب الإلهيّة، تصلنا من المبدأ العظيم تعالى لحظة بلحظة. وذكرنا من قبل أننا وجميع الموجودات (بلحاظ معين) مثل مصابيح كهربائية، النور المستمر في هذه المصابيح يعود إلى وصول الطاقة إليها من المولد الكهربائي باستمرار، فهذا المولّد ينتج كل لحظة طاقة جديدة ويرسلها عن طريق الأسلاك إلى المصابيح لتتحول إلى نور.
وجودنا يشبه نور هذه المصابيح، هذا الوجود، وإن بدا ممتداً مستمراً، هو في الحقيقة وجود متجدّد يصلنا باستمرار من مصدر الوجود الخالق الفيّاض.
هذا التجدّد المستمر في الوجود، يتطلب باستمرار هداية جديدة، فلو حدث خلل في الأسلاك المعنوية التي تربطنا بالله، كالظلم والاثم و... فإنّ إرتباطنا بمنبع الهداية سوف ينقطع، وتزيغ أقدامنا فوراً عن الصراط المستقيم.
نحن نتضرّع إلى الله في صلواتنا أن لا يعتري إرتباطنا به مثل هذا الخلل، وأن نبقى ثابتين على الصراط المستقيم.
ثانياً: الهداية هي السير على طريق التكامل، حيث يقطع فيه الإنسان تدريجياً مراحل النقصان ليصل إلى المراحل العليا، وطريق التكامل ـ كما هو معلوم ـ غير محدود، وهو مستمر إلى اللانهاية.
ممّا تقدّم نفهم سبب تضرّع حتى الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام) لله تعالى ليهديهم (الصِّراط المستقيم)، فالكمال المطلق لله تعالى، وجميع ما سواه يسيرون على طريق التكامل، فما الغرابة في أن يطلب المعصومون من ربّهم درجات أعلى؟!
نحن نصلّي على محمّد وآل محمّد، والصلاة تعني طلب رحمة إلهيّة جديدة لمحمّد وآل محمّد، ومقام أعلى لهم.
والرّسول(صلى الله عليه وآله) قال: (ربِّ زدني علماً) (1).
والقرآن الكريم يقول: (ويزيد اللّه الَّذين اهتدوا هدىً) (2).
ويقول: (والَّذين اهتدوا زادهم هدىً واتاهم تقواهم) (3).
ولمزيد من التوضيح نذكر الحديثين التاليين:
1ـ عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، قال في تفسير (إهدنا الصِّراط المستقيم): أي: «أَدِمْ لَنَا تَوْفِيقَكَ الَّذِي أَطَعْنَاكَ بِهِ فِي مَا مَضى مِنْ أيَّامِنَا، حَتَّى نُطِيعَكَ في مُسْتَقْبَلِ أَعْمَارِنَا» (4).
2ـ وقال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): «يَعْني أرْشِدْنَا لِلزُومِ الطَّريقِ الْمُؤَدّي إلى مَحَبَّتِكَ، وَالْمُبلِّغِ إلى جَنَتِّكَ، وَالْمَانِعِ مِنْ أَنْ نَتَّبعَ أَهْواءَنَا فَنَعْطَبَ، أو أَنْ نَأْخُذَ بِآرَائِنَا فَنَهْلَكَ» (5).
▲ما هو الصّراط المستقيم؟
هذا الصّراط كما يبدو من تفحص آيات الذكر الحكيم هو دين التوحيد والالتزام بأوامر الله، ولكنه ورد في القرآن بتعابير مختلفة.
فهو الدين القيّم ونهج إبراهيم(عليه السلام) ونفي كل أشكال الشّرك كما جاء في قوله تعالى: (قل إنَّني هداني ربِّي إلى صراط مستقيم ديناً قيِّماً ملَّة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين) (1)، فهذه الآية الشريفة عرّفت الصراط المستقيم من جنبة ايديولوجية.
وهو أيضاً رفض عبادة الشيطان والإتجاه إلى عبادة الله وحده، كما في قوله: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لاتعبدوا الشَّيطان إنَّه لكم عدوٌ مبينٌ * وأن اعبدوني هذا صراطٌ مستقيمٌ) (2)، وفيها إشارة إلى الجنبة العملية للدين.
أمّا الطريق إلى الصراط المستقيم فيتمّ من خلال الإعتصام بالله: (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) (3).
يلزمنا أن نذكر أنّ الطريق المستقيم هو طريق واحد لا أكثر، لأنّه لا يوجد بين نقطتين أكثر من خطّ مستقيم واحد، يشكل أقصر طريق بينهما، من هنا كان الصراط المستقيم في المفهوم القرآني، هو الدين الإلهي في الجوانب العقائدية والعملية، ذلك لأنّ هذا الدين أقرب طريق للإرتباط بالله تعالى، ومن هنا أيضاً فإنّ الدين الحقيقي واحد لا أكثر (إنَّ الدِّين عندالله الإسلام) (4).
وسنرى فيما بعد ـ إن شاء الله ـ أنّ للإسلام معنى واسعاً يشمل كل دين توحيدي في عصره، أي قبل أن ينسخ بدين جديد.
من هذا يتضح أنّ التفاسير المختلفة للصراط المستقيم، تعود كلّها إلى معنى واحد.
فقد قالوا: إنّه الإسلام.
وقالوا: إنّه القرآن.
وقالوا: إنّه الأنبياء والأئمّة.
وقالوا: إنّه دين الله، الذي لا يقبل سواه.
وكل هذا المعاني تعود إلى نفس الدين الإلهي في جوانبه الاعتقادية والعملية.
والروايات الموجودة في المصادر الإسلامية في هذا الحقل، تشير إلى جوانب متعددة من هذه الحقيقة الواحدة، وتعود جميعاً إلى أصل واحد منها:
عن رسول الله(صلى الله عليه وآله): «إهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الأَنْبِيَاءِ، وَهُمُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ» (5).
وعن جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) في تفسير الآية: (إهدنا الصِّراط المستقيم)، قال: «الطَّرِيقُ هُوَ مَعْرِفَةُ الإمَامِ» (6).
وعنه أيضاً: «واللهِ نَحْنُ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقيمُ» (7).
وعنه أيضاً: «الصِّرَاطُ الْمُسْتَقيمُ أَميرُ الْمُؤْمِنينَ(عليه السلام)» (8).
ومن الواضح أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) وعليّ(عليه السلام)، وأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، دعوا جميعاً إلى دين التوحيد الإلهي، والالتزام به عقائدياً وعملياً.
واللافت للنظر، أنّ «الراغب» يقول في مفرداته في معنى الصراط: إنّه الطريق المستقيم، فكلمة الصراط تتضمّن معنى الإستقامة، ووصفه بالمستقيم كذلك تأكيد على هذه الصفة.
▲ سورة الحمد / الآية 7
7 ) صِراطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لاَ الضّالِّينَ
▲التّفسير
▲خطّان منحرفان!
هذه الآية تفسير واضح للصراط المستقيم المذكور في الآية السابقة، إنّه صراط المشمولين بأنواع النعم (مثل نعمة الهداية، ونعمة التوفيق، ونعمة القيادة الصالحة، ونعمة العلم والعمل والجهاد والشهادة) لا المشمولين بالغضب الإلهي بسبب سوء فعالهم وزيغ قلوبهم، ولا الضائعين التائهين عن جادة الحق والهدى: (صراط الَّذين أنعمت عليهم غيرالمغضوب عليهم ولا الضّالِّين ).
ولاننا لسنا على معرفة تامّة بمعالم طريق الهداية، فإنّ الله تعالى يأمرنا في هذه الكريمة أن نطلب منه هدايتنا إلى طريق الأنبياء والصالحين من عباده: (الَّذين أنعم الله عليهم )، ويحذّرنا كذلك بأنّ أمامنا طريقين منحرفين، وهما طريق (المغضوب عليهم )، وطريق (الضّالّين )، وبذلك يتبيّن للإنسان طريق الهداية بوضوح.
▲بحثان
▲1 ـ من هم (الذين أنعمت عليهم ) ؟
الذين أنعم الله عليهم، تبيّنهم الآية الكريمة من سورة النساء إذ يقول: (ومن يطع اللهو الرَّسول فاولئك مع الَّذين أنعم الله عليهم من النَّبيين والصِّدِّيقين والشُّهداء والصَّالحينو حسن اولئك رفيقاً ) (1) .
والآية ـ كما هو واضح ـ تقسّم الذين أنعم الله عليهم على أربع مجاميع: الأنبياء، والصديقين، والشهداء، والصالحين.
لعل ذكر هذه المجاميع الأربع، إشارة إلى المراحل الأربع لبناء المجتمع الإنساني السالم المتطوّر المؤمن.
المرحلة الاُولى: مرحلة نهوض الأنبياء بدعوتهم الإلهيّة.
المرحلة الثانية: مرحلة نشاط الصديقين، الذين تنسجم أقوالهم مع أفعالهم، لنشر الدعوة.
المرحلة الثالثة: مرحلة الكفاح بوجه العناصر المضادة الخبيثة في المجتمع، وفي هذه المرحلة يقدم الشهداء دمهم لإرواء شجرة التوحيد.
المرحلة الرابعة: هي مرحلة ظهور «الصالحين» في مجتمع طاهرينعم بالقيم والمثل الإنسانية باعتباره نتيجة للمساعي والجهود المبذولة.
نحن ـ إذن ـ في سورة الحمد نطلب من الله ـ صباحاً ومساءاً ـ أن يجعلنا في خط هذه المجاميع الأربعة: خط الإنبياء، وخط الصديقين، وخط الشهداء، وخط الصالحين، ومن الواضح أنّ علينا أن ننهض في كل مرحلة زمنيّة بمسؤوليتنا ونؤدّي رسالتنا.
▲2 ـ من هم (المغضوب عليهم ) ، ومن هم (الضالين ) ؟
يتضح من الآية الكريمة أن (المغضوب عليهم ) و (الضّالِّين ) مجموعتان لا مجموعة واحدة، وأما الفرق بينهما ففيه ثلاثة أقوال:
1ـ يستفاد من استعمال التعبيرين في القرآن أنّ «المغضوب عليهم» أسوأ وأحطّ من «الضّالّين»، أي إنّ الضّالين هم التائهون عن الجادّة، والمغضوب عليهم هم المنحرفون المعاندون، أو المنافقون، ولذلك استحقوا لعن الله وغضبه.
قال تعالى: (ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضبٌ من الله ) (1) .
وقال سبحانه: (ويعذِّب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظَّانِّين بالله ظنَّ السوء، عليهم دائرة السَّوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعدَّ لهم جهنَّم ) (2) .
(المغضوب عليهم ) إذن يسلكون ـ إضافة إلى كفرهم ـ طريق اللجاج والعناد ومعاداة الحق، ولا يألون جهداً في توجيه ألوان التنكيل والتعذيب لقادة الدعوة الإلهيّة.
يقول سبحانه: (وبآءو بغضب من الله... ذلك بأنَّهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حقٍّ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) (3) .
2ـ ذهب جمع من المفسرين إلى أنّ المقصود من (الضّالِّين ) المنحرفون من النصارى، و (المغضوب عليهم ) المنحرفون من اليهود.
هذا الفهم ينطلق من مواقف هذين الفريقين تجاه الدعوة الإسلامية، فالقرآن يصرّح مراراً أنّ المنحرفين من اليهود كانوا يكنّون عداءاً شديداً وحقداً دفيناً للإسلام.
مع أنّ علماء اليهود كانوا من مبشّري ظهور الإسلام، لكنهم تحوّلوا إلى أعداء ألدّاء للإسلام لدى انتشار الدعوة لأسباب عديدة لا مجال لذكرها، منها تعرّض مصالحهم المادية للخطر. (تماماً مثل موقف الصهاينة اليوم من الإسلام والمسلمين).
تعبير (المغضوب عليهم ) ينطبق تماماً على هؤلاء اليهود، لكن هذا لا يعني حصر مفهوم المغضوب عليهم بهذه المجموعة من اليهود، بل هو من قبيل تطبيق الكلي على الفرد.
أمّا منحرفو النصارى فلم يكن موقفهم تجاه الإسلام يبلغ هذا التعنت، بل كانوا ضالين في معرفة الحق، والتعبير عنهم بالضالين هو أيضاً من قبيل تطبيق الكلي على الفرد.
الأحاديث الشريفة أيضاً فسّرت (المغضوب عليهم ) باليهود، و (الضَّالِّين ) بمنحرفي النصارى، والسبب في ذلك يعود إلى ما ذكرناه (4) .
3ـ من المحتمل أن (الضَّالِّين ) إشارة إلى التائهين الذين لا يصرّون على تضليل الآخرين، بينما (المغضوب عليهم ) هم الضالّون والمضلّون الذين يسعون إلى جرّ الآخرين نحو هاوية الانحراف.
الشاهد على ذلك حديث القرآن عن المغضوب عليهم بوصفهم: (الّذين يصدّون عن سبيل الله ) (5) إذ يقول: (والّذين يحاجّون في الله من بعد ما استجيب له حجّتهم داحضةٌ عند ربّهم وعليهم غضبٌ ولهم عذابٌ شديدٌ ) (6) .
ويبدوا أنّ التّفسير الأول أجمع من التّفسيرين التاليين، بل إنّ التّفسيرين التاليين يتحركان على مستوى التطبيق للتفسير الأول، ولا دليل لتحديد نطاق المفهوم الواسع للآية.
نهاية سورة الحمد
▲سورة البقرة، مدنيّة وعدد آياتها مائتان وست وثمانون
▲محتوى سورة البقرة
هذه السّورة أطول سور القرآن، ومن المؤكد أنّها لم تنزل مرّة واحدة، بل في مناسبات عديدة، حسب متطلبات المجتمع الإسلامي في المدينة، وتتميز بشمولها لمبادىء العقيدة ولكثير من الأحكام العملية (العبادية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية). ففي هذه السّورة:
1ـ موضوعات حول التوحيد ومعرفة الخالق، عن طريق استنطاق أسرار الكون.
2ـ جولات في عالم المعاد والبعث والنشور مقرونة بأمثلة حسيّة، مثل قصّة إبراهيم (عليه السلام)وإحياء الطير، وقصّة عُزير (عليه السلام).
3ـ آيات ترتبط بإعجاز القرآن وأهميّة كتاب الله العزيز.
4ـ سرد مطوّل حول وضع اليهود والمنافقين ومواقفهم المعادية للقرآن والإسلام وشدّة ضررهم في هذا المجال.
5ـ استعراض لتاريخ الأنبياء، وخاصّة إبراهيم وموسى (عليهما السلام).
6ـ بيان لأحكام إسلامية مختلفة مثل: الصلاة، والصوم، والجهاد، والحج، والقبلة، والزواج والطلاق، والتجارة والدَّين، والربا، والإنفاق، والقصاص، وتحريم بعض الأطعمة والأشربة، والقمار، وذكر نبذة من أحكام الوصية وأمثالها.
وأمّا تسميتها بالبقرة، فمأخوذة من قصّة بقرة بني إسرائيل، التي سيأتي شرحها في الآيات 67ـ 73 إن شاء الله.
▲فضيلة هذه السّورة
وردت في فضيلة هذه السّورة نصوص عديدة في المصادر الاسلامية، منها: روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنَّهُ سُئِلَ أَيُّ سُوَرِ الْقُرآنِ أفْضَلُ؟ قالَ: «الْبَقَرَةُ» قيلَ: أَيُّ آيَةِ الْبَقَرَةِ أفْضَلُ؟ قالَ: «آيَةُ الْكُرْسِيِّ» (1) .
أفضلية هذه السور تعود على ما يبدو إلى جامعيتها، وأفضلية آية الكرسي تعود إلى محتواها التوحيدي، وسيأتي ذكر ذلك في تفسيرها بإذن الله، وهذا لا يتنافى مع أفضلية سور اُخرى من جهات اُخرى. وروى علي بن الحسين (عليهما السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنَّهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله (صلى الله عليه وآله): «مَنْ قَرَأَ أرْبَعَ آيات مِنْ أوَّلِ الْبَقَرَةِ، وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ، وَآيَتَيْنِ بَعْدَها، وَثَلاثَ آيات مِنْ آخِرِها، لَمْ يَرَ في نَفْسِهِ وَمالِهِ شَيْئاً يَكْرَهُهُ وَلا يَقْرُبُهُ الشَّيْطانُ، وَلا يَنْسى الْقُرْآن» (2) .
من اللازم هنا أنْ نعيد التأكيد على هذه الحقيقة، وهي أنّ ما ذكر من ثواب وفضيلة وجزاء لتلاوة بعض السور والآيات الخاصّة، لا يعني ـ إطلاقاً ـ قراءتها بشكل أوراد، ولا الإكتفاء بترديد ألفاظها، بل التلاوة للفهم، والفهم من أجل التفكير، والتفكير لغرض العمل. ومن الملاحظ أنّ كل فضيلة ذكرت لآية أو سورة إنّما تتناسب كثيراً مع محتوى السّورة والآية.
ففي فضيلة سورة النور ذكر أنّ من يواظب على قراءتها يصونه الله وأولاده من (الزنا) وذلك لأنّ محتوى هذه السّورة يتضمن تعاليم في حقل مكافحة الانحرافات الجنسية، مثل حثّ العزّاب على الزواج، والأمر بالحجاب وغضّ الأبصار عما يثير الشهوة، والتحذير من إشاعة الفاحشة والقذف، وكذلك الأمر بإجراء الحد الشرعي على الزاني والزانية.
ومن الطبيعي أن محتوى هذه السّورة ـ إن دخل حيّز التنفيذ ـ يصون المجتمع والاُسرة من الزنا، وهكذا الآيات المذكورة من سورة البقرة، ستكون لها تلك الفضائل حتماً إنّ قرأها الإنسان بإمعان وتشبّعت نفسه بمحتواها، خاصّة وأنّها جميعاً تدور حول محور التوحيد والإيمان بالغيب ومعرفة الله، والحذر من وساوس الشيطان.
صحيح أنّ قراءة القرآن عمل مثاب عليه في أي حال من الأحوال، لكن الثواب الأساس يترتب على التلاوة المقرونة بالتفكير والعمل.
▲ سورة البقرة / الآية 1 - 2
1 ) الم
2 ) ذالِكَ الْكِتابُ لارَيْبَ فيهِ هُدىً لِلْمُتَّقينَ
▲التّفسير
▲تحقيق في الحروف المقطعة في القرآن
تسع وعشرون سورة من سور القرآن تبدأ بحروف مقطعة، وهذه الحروف ـ كما هو واضح من اسمها ـ لا تشكل كلمة مفهومة.
هذه الحروف من أسرار القرآن، وذكر المفسرون لها تفاسير عديدة، وأضاف لها العلماء المعاصرون تفاسير جديدة من خلال تحقيقاتهم.
جدير بالذّكر أنّ التاريخ لم يحدثنا أنّ عرب الجاهلية والمشركين عابوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجود هذه الحروف المقطعة في القرآن، ولم يتخذوا منها وسيلة للطعن والإستهزاء، وهذا يشير إلى أنّهم لم يكونوا جاهلين تماماً بأسرار وجود الحروف المقطعة.
اخترنا من التفاسير الكثيرة لهذه الحروف، عدداً من التفاسير باعتبار مسنديتها وانسجامها مع آخر الدراسات في هذا المجال، وسنذكر هذه التفاسير بالتدريج في بداية هذه السّورة، وسورة آل عمران، وسورة الأعراف، إن شاء الله. ونبدأ الآن بأهمّها:
هذه الحروف إشارة إلى أنّ هذا الكتاب السماوي، بعظمته وأهميّته التي حيّرت فصحاء العرب وغير العرب، وتحدّت الجن والإنس في عصر الرسالة وكلّ العصور، يتكون من نفس الحروف المتيسرة في متناول الجميع.
ومع أنّ القرآن يتكون من هذه الحروف الهجائية والكلمات المتداولة، فإنّ ما فيه من جمال العبارة وعمق المعنى يجعله ينفذ إلى القلب والروح، ويملأ النفس بالرضا والإعجاب، ويفرض احترامه على الأفكار والعقول.
في القرآن من الفصاحة والبلاغة ما لا يخفى على أحد، وليس هذا مجرّد ادّعاء، فخالق الكون تحدّى بهذا الكتاب جميع (الجن والإنس)، ليأتوا بمثله (ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ) (1) ، ولكنهم عجزوا جميعاً عن ذلك، وتلك دلالة على أن هذا الكتاب لم يصدر عن فكر بشر.
وكما أنّ الله تعالى خلق من التراب موجودات، كالإنسان بما فيه من أجهزة معقّدة محيّرة، وكأنواع الطيور الجميلة الرائقة، والأحياء المتنوعة، والنباتات والزهور المختلفة، وكما أنّنا ننتج من هذا التراب نفسه ألوان المصنوعات، كذلك الله سبحانه خلق من هذه الحروف الهجائية المتداولة، موضوعات ومعان سامية، في قوالب لفظية جميلة، وعبارات موزونة، وأسلوب خاص مدهش معجز، وهذه الحروف الهجائية موجودة تحت تصرف الإنسان، لكنه عاجز عن صنع جمل وعبارات شبيهة بالقرآن.
▲الأدب في العصر الجاهلي
من المهم أن نذكر هنا أن العصر الجاهلي كان عصراً ذهبياً للأدب العربي.
فالوثائق المتوفرة بأيدينا تشير إلى أنّ العرب الحفاة الجفاة الجاهليين، كانوا يتمتعون بذوق أدبي رفيع، وما وصلنا من شعر ونثر من تلك الفترة، يشير إلى قدرة اُولئك على التعبير الجميل الدقيق، ويحتل ذروة الفصاحة في الأدب العربي.
وكان للأدب سوق رائجة تدلّ على اهتمام العرب بلغتهم وآدابهم، و(سوق عكاظ) وأمثالها من الأسواق الأدبية تعكس هذا الإهتمام بوضوح.
والسوق المذكور كان يشهد ـ إضافة إلى المعاملات الاقتصادية والقضايا الاجتماعية ـ حركة أدبية تعرض خلالها أفضل مقطوعات الشعر والنثر، ويتم فيها انتخاب أفضل ما قيل من النظم خلال العام، و(المعلقات السبع) أو (العشر) نموذج لذلك، وكانت القصيدة الفائزة تعدّ فخراً كبيراً للشاعر ولقبيلته.
في مثل هذا العصر من الإنتعاش الأدبي، يتحدى القرآن النّاس أن يأتوا بمثله، ولكنهم عجزوا (سنذكر مزيداً من إعجاز القرآن في مجال التحدي لدى تفسير الآية 23 من هذه السّورة).
▲شاهد ناطق
الشاهد الناطق على هذا المنحى من تفسير الحروف المقطعة، حديث عن الإمام علي بن الحسين(عليه السلام)حيث يقول: «كَذَّبَ قُرَيْشُ وَالْيَهُودُ بِالْقُرْآنِ وَقَالُوا هذَا سِحْرٌ مُبِينٌ، تَقَوَّلَهُ، فَقَالَ الله: (الم، ذلك الكتاب... ): أيّ يَا محمّد، هذا الْكِتَابُ الَّذِي اَنْزَلْتُهُ إلَيْكَ هُوَ الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعةُ الَّتي مُنْهَا اَلِفٌ وَلامٌ وَميمٌ، وَهُوَ بِلُغَتِكُمْ وَحُرُوفِ هِجَائِكُمْ فَأتوا بِمِثْلِهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ...» (1) .
وثم شاهد آخر عن الإمام علي بن موسى الرض (عليه السلام) في قوله: «ثُمَّ قَالَ اِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى اَنْزَلَ هذَا الْقُرْآنَ بِهذِهِ الْحُرُوفِ الَّتِي يَتَدَاوَلُهَا جَمِيعُ الْعَرَبِ، ثُمَّ قَالَ: (قل لئن اجتمعت الإنس والجنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن... ) (2) .
وهناك ملاحظة تؤيد ما ذهبنا إليه في تفسير معنى الحروف المقطعة، وهي أنّ هذه الحروف في السور الأربع والعشرين التي ذكرناها، يتلوها مباشرة ذكر لعظمة القرآن، وهذا يدل على الإرتباط بين الحروف المقطعة وعظمة القرآن. وعلى سبيل المثال نذكر الآيات التالية:
1ـ (الر كتابٌ احكمت آياته ثمَّ فصِّلت من لدن حكيم خبير ) (3) .
2ـ (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين ) (4) .
3ـ (الم تلك آيات الكتاب الحكيم ) (5) .
4ـ (المص كتابٌ انزل إليك ) (6) .
بعد البسملة وذكر الآية الاُولى من سورة البقرة يقول تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه ). قد يشير هذا التعبير إلى أنّ الله تعالى وعد نبيّه أن ينزّل عليه كتاباً يهتدي به من طلب الحق، ولا يشك فيه من كان له قلب أو ألقى السمع وهو بصير، وها هو سبحانه قد وفى بوعده الآن.
وقوله: (لا ريب فيه ) ليس إدّعاءً، بل تقرير لحقيقة قرآنية مشهودة، وهي أنّ القرآن يشهد بذاته على حقّانيته. وبعبارة اُخرى فإنّ مظاهر الصدق والعظمة والانسجام والإستحكام وعمق المعاني وحلاوة الألفاظ والعبارات وفصاحتها من الوضوح بدرجة تبعد عنه كلّ شك.
و من المشهود أن مرّ العصور وكرّ الدهور لم يقلل من طراوة القرآن، بل إنّ حقائق القرآن، ازدادت وضوحاً بتطور العلوم وبانكشاف أسرار الكائنات، وكلما إزداد العلم تكاملا إزدادت آيات القرآن جلاء وسطوعاً.
وسنوضح هذه الحقيقة أكثر بإذن الله في مواضع اُخرى من هذا التّفسير.
▲بحوث
▲1- لماذا الإشارة إلى البعيد؟
نعلم أنّ كلمة (ذلك) إشارة إلى البعيد في لغة العرب. وقرب القرآن من أيدي النّاس يقتضي أن تكون الإشارة للقريب.
السبب في استعمال اسم الإشارة للبعيد يعود إلى بيان سموّ القرآن ورفعته، حتى كأنّه ـ في عظمته ـ يحتلّ نقطة الذروة في هذا الوجود، ومثل هذا الاستعمال شائع في سائر اللغات أيضاً حين يراد الإشارة إلى شخص ذي منزلة كبيرة مثلا.
في بعض مواضع القرآن وردت أيضاً كلمة (تلك)، وهي اسم إشارة للبعيد أيضاً، مثل: (تلك آيات الكتاب الحكيم ) (1) . والسبب فيه ما ذكرنا.
▲2ـ معنى الكتاب
«الكِتَابُ» يعني المكتوب والمخطوط، ولا شك أنّ المراد منه في الآية كتاب الله الكريم.
وهنا يثار سؤال حول سبب استعمال كلمة الكتاب للقرآن وهو آنئذ لم يكتب كلّه.
وفي الجواب نقول: استعمال هذه الكلمة لا يستلزم أن يكون القرآن كله مكتوباً، لإنّ اسم القرآن يطلق على كل هذا الكتاب، وعلى أجزائه أيضاً.
أضف إلى ذلك أن «الكتاب» يطلق أحياناً بمعنىً أوسع، ليشمل كل ما يليق أن يكتب فيما بعد، وإن لم يكن كذلك حين إطلاق اسم الكتاب عليه. ففي آية اُخرى نقرأ: (كتابٌ أنزلناه إليك مباركٌ ليدَّبَّروا آياته ) (1) . ومن المؤكد أنّ القرآن لم يكن بشكل كتاب مدوّن بين النّاس قبل نزوله.
وثمّة احتمال آخر وهو أنّ التعبير بالكتاب يشير إلى كتابة القرآن في «اللوح المحفوظ» (2) .
▲3ـ ما هي الهداية؟
كلمة (الهداية) لها عدّة معاني في القرآن الكريم، وكلها تعود أساساً إلى معنيين:
1ـ الهداية التكوينية: وهي قيادة ربّ العالمين لموجودات الكون، وتتجلى هذه الهداية في نظام الخليقة والقوانين الطبيعية المتحكّمة في الوجود، وواضح أنّ هذه الهداية تشمل كل موجودات الكون.
يقول القرآن على لسان موسى (عليه السلام): (ربُّنا الَّذي أعطى كلَّ شيء خلقه ثمَّ هدى ) (1) .
2ـ الهداية التشريعية: وهي التي تتم عن طريق الأنبياء والكتب السماوية، وعن طريقها يرتفع الإنسان في مدارج الكمال، وشواهدها في القرآن كثيرة منها قوله تعالى: (وجعلناهم أئمَّةً يهدون بأمرنا ) (2) .
▲4ـ لماذا اختصّت هداية القرآن بالمتقين؟
واضح أنّ القرآن هداية للبشرية جمعاء، فلماذا خصّت الآية الكريمة المتقين بهذه الهداية؟
السبب هو أنّ الإنسان لا يتقبل هداية الكتب السماوية ودعوة الأنبياء، مالم يصل إلى مرحلة معيّنة من التقوى (مرحلة التسليم أمام الحق وقبول ما ينطبق مع العقل والفطرة).
وبعبارة اُخرى: الأفراد الفاقدون للإيمان على قسمين:
قسم يبحث عن الحق، ويحمل مقداراً من التقوى يدفعه لأن يقبل الحق أنّى وجده.
وقسم لجوج متعصب قد استفحلت فيه الأهواء، لا يبحث عن الحق، بل يسعى في إطفاء نوره حيثما وجده.
ومن المسلم به أنّ أفراد القسم الأول هم الذين يستفيدون من القرآن أو أيّ كتاب سماوي آخر، أما القسم الثاني فلا حظّ لهم في ذلك.
وبعبارة ثالثة: كما إنّ «فاعليّة الفاعل» شرط في الهداية التكوينية وفي الهداية التشريعية، كذلك «قابلية القابل» شرط فيهما أيضاً.
الأرض السبخَةُ لا تثمر وإن هطل عليها المطر آلاف المرات، فقابلية الأرض شرط في استثمار ماء المطر.
وساحة الوجود الإنساني لا تتقبّل بذر الهداية ما لم يتمّ تطهيرها من اللجاج والتعصب والعناد. ولذلك قال سبحانه في كتابه العزيز أنّه: (هدىً للمتقين ).
▲التّفسير
▲آثار التقوى في روح الإنسان وبدنه
في بداية هذه السّورة قسّم القرآن النّاس حسب إرتباطهم بخط الإسلام على ثلاثة أقسام:
1ـ المتقون: وهم الذين تقبّلوا الإسلام في جميع أبعاده.
2ـ الكافرون: ويقعون في النقطة المقابلة للمتقين، ويعترفون بكفرهم، ولا يأبون أن يظهروا عداءهم للإسلام في القول والعمل.
3ـ المنافقون: ولهم وجهان، فهم مسلمون ظاهراً أمام المسلمين، وكفّار أمام أعداء الدين، وشخصيتهم الأصلية هي الكفر طبعاً وإن تظاهروا بالإسلام.
المجموعة الثالثة تضر بالإسلام ـ دون شك ـ أكثر من المجموعة الثانية، ولذلك فإنّ القرآن يقابلهم بشدّة أكثر كما سنرى.
هذه المسألة لا تختص بالإسلام طبعاً، كل المذاهب في العالم لها مؤمنون معتقدون، أو معارضون صريحون، أو منافقون محافظون. كما أنّها لا تختص بزمان معين، بل هي سارية في كل العصور.
▲المجموعة الاولى: المتقون
الآيات المذكورة تدور حول المجموعة الاُولى، وتطرح خصائصهم في خمسة عناوين هي:
▲1ـ الإيمان بالغيب
«الغيب والشهود» نقطتان متقابلتان، عالم الشهود هو عالم المحسوسات، وعالم الغيب هو ما وراء الحس. لأنّ «الغيب» في الأصل يعني ما بطن وخفي، وقيل عن عالم ما وراء المحسوسات «غيب» لخفائه عن حواسّنا، التقابل بين العالمين مذكور في آيات عديدة كقوله تعالى: (عالم الغيب والشَّهادة هو الرَّحمـن الرَّحيم ) (1) .
الإيمان بالغيب هو بالضبط النقطة الفاصلة الاُولى بين المؤمنين بالأديان السماوية، وبين منكري الخالق والوحي والقيامة، ومن هنا كان الإيمان بالغيب أول سمة ذكرت للمتّقين.
المؤمنون خرقوا طوق العالم المادي، واجتازوا جدرانه، إنّهم بهذه الرؤية الواسعة مرتبطون بعالم كبير لا متناه، بينما يصرّ معارضوهم على جعل الإنسان مثل سائر الحيوانات، محصوراً في موقعه من العالم المادي، وهذه الرؤية المادية تقمّصت في عصرنا صفات العلمية والتقدمية والتطورية!
لو قارنّا بين فهم الفريقين ورؤيتهما، لعرفنا أنّ: «المؤمنين بالغيب» يعتقدون أنّ عالم الوجود أكبر وأوسع بكثير من هذا العالم المحسوس، وخالق عالم الوجود غير متناه في العلم والقدرة والإدراك، وأنّه أزليّ وأبديّ، وأنّه صمّم هذا العالم وفق نظام دقيق مدروس، ويعتقدون أنّ الإنسان ـ بما يحمله من روح إنسانية ـ يسمو بكثير على سائر الحيوانات، وأنّ الموت ليس بمعنى العدم والفناء، بل هو مرحلة تكاملية في الإنسان، ونافذة تطل على عالم أوسع وأكبر.
بينما الإنسان المادي يعتقد أنّ عالم الوجود محدود بما نلمسه ونراه، وأنّ العالم وليد مجموعة من القوانين الطبيعية العمياء الخالية من أي هدف أو تخطيط أو عقل أو شعور، والإنسان جزء من الطبيعة ينتهي وجوده بموته، يتلاشى بدنه، وتندمج أجزاؤه مرّة اُخرى بالمواد الطبيعية، فلا بقاء للإنسان، وليس ثمّة فاصلة كبيرة بينه وبين سائر الحيوانات (2) !
ما أكبر الهوّة التي تفصل بين هاتين الرؤيتين للكون والحياة! وما أعظم الفرق بين ما تفرزه كل رؤية، من حياة اجتماعية وسلوك ونظام!
الرؤية الاُولى تربّي صاحبها على أن ينشد الحق والعدل والخير ومساعدة الآخرين، والثانية، لا تقدّم لصاحبها أي مبرّر على ممارسة الاُمور اللهم إلاّ ما عاد عليه بالفائدة في حياته المادية، من هنا يسود في حياة المؤمنين الحقيقيين التفاهم والإخاء والطّهر والتعاون، بينما تهيمن على حياة الماديين روح الاستعمار والاستغلال وسفك الدماء والنهب والسلب، ولهذا السبب نرى القرآن يتخذ من «الإيمان بالغيب» نقطة البداية في التقوى.
يدور البحث في كتب التّفسير عن المقصود بالغيب، أهو إشارة إلى ذات الباري تعالى، أم أنّه يشمل ـ أيضاً ـ الوحي والقيامة وعالم الملائكة وكل ما هو وراء الحس؟ ونحن نعتقد أنّ الآية أرادت المعنى الشامل لكلمة الغيب، لأنّ الإيمان بعالم ما وراء الحس ـ كما ذكرنا ـ أول نقطة افتراق المؤمنين عن الكافرين، إضافة إلى ذلك، تعبير الآية مطلق ليس فيه قيد يحدده بمعنى خاص.
بعض الروايات المنقولة عن أهل البيت (عليهم السلام) (3) تفسّر الغيب في الآية، بالمهدي الموعود المنتظر (سلام الله عليه) والذي نعتقد بحياته وخفائه عن الأنظار، وهذا لا ينافي ما ذكرناه بشأن معنى الغيب، لأنّ الروايات الواردة في تفسير الآيات تبيّن غالباً مصاديق خاصّة للآيات، دون أن تحدد الآيات بهذه المصاديق الخاصّة، وسنرى في صفحات هذا التّفسير أمثلة كثيرة لذلك، والروايات المذكورة بشأن تفسير معنى الغيب، تستهدف في الواقع توسيع نطاق معنى الإيمان بالغيب، ليشمل حتى الإيمان بالمهدي المنتظر (عليه السلام) ويمكننا القول أنّ الغيب له معنى واسع قد نجد له بمرور الزمن مصاديق جديدة.
▲2ـ الإرتباط بالله
الصفة الاُخرى للمتقين هي أنّهم (يقيمون الصَّلاة ).
«الصّلاة» باعتبارها رمز الإرتباط بالله، تجعل المؤمنين المنفتحين على عالم ماوراء الطبيعة على إرتباط دائم بالخالق العظيم، فهم لا يحنون رؤوسهم إلاّ أمام الله، ولا يستسلمون إلاّ لربّ السماوات والأرض، ولذلك لا معنى في قاموس حياتهم لعبادة الأوثان، أو التسليم أمام الجبابرة والطواغيت.
مثل هذا الإنسان يشعر أنّه أسمى من جميع المخلوقات الاُخرى، إذ أنّه منح لياقة الحديث مع ربّ العالمين، وهذا الإحساس الوجداني أكبر عامل في تربية الموجود البشري.
الإنسان الذي يقف خمس مرّات يوميّاً أمام الله، يتضرع إليه ويناجيه، ينطبع فكره وعمله وقوله بطابع إلهي، ومثل هذا الإنسان لا ينهج طريقاً فيه سخط الله (على أن يكون تضرعه لله صادراً عن أعماق قلبه ومنطلقاً من تمام وجوده) (1) .
▲3ـ الإرتباط بالنّاس
المتقون ـ إضافة إلى إرتباطهم الدائم بالخالق ـ لهم إرتباط وثيق ومستمر بالمخلوقين، ومن هنا كانت الصفة الثالثة التي يبيّنها لهم القرآن أنّهم (وممّا رزقناهم ينفقون ).
يلاحظ أنّ القرآن لا يقول: ومن أموالهم ينفقون، بل يقول: (وممّا رزقناهم ينفقون )، وبذلك وسّع نطاق الإنفاق ليشمل المواهب المادية والمعنوية.
فالمتقون لا ينفقون أموالهم فسحب، بل ينفقون من علمهم ومواهبهم العقلية وطاقاتهم الجسميّة ومكانتهم الاجتماعية، وبعبارة اُخرى ينفقون من جميع إمكاناتهم لمن له حاجة إلى ذلك دون توقّع الجزاء منه.
الملاحظة الاُخرى: إنّ الإنفاق قانون عام في عالم الخليقة، وخاصّة في التركيب العضوي لكل موجود حي. قلب الإنسان لا يعمل لنفسه فقط، بل ينفق ما عنده لجميع خلايا البدن، الدماغ والرئة وسائر أجهزة البدن تنفق دائماً من ثمار عملها، والحياة الجماعية ـ أساساً ـ لا مفهوم لها دونما إنفاق (1) .
الإرتباط بالنّاس في الحقيقة حصيلة الإرتباط بالله، فالإنسان المرتبط بالله يؤمن أنّ كل ما لديه من نِعَم إنّما هي مواهب إلهيّة مودعة لديه لفترة زمنيّة معينة، ومن هنا فلا يزعجه الإنفاق بل يسره ويفرحه، لأنّه بالإنفاق قسّم مال الله بين عباد الله، وبقيت له نتائج هذا العمل وبركاته المادية والمعنوية، وهذا التفكير يطهّر روح الإنسان من البخل والحسد، ويحوّل الحياة من ساحة لتنازع البقاء إلى مسرح للتعاون حيث يشعر كل فرد بأنّه مسؤول أن يضع ما لديه من مواهب تحت تصرف كل المحتاجين، مثل الشمس تفيض بأشعتها على الموجودات دون أن تتوقع من أحد جزاء.
في حديث عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) بشأن تفسير الآية (وممّا رزقناهم ينفقون ) يقول: «إنَّ مَعْنَاهُ وِمِمّا عَلَّمْنَاهُمْ يَبُثُّونَ» (2) .
بديهي أنّ الرّواية لا تريد أن تجعل الإنفاق مختصّاً بالعلم، بل إنّ الإمام الصادق يريد ـ بذكر هذا اللون من الإنفاق ـ أن يوسّع مفهوم الإنفاق كي لا يكون مقتصراً على الجانب المالي كما يتبادر إلى الأذهان لأول وهلة.
ومن هنا يتضح ضمنيّاً أنّ الإنفاق المذكور في الآية، لا يقتصر على الزكوات الواجبة والمستحبة، بل يتسع معناه ليشمل كل مساعدة بلا مقابل.
▲4ـالإيمان بالأنبياء(عليهم السلام)
الخاصّية الرابعة للمتّقين الإيمان بجميع الأنبياء وبرسالاتهم الإلهيّة; (والَّذين يؤمنون بما انزل إليك وما انزل من قبلك ). وفي هذا التعبير القرآني إشارة إلى أنّ المتقين يؤمنون بتوافق دعوة الأنبياء في المباديء والاُسس بأنّهم جميعاً هداة البشرية نحو صراط مستقيم واحد، أحدهم يكمل الشوط الذي قطعه سلفه في قيادة البشرية نحو كمالها المرسوم. ويؤمنون بأنّ الأديان الإلهيّة ليست وسيلة للتفرقة والنفاق، بل على العكس وسيلة للإرتباط وعامل للشّدّ بين أبناء البشر.
الأشخاص الذين يحملون مثل هذه الرّؤية ومثل هذا الإدراك يسعون لتطهير أرواحهم من التعصّب، ويؤمنون بما جاء به جميع الأنبياء لهداية البشر وتكاملهم، ويحترمون كل دعاة وهداة طريق التوحيد.
الإيمان برسالات الأنبياء السابقين لا يمنع طبعاً من انتهاج رسالة خاتم الأنبياء في الفكر والعمل، لأنّ هذه الرّسالة هي آخر حلقة من السلسلة التكاملية للأديان، وعدم انتهاجها يعني التخلف عن المسيرة التكاملية للبشرية.
▲5ـ الإيمان بيوم القيامة
آخر صفة في هذه السلسلة من الصفات التي قرّرها القرآن للمتقين (وبالآخرة هم يوقنون ).
إنّهم يوقنون بأنّ الإنسان لم يخلق هملا وعبثاً. فالخليقة عيّنت للكائن البشري مسيرة تكاملية لا تنتهي إطلاقاً بموته، إذ لو كان الموت نهاية المسير لكانت حياة الإنسان عبثاً لا طائل تحته.
المتّقون يقرّون بأن عدالة الله المطلقة تنتظر الجميع، ولا شيء من أعمال البشر في هذه الدنيا يبقى بدون جزاء.
هذا اللون من التفكير يبعث في نفس حامله الهدوء والسكينة، ويجعله يتحمل أعباء المسؤولية ومشاقّها بصدر رحب، ويقف أمام الحوادث كالطود الأشمّ، ويرفض الخضوع للظلم، وهذا التفكير يملأ الإنسان ثقة بأنّ الأعمال ـ صالحها وطالحها ـ لها جزاء وعقاب، وبأنّه ينتقل بعد الموت إلى عالم أرحب خال من كل ألوان الظلم، يتمتع فيه برحمة الله الواسعة وألطافه الغزيرة.
الإيمان بالآخرة يعني شقّ حاجز عالم المادة والدخول إلى عالم أسمى. ويعني أنّ عالمنا هذا مزرعة لذلك العالم الأسمى ومدرسة إعدادية له، وأنّ الحياة في هذا العالم ليست هدفاً نهائيّاً، بل تمهيد وإعداد للعالم الآخر.
الحياة في هذا العالم شبيهة بحياة المرحلة الجنينيّة، فهي ليست هدفاً لخلقة الإنسان، بل مرحلة تكاملية من أجل حياة اُخرى، وما لم يولد هذا الجنين سالماً خالياً من العيوب، لا يستطيع أن يعيش سعيداً في الحياة التالية.
الإيمان بيوم القيامة له أثر عميق في تربية الإنسان، يهبه الشجاعة والشهامة، لأنّ أسمى وسام يتقلده الإنسان في هذا العالم هو وسام «الشهادة» على طريق هدف مقدّس إلهي، والشهادة أحبّ شيء للإنسان المؤمن، وبداية لسعادته الأبديّة.
الإيمان بيوم القيامة يصون الإنسان من ارتكاب الذّنوب، بعبارة اُخرى: يتناسب ارتكابنا للذنوب مع إيماننا بالله واليوم الآخر تناسباً عكسياً، فكلما قوي الإيمان قلّت الذنوب، يقول الله سبحانه لنبيّه داود: (ولا تتَّبع الهوى فيضلَّك عن سبيل الله إنَّ الَّذين يضلُّون عن سبيل الله لهم عذابٌ شديدٌ بما نسوا يوم الحساب ) (1) .
نسيان يوم الحساب أساس كل طغيان وظلم وذنب، وبالتالي أساس استحقاق العذاب الشديد.
آخر آية في هذا البحث تشير إلى النتيجة التي يتلقاها المؤمنون المتّصفون بالصفات الخمس المذكورة، تقول: (اولئك على هدىً من ربِّهم واولئك هم المفلحون ).
وقد ضمن ربّ العالمين لهؤلاء هدايتهم وفلاحهم، وعبارة (من ربِّهم ) إشارة إلى هذه الحقيقة.
واستعمال حرف (على) في عبارة (على هدىً من ربِّهم ) يوحي بأنّ الهداية الإلهيّة مثل سفينة يركبها هؤلاء المتّقون لتوصلهم إلى السعادة والفلاح، (لأنّ حرف (على) يوحي غالباً معنى الاستعلاء).
واستعمال كلمة «هدى» في حالة نكرة يشير إلى عظمة الهداية التي شملهم الله بها.
وتعبير (هم المفلحون ) يفيد الانحصار كما يذكر علماء البلاغة، أي إنّ الطريق الوحيد للفلاح هو طريق هؤلاء المفلحين (2) !
▲بحثان
▲1ـ مواصلة طريق الإيمان والعمل
الآيات المذكورة استعملت الفعل المضارع الذي يشير عادة إلى الاستمرار (يؤمنون بالغيب ) و (يقيمون الصَّلاة ) و (ينفقون ) و (وبالآخرة هم يوقنون ). وهذا يعني أنّ المتّقين والمؤمنين الحقيقيّين هم الذين يواصلون مسيرتهم الحياتية بثبات واستمرار، دون تعثر أو تلكّؤ أو توقف.
هؤلاء ينطلقون منذ البدء بروح البحث عن الحق، وهذا يؤدّي بهم إلى تلبية دعوة القرآن، والقرآن بعد ذلك يوجد فيهم الخصائص الخمس المذكورة.
▲2ـ ما هي حقيقة التقوى؟
التقوى من الوقاية، أي الحفظ والصيانة (1) ، وهي بعبارة اُخرى جهاز الكبح الداخلي الذي يصون الإنسان أمام طغيان الشهوات.
لهذا السبب وصف أمير المؤمنين علي (عليه السلام) التقوى بأنّها الحصن الذي يقي الإنسان أخطار الإنزلاق إذ قال: «اِعْلَمُوا عِبَادَ الله اَنَّ التَّقْوَى دَارُ حِصْن عَزِيز» (2) .
وفي النصوص الدينية والأدبية تشبيهات كثيرة تجسّم حالة التقوى، فعن الإمام علي (عليه السلام)قال: «أَلا وَإنَّ التَّقْوَى مَطَايَا ذُلُلٌ، حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُها، واُعْطُوا أزِمَّتَها، فَاَوْرَدَتْهُمُ الْجَنَّةَ» (3) .
وعبد الله بن المعتز شبّه التقوى بحالة رجل يسير على طريق شائكة، ويسعى إلى أن يضع قدمه على الأرض بتأنّ وحذر، كي لا توخزه الأشواك، أو تتعلق بثيابه، يقول:
خَل الذُّنُوبَ صَغيرَهَا *** وَكَبيرَهَا فَهُوَ التُّقى
وَاصْنَعْ كَمَاش فَوْقَ أرْ *** ضِ الشَّوْك يَحْذَرُ مَا يَرى
لا تَحْقِرَنَّ صَغيرَة *** اِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصى! (4)
هذا التشبيه يفيد أيضاً أنّ التقوى لا تعني العزلة والإنزواء عن المجتمع، بل تعني دخول المجتمع، وخوض غماره، مع الحذر من التلوّث بأدرانه إن كان المجتمع ملوثاً.
بشكل عام، فانّ حالة التقوى والضبط المعنوي من أوضح آثار الإيمان بالله واليوم الآخر، ومعيار فضيلة الإنسان وافتخاره، ومقياس شخصيته في الإسلام، حتى أضحت الآية الكريمة: (إنَّ أكرمكم عند الله اتقاكم ) (5) شعاراً إسلامياً خالداً.
يقول الإمام عليّ (عليه السلام): «اِنَّ تَقْوى اللهِ مِفْتَاحٌ سَدَادٌ، وَذَخيرَةُ مَعَاد، وَعِتْقٌ من كُلِّ مَلَكَة، وَنَجَاةٌ مِنْ كُلِّ هَلكَة» (6) .
جدير بالذكر أنّ التقوى ذات شعب وفروع، منها التقوى المالية والاقتصادية، والتقوى الجنسية والاجتماعية، والتقوى السياسية...
▲ سورة البقرة / الآية 6 - 7
6 ) إِنَّ الَّذينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لايُؤْمِنُونَ
7 ) خَتَمَ اللّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظيمٌ
▲التّفسير
▲المجموعة الثّانية: الكفّار المعاندون
هذه المجموعة تقف في النقطة المقابلة تماماً للمتقين، والآيتان المذكورتان بيّنتا باختصار صفات هؤلاء.
الآية الاُولى تقول: إنّ الإنذار لا يجدي نفعاً مع هؤلاء، فهم متعنّتون في كفرهم (إنّ الّذينَ كَفُروا سَواءٌ عَلَيهِم ءَأنذرتَهم أمْ لَم تُنذِرهُم لا يُؤمِنون ) بعكس الطائفة الاُولى المستعدّة لقبول الحق لدى أوّل ومضة.
هذه المجموعة غارقة في ضلالها وترفض الإنصياع للحق حتى لو اتضح لديها، من هنا كان القرآن غير مؤثر فِي هؤلاء، وهكذا الوعد والوعيد، لأنّهم يفتقدون الأرضية اللازمة لقبول الحق والاستسلام له.
الآية الثّانية تشير إلى سبب هذا اللجاج والتعصب وتقول: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ )، ولذلك استحقوا أن يكون (لهم عذابٌ عظيمٌ ).
أجهزة استقبال الحقائق معطوبة عند هؤلاء، العين التي يرى المتقون فيها آيات الله، والاُذن التي يسمعون بها نداء الحق، والقلب الذي يدركون به الحقائق، كلها قد تعطّلت وتوقفت عن العمل لدى الكافرين. هؤلاء لهم عيون وآذان وعقول، لكنهم يفتقدون قدرة «الرؤية» و«الإدراك» و«السمع». لأنّ انغماسهم في الانحراف وعنادهم ولجاجهم كُلها عناصر تشكّل حجاباً أمام أجهزة المعرفة.
الإنسان قابل للهداية طبعاً ـ إن لم يصل إلى هذه المرحلة ـ مهما بلغ به الضلال، أمّا حينما يبلغ في درجة يفقد معها حسّ التشخيص «فلات حين نجاة» لأنّه افتقد أدوات الوعي والفهم، ومن الطبيعي أن يكون في إنتظاره عذاب عظيم.
▲بحوث
▲1ـ سلب قدرة التشخيص ومسألة الجبر
أول سؤال يطرح في هذا المجال يدور حول مسألة الجبر، التي قد تتبادر إلى الأذهان من قوله تعالى: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ... ) فهذا الختم يفيد بقاء هؤلاء في الكفر إجباراً، دون أن يكون لهم اختيار في الخروج من حالتهم هذه، أليس هذا بجبر؟ وإذا كان جبراً فلماذا العقاب؟
القرآن الكريم يجيب على هذه التساؤلات ويقول: إنّ هذا الختم وهذا الحجاب هما نتيجة إصرار هؤلاء ولجاجهم وتعنّتهم أمام الحق، واستمرارهم في الظلم والطغيان والكفر، يقول تعالى: (بل طبع الله عليها بكفرهم ) (1) ويقول: (كذلك يطبع الله على كلِّ قلب متكبِّر جبار ) (2) ويقول أيضاً: (افرايت من اتَّخذ إلهه هواه واضلَّه الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوةً ) (3) .
كل هذه الآيات تقرر أنّ السبب في سلب قدرة التشخيص، وتوقف أجهزة الإدراك عن العمل يعود إلى الكفر والتكبر والتجبر واتّباع الهوى واللجاج والعناد أمام الحق، هذه الحالة التي تصيب الإنسان، هي في الحقيقة ردّ فعل لأعمال الإنسان نفسه.
من المظاهر الطبيعية في الموجود البشري، أنّ الإنسان لو تعوّد على انحراف واستأنس به، يتخذ في المرحلة الاُولى ماهيّة الـ«حالة» ثمّ يتحول إلى «عادة» وبعدها يصبح «ملكة» وجزءً من تكوين الإنسان حتى يبلغ أحياناً درجة لا يستطيع الإنسان أن يتخلّى عنها أبداً، لكن الإنسان إختار طريق الانحراف هذا عن علم ووعي، ومن هنا كان هو المسؤول عن عواقب أعماله، دون أن يكون في المسألة جبر، تماماً مثل شخص فقأ عينيه وسدَّ اُذنيه عمداً، كي لا يسمع ولا يرى.
ولو رأينا أنّ الآيات تنسب الختم وإسدال الغشاوة إلى الله، فذلك لأنّ الله هو الذي منح الانحراف مثل هذه الخاصية. (تأمّل بدقّة).
عكس هذه الظاهرة مشهود أيضاً في قوانين الطبيعة، أي إنّ الفرد السائر على طريق الطهر والتقوى والاستقامة تمتد يد الله عزوجل إليه لتقوّي حاسّة تشخيصه وإدراكه ورؤيته، هذه الحقيقة توضّحها الآية الكريمة. (يا أيُّها الَّذين آمنوا ان تتَّقوا الله يجعل لكم فرقاناً ) (4) .
في حياتنا اليومية صور عديدة لأفراد ارتكبوا عملا محرّماً، فتألّموا في البداية لما فعلوه واعترفوا بذنبهم، لكنهم استأنسوا تدريجيّاً بفعلهم، وزالت من نفوسهم حساسيتهم السابقة تجاه الذنب، ووصل أمرهم إلى حدٍّ يجدون اللذة والإنشراح في الانحراف، وقد يضفون عليه صفة الواجب الإنساني أو الواجب الديني!!
وفي تأريخنا الإسلامي ظهر مجرمون سفّاكون مولعون بإزهاق الأرواح والتنكيل بالمسلمين كما ذكر في حالات «الحجاج بن يوسف الثقفي» أنّه كان يضع لأعماله الإجرامية تبريرات دينية، ويقول مثلا: إنّ الله سلّطنا على هؤلاء النّاس المذنبين لنظلمهم، فهم مستحقون لذلك!!
وكذلك قيل: إنّ أحد جنود المغول خطب في أحد مدن ايران الحدودية وقال: ألستم تعتقدون أنّ عذاب الله يصيب المذنبين؟ فنحن عذاب الله عليكم، فلا ينبغي لكم المقاومة.
▲2ـ لماذا يصرّ الأنبياء على هداية هؤلاء إذا كانوا لا يهتدون؟
وهذا سؤال آخر يُطرح في إطار الآيات المذكورة، والجواب عليه يتضح لوعرفنا أنّ العقاب الإلهي يرتبط بمواقف الإنسان العملية وسلوكه الفعلي، لا بما يُكنّه في قلبه من زيغ وضلال فقط، من هنا كان لابدّ من توجيه الدعوة حتى إلى هؤلاء الذين لا يهتدون، بعد ذلك يستحق الفرد العقاب تبعاً لموقفه من الدعوة. بعبارة اُخرى لابدّ من «إتمام الحجّة» قبل العقاب.
بعبارة موجزة: الثّواب والعقاب يتوقفان حتماً على العمل بعد إنجازه، لا على المحتوى الفكري والروحي للفرد.
أضف إلى ما سبق: أنّ الأنبياء بُعثوا للناس جميعاً، وهؤلاء الذين (طبع الله على قلوبهم ) قليلون في المجتمع، أمّا الأكثرية فهم التائهون الذين يتقبّلون الهداية ضمن برنامج تعليمي تربوي صحيح.
▲3ـ الختم على القلوب
في الآيات المذكورة وآيات اُخرى عبّر القرآن عن عملية سلب حسّ التشخيص والإدراك الواقعي للأفراد بالفعل «ختم»، وأحياناً بالفعل «طبع» و«ران».
في اللغة «خَتَمَ» الإناء بمعنى سدّه بالطين أو غيره، وأصلها من وضع الختم على الكتب والأبواب كي لا تُفتح، والختم اليوم مستعمل في الإستيثاق من الشّيء والمنع منه كختم سندات الأملاك والرسائل السرّية الهامة.
وهناك شواهد من التاريخ تدلّ على أنّ الملوك وأرباب السلطة كانوا سابقاً يختمون صرر الذهب بخاتمهم الخاص ويبعثون بها إلى المنظورين للإطمئنان على سلامة الصرر وعدم التلاعب في محتوياتها.
والشائع في هذا الزمان الختم على الطرود البريدية أيضاً، وقد استعمل القرآن كلمة «الختم» هنا للتعبير عن حال الأشخاص المعاندين الذين تراكمت الذنوب والآثام على قلوبهم حتى منعت كلمة الحق من النفوذ إليها وأمست كالختم لا سبيل إلى فتحه.
و«طبع» بمعنى ختم أيضاً.
أما «ران» فمن «الرين» وهو صدأ يعلو الشيء الجليّ، واستعمل القرآن هذه الكلمة في حديثه عن قلوب الغارقين في أوحال الفساد والرّذيلة: (كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) (1) .
المهم أنّ الإنسان ينبغي أن يكون حذراً لدى صدور الذنب منه، فيسارع إلى غسله بماء التوبة والعمل الصالح، كي لا يتحول إلى صفة ثابتة مختوم عليها في القلب.
في حديث عن الإمام محمّد بن علي الباقر (عليه السلام): «مَا مِنْ عَبْد مُؤْمِن إلاّ وَفي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، فَإذَا أَذْنَبَ ذَنْباً خَرَجُ فِي تِلْكَ النُّكْتَةِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإذَا تَابَ ذَهَبَ ذَلِكَ السَّوَادُ، فَإنْ تَمَادى في الذُّنُوبِ زَادَ ذَلِكَ السَّوَادُ حَتّى يُغَطِّيَ الْبَيَاضَ، فَإذَا غُطّيَ الْبَيَاضُ لَمْ يَرْجِعْ صَاحِبُهُ إلَى خَيْر أبَدَاً، وَهُوَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: (كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون )» (2) .
▲4ـ المقصود من «القلب» في القرآن
لماذا نسب إدراك الحقائق في القرآن إلى القلب، بينما القلب ليس بمركز للإدراك بل مضخة لدفع الدم إلى البدن؟!
الجواب على ذلك: أنّ القلب في القرآن له معان متعددة منها:
1ـ بمعنى العقل والإدراك كقوله تعالى: (إنَّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ ) (1) .
2ـ بمعنى الروح والنفس كقوله سبحانه: (وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ) (2) .
3ـ بمعنى مركز العواطف كقوله: (سالقي في قلوب الَّذين كفروا الرُّعب ) (3) وقوله: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لاَنْفضُّوا من حَولكَ ) (4) .
لمزيد من التوضيح نقول:
في وجود الإنسان مركزان قويّان هما:
1ـ مركز الإدراك، ويتكون من الدماغ وجهاز الأعصاب، لذلك نشعر أنّنا نستقبل المسائل الفكرية بدماغنا حيث يتمّ تحليلها وتفسيرها. (وإن كان الدماغ والأعصاب في الواقع وسيلة وآلة للروح).
2ـ مركز العواطف، وهو عبارة عن هذا القلب الصنوبري الواقع في الجانب الأيسر من الصدر، والمسائل العاطفية تؤثر أول ما تؤثر على هذا المركز حيث تنقدح الشرارة الاُولى.
حينما نواجه مصيبة فإننا نحسّ بثقلها على هذا القلب الصنوبري، وحينما يغمرنا الفرح فاننا نحسّ بالسرور والإنشراح في هذا المركز (لا حظ بدقّة).
صحيح أنّ المركز الأصلي للإدراك والعواطف هو الروح والنفس الإنسانية، لكن المظاهر وردود الفعل الجسمية لها مختلفة، ردود فعل الفهم والإدراك تظهر أولا في جهاز الدماغ، بينما ردود فعل القضايا العاطفية كالحب والبغض والخوف والسكينة والفرح والهمّ تظهر في القلب بشكل واضح، ويحسّها الإنسان في هذا الموضوع من الجسم.
ممّا تقدم نفهم سبب إرتباط المسائل العاطفية في القرآن بالقلب (العضو الصنوبري المخصوص)، وإرتباط المسائل العقلية بالقلب (أي العقل أو الدماغ).
أضف إلى ما تقدم أنّ عضو القلب له دور مهم في حياة الإنسان وبقائه، وتوقفه لحظة يؤدّي إلى الموت، فماذا يمنع أن تنسب النشاطات الفكرية والعاطفية إليه؟!
▲5ـ لماذا جاءت قلوبهم و أبصارهم بصيغة الجمع، و سمعهم بصيغة المفرد؟
يتكرر في القرآن استعمال القلب والبصر بصيغة الجمع: قلوب وأبصار، بينما يستعمل السمع دائماً بصيغة المفرد، فما السرّ في ذلك؟
قبل الإجابة لابدّ من الإشارة إلى أنّ القرآن استعمل السمع والبصر بصيغة المفرد أيضاً كقوله تعالى: (وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوةً ) (1) .
الشّيخ الطّوسي (رحمه الله) في تفسير «التبيان» ذكر نقلا عن لغوي معروف، أنّ سبب ذلك قد يعود إلى أحد أمرين:
أوّلا: إنّ كلمة «السمع» قد تستعمل باعتبارها اسم جمع، ولا حاجة عندئذ إلى جمعها.
ثانياً: إنّ كلمة «السمع» لها معنى المصدر، والمصدر يدل على الكثير والقليل، فلا حاجة إلى جمعه.
ويمكننا أن نضيف إلى ما سبق تعليلا ذوقياً وعلمياً هو أنّ الإدراكات القلبية والمشاهدات العينية تزيد بكثير على «المسموعات»، ولذا جاءت القلوب والأبصار بصيغة الجمع، والفيزياء الحديثة تقول لنا إنّ الأمواج الصوتية المسموعة معدودة لا تتجاوز عشرات الآلاف، بينما أمواج النور والألوان المرئية تزيد على الملايين. (تأمل بدقّة).
▲ سورة البقرة / الآية 8 - 16
8 ) وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنينَ
9 ) يُخادِعُونَ اللّهَ وَ الَّذينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ
10 ) في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَ لَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ
11 ) وَ إِذا قيلَ لَهُمْ لاتُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ
12 ) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لايَشْعُرُونَ
13 ) وَ إِذا قيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَ لكِنْ لايَعْلَمُونَ
14 ) وَ إِذا لَقُوا الَّذينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
15 ) اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
16 ) أُولئِكَ الَّذينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدينَ
▲التّفسير
▲المجموعة الثّالثة: المنافقون
هذه الآيات تبيّن ـ باختصار وعمق ـ الخصائص الروحية للمنافقين وأعمالهم.
الإسلام واجه في عصر انبثاق الرسالة مجموعة لم تكن تملك الإخلاص اللازم للإيمان، ولا القدرة اللازمة للمعارضة.
هذه المجموعة المذبذبة المصابة بازدواج الشخصية توعّلت في أعماق المسلمين، وشكّلت خطراً كبيراً على الإسلام والمسلمين، كان تشخيصهم صعباً لأنّهم متظاهرون بالإسلام، غير أنّ القرآن بيّن بدقّة مواصفاتهم وأعطى للمسلمين في كل القرون والأعصار معايير حيّة لمعرفتهم.
الآيات المذكورة قبلها بيّنت في مطلعها الخط العام للنفاق والمنافقين: (ومن النَّاس من يقول آمنَّا بالله وبال يوم الآخر وماهم بمؤمنين ).
هؤلاء يعتبرون عملهم المذبذب هذا نوعاً من الشطارة والدهاء (يخادعون الله والَّذين آمنوا ) بينما لا يشعر هؤلاء أنّهم يسيئون بعملهم هذا إلى أنفسهم، ويبدّدون بانحرافهم هذا طاقاتهم، ولا يجنون من ذلك إلاّ الخسران والعذاب الإلهي. (وما يخدعون إلاّ أنفسهم وما يشعرون ).
في الآية التالية يبيّن القرآن أنّ النفاق في حقيقته نوع من المرض، فإنّ الإنسان السالم له وجه واحد فقط، وفي ذاته انسجام تام بين الروح والجسد، لأنّ الظاهر والباطن، والروح والجسم، يكمل أحدهما الآخر. إذا كان الفرد مؤمناً فالإيمان يتجلى في كل وجوده، وإذا كان منحرفاً فظاهره وباطنه يدلان على انحرافه.
وازدواجية الجسم والروح مرض آخر وعلّة إضافية، أنّه نوع من التضاد والانفصال في الشخصية الإنسانية: (في قلوبهم مرضٌ ).
وبما أنّ سنّة الله في الكون اقتضت أن يتيسّر الطريق لكل سالك، وأن تتوفر سبل التقدّم لكل من يجهد في وضع قدمه على الطريق، وبعبارة اُخرى: إنّ تكريس أعمال الإنسان وأفكاره في خط معين، تدفعه نحو الإنغماس والثبات في ذلك الخط فقد أضاف القرآن قوله: (فزادهم الله مرضاً ).
وبما أنّ الكذب رأس مال المنافقين، يبرّرون به ما في حياتهم من متناقضات، ولهذا أشار القرآن في ختام الآية إلى هذه الحقيقة: (ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون ).
ثم تستعرض الآيات خصائص المنافقين، وتذكر أوّلا أنّهم يتشدّقون بالإصلاح، بينما هم يتحركون على خط التخريب والفساد: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنَّما نحن مصلحون * ألا إنَّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ).
ذكرنا سابقاً أنّ الإنسان، لو تمادى في الغيّ والضلال، يفقد قدرة التشخيص، بل تنقلب لديه الموازين، ويصبح الذنب والإثم جزءً من طبيعته، والمنافقون أيضاً بإصرارهم على انحرافهم يتطبّعون بخط النفاق، وتتراءى لهم أعمالهم بالتدريج وكأنهم أعمال إصلاحية، وتغدو بصورة طبيعة ثانية لهم.
علامتهم الاُخرى: إعتدادهم بأنفسهم واعتقادهم أنّهم ذووا عقل وتدبير، وأنّ المؤمنين
سفهاء وبسطاء: (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن النَّاس قالوا أنؤمن كما آمن السُّفهاء )؟!!.
وهكذا تنقلب المعايير لدى هؤلاء المنحرفين، فيرون الإنصياع للحق وإتّباع الدعوة الإلهيّة سفاهة، بينما يرون شيطنتهم وتذبذبهم تعقّلا ودراية!! غير أنّ الحقيقة عكس مايرون: (ألا إنَّهم هم السُّفهاء ولكن لا يعلمون ).
أليس من السفاهة أن لا يضع الإنسان لحياته خطاً معيناً، ويبقى يتلوّن بألوان مختلفة؟! أليس من السفاهة أن يضيّع الإنسان وحدة شخصيته، ويتّجه نحو إزدواجية الشخصية وتعدّد الشخصيات في ذاته، ويهدر بذلك طاقاته على طريق التذبذب والتآمر والتخريب، وهو مع ذلك يعتقد برجاحة عقله؟!
العلامة الثالثة لهؤلاء، هي تلوّنهم بألوان معينة تبعاً لما تفرضه عليهم مصالحهم، فهم انتهازيون يظهرون الولاء للمؤمنين ولأعدائهم من الشياطين: (وإذا لقوا الَّذين آمنوا قالوا آمنَّا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنَّما نحن مستهزءون )!.
يؤكّدون لشياطينهم أنّهم معهم، وأنّ ولاءهم للمؤمنين ظاهري، هدفه الاستهزاء.
وبلهجة قويّة حاسمة يردّ القرآن الكريم على هؤلاء ويقول: (الله يستهزيء بهم ويمدُّهم في طغيانهم يعمهون ) (1) .
الآية الأخيرة توضّح المصير الأسود المظلم لهؤلاء المنافقين، وخسارتهم في سيرتهم الحياتية الضّالة: (اولئك الّذين اشتروا الضَّلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ).
▲بحوث
▲1ـ ظهور النّفاق وأسبابه
حينما تندلع الثورة في منطقة معينة فإنّ مصالح الفئة الظالمة الناهبة المستبدة تتعرض للخطر حتماً، خاصّة إذا كانت الثورة مثل ثورة الإسلام تقوم على أساس الحقّ والعدالة. فهذه الفئة تسعى للإطاحة بالثورة عن طريق السخريّة والإستهزاء أوّلا، ثُمّ بالاستفادة من القوّة المسلحة والضغوط الاقتصادية، والتضليل الاجتماعي.
وحين تبدو في الاُفق علامات انتصار الثورة تعمد فئة من المعارضين إلى تغيير موقفها، فتستسلم ظاهرياً، وتتحول في الواقع إلى مجموعة معارضة سريّة.
هؤلاء يسمّون «منافقين» لانطوائهم على شخصيتين مختلفتين (المنافق مشتقة من النفق: وهو الطريق النافذ في الأرض المحفور فيها للإستتار أو الفرار)، وهم أخطر أعداء الثورة، لأنّ مواقفهم غير واضحة، والاُمّة الثائرة لا تستطيع أن تعرفهم وتطردهم من صفوفها، لذلك يتغلغلون في صفوف النّاس المخلصين الطيبين، ويتسلّمون أحياناً المناصب الحساسة في المجتمع.
ثورة الإسلام في عصرها الأوّل واجهت مثل هذه المجموعة، فبعد الهجرة المباركة وضعت أول لبنة للدولة الإسلامية في المدينة المنورة، وإزداد الكيان الإسلامي الوليد قوّة بعد انتصار المسلمين في غزوة «بدر». وهذه الانتصارات عرضت للخطر مصالح زعماء المدينة، وخاصّة اليهود منهم، لأنّ اليهود كانوا يتمتعون في المدينة بمكانة ثقافية واقتصادية مرموقة. وهؤلاء أنفسهم كانوا يبشّرون قبل البعثة النّبوية المباركة بظهور النبي.
كما كان في المدينة أفراد مرشحون للزعامّة والملكية، لكن الهجرة النّبوية بدّدت آمال هؤلاء المتضررين من الدعوة حينما رأوا أنّ الجماهير تندفع نحو الإسلام، وتنقاد إلى النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله) حتى عمّت الدعوة ذويهم وأقاربهم.
وبعد مدّة من الدين الجديد، لم يروا بُدّاً من الإستسلام والتظاهر بالإسلام، تجنباً لمزيد من الأخطار الاقتصادية والاجتماعية وحذراً من الإبادة، خاصّة وأنّ قوّة العربي تتمثل في قبيلته، والقبائل أسلمت للدين الجديد لكن هؤلاء راحوا يخططون خفية للإطاحة بالإسلام.
بعبارة موجزة، إنّ ظاهرة «النفاق» في المجتمع، تعود إلى عاملين: أحدهما، انتصار الثورة وسيطرة الرسالة الثورية على المجتمع، والآخر: انهزام المعارضين نفسياً، وفقدانهم للشجاعة الكافية لمواجهة المدّ الجديد، واضطرارهم إلى الاستسلام الظاهري أمام الدعوة.
▲2ـ ضرورة معرفة المنافقين في كل مجتمع
ظاهرة النفاق والمنافقين لا تختص ـ دون شك ـ بعصر الرسالة الأول، بل هي ظاهرة عامّة تظهر بشكل وآخر في كل المجتمعات، من هنا لابدّ للجماعة المسلمة أن تعرف أوصافهم
كما جاء في القرآن، كي تحبط مؤامراتهم وتقف بوجههم، في الآيات السابقة وفي سورة المنافقين وهكذا في النصوص الإسلامية وردت للمنافقين أوصاف مختلفة منها:
1ـ كثرة الضجيج والإدعاءات الفارغة، أو بعبارة اُخرى: كثرة القول وقلّة العمل المفيد المتزن.
2ـ التلوّن والتذبذب، فمع المؤمنين يقولون «آمنا» ومع المعارضين يقولون «إنّا معكم».
3ـ الانفصال عن الاُمّة، وتشكيل الجمعيات السرية وفق خطط مبيّتة.
4ـ المكر والخداع والكذب والتملق والنكول والخيانة.
5ـ التعالي على النّاس، وتحقيرهم، واعتبارهم بلهاء سفهاء، إلى جانب الاعتداد بالنفس.
على أي حال، إزدواجية الشخصية، والتضاد بين المحتوى الداخلي والسلوك الخارجي في وجود المنافقين، يفرز ظواهر عديدة بارزة مشهودة في أعمالهم وأقوالهم وسلوكهم الفردي والاجتماعي.
وما أجمل تعبير القرآن في حقّ هؤلاء إذ يقول: (في قلوبهم مرضٌ )، وأيّ مرض أسوأ من إزدواجية الظاهر والباطن، ومن التعالي على النّاس؟!!
هذا المرض مثل سائر الأمراض الخفية التي تصيب القلب لايمكن اخفاؤه تماماً، بل تظهر علائمه بوضوح على جميع أعضاء الإنسان.
في مجلدات هذا التّفسير شرح أوفى لحالة النفاق والمنافقين لدى البحث في الآيات 141ـ 143 من سورة النساء وفي الآيات 49ـ 57 من سورة التّوبة وفي الآيات 62ـ 85 من سورة التوبة أيضاً.
▲3ـ سعة معنى النفاق
النفاق في مفهومه الخاص ـ كما ذكرنا ـ صفة اُولئك الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، لكن النفاق له معنىً عام واسع يشمل كل ازدواجية بين الظاهر والباطن، وكل افتراق بين القول والعمل، من هنا قد يوجد في قلب المؤمن بعض ما نسميه «خيوط النفاق».
ففي الحديث النّبوي: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً وَإنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ: مَنْ إذَا
ائْتُمُنَ خَانَ، وَإذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإذَا وَعَدَ أَخْلَفَ» (1) .
الحديث لايدور هنا طبعاً عن المنافق بالمعنى الخاص، بل عن الذي في قلبه خيوط من النفاق، تظهر على سلوكه بأشكال مختلفة، وخاصّة بشكل رياء، كما جاء في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): «أَلرِّيَاءُ شَجَرَةٌ لاَ تُثْمِرُ إلاَّ الشِّرْكَ الْخَفِيَّ، وَأَصْلُهَا النِّفَاقُ» (2) .
وفي نهج البلاغة نصّ رائع في وصف المنافقين عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يقول فيه:(3)«اُوصِيكُمْ عِبَادَ الله بِتَقْوَى الله، وَاُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ النِّفَاقِ، فَإنَّهُمُ الضَّالُّونَ المُضِلُّونَ، وَالزّالُّونَ الْمُزِلُّونَ(4)، يَتَلَوَّنُونَ أَلْوَانَاً، وَيَفْتَنُّونَ إفْتِنَاناً(5)، وَيَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَاد، وَيَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَاد، قُلُوبُهُمْ دَوِيَّة ٌ(6) وَصِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ. يَمْشُونَ اَلْخَفَاءَ(7)، وَيَدِبُّونَ الضَّرَاءَ وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ، وَقَوْلُهُمْ شِفَاءُ، وَفِعْلُهُمْ الدّاءُ الْعَيَاءُ(8)، حَسَدَةُ الرَّخَاءِ(9)، وَمُؤَكِّدُو الْبَلاَءِ، وَمُقْنِطُو الرَّجَاءِ، لَهُمْ بِكُلِّ طَرِيق صَرِيعٌ(10)وَإلى كُلِّ قَلْب شَفِيعٌ، وَإلَى كلِّ شَجْو دُمُوع (11) يَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءَ(12) وَيَتَراقَبُونَ الْجَزَاءً: إنْ سَأَلُوا اَلْحَفُوا (13)، وَإنْ عَذَلُوا كَشَفُوا...».(14)
▲4ـ مؤامرة المنافقين
المنافقون يشكّلون أخطر تجمع معارض، لا على الإسلام فحسب، بل على كلّ رسالة ثورية تقدمية، حيث ينفذون بين صفوف المسلمين، ويستغلّون كل فرصة للتآمر.
يتحدّث القرآن عن تآمر هؤلاء في صدر الإسلام ويذكر نماذج من أعمالهم، يذكر مثلا استهانة هؤلاء بشخصية المؤمنين، وبما يقدمه المؤمنون على قدر طاقتهم من صدقات فيقول: (الَّذين يلمزون المطَّوِّعين من المؤمنين في الصَّدقات والَّذين لايجدون إلاّ جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذابٌ أليمٌ ) (1) .
ويتخذون أحياناً في اجتماعاتهم السريّة قرارات بشأن قطع مساعدتهم المالية لأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كي يتفرقوا عن الرسالة والرّسول: (هم الَّذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضُّوا ولله خزائن السَّموات والأرض ولكنَّ المنافقين لا يفقهون ) (2) .
كما يتخذون القرارات بإخراج المؤمنين من المدينة بعد انتهاء الحرب والعودة إلى المدينة: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ ) (3) .
وكانوا يتخلفون عن الجهاد بمبررات مختلفة من قبيل الانشغال بالحصاد مثلا، ويتركون الرّسول في ساعات الشدّة. وهم مع ذلك خائفين من انفضاح أمرهم وانكشاف سرّهم.
بسبب هذه المواقف العدائية التآمرية ركز القرآن على التنديد بالمنافقين في مواضع عديدة، واحتوت سورة المنافقين عرضاً مفصّلا لوضعهم، كما تضمّنت سورة التوبة والحشر وسور اُخرى حملات شديدة على المنافقين، وتحدثت ثلاث عشرة آية من سورة البقرة عن صفاتهم وعواقب مكرهم.
▲5ـ خداع الضمير
المنافقون يشكلون مشكلة كبرى للمسلمين، ذلك لأنّ المسلمين مكلفون ـ من جهة ـ باحتضان كلّ من يظهر الإسلام وبالامتناع عن تفتيش عقائد الأفراد، ومسؤولون ـ من جهة اُخرى ـ عن الحذر من مؤامرات المنافقين وتحركاتهم المشبوهة التي يستهدفون منها الوقوف بوجه الرسالة، وإن اتخذت هذه التحركات صفة إسلامية ظاهرية.
المنافقون يظنون أنّهم بعملهم هذا يستطيعون أن يخدعوا المسلمين ويمرروا عليهم مؤامراتهم، بينما هؤلاء يخدعون أنفسهم.
التعبير القرآني (يخادعون الله والَّذين آمنوا ) يوضّح مفهوماً دقيقاً، فكلمة يخادعون تعني الخداع المشترك من الطرفين، وتبيّن أنّ هؤلاء المنافقين كانوا يعتقدون ـ لعمى بصيرتهم ـ أنّ النبي خدّاع توسّل بالدين والنبوّة وجمع حوله السذّج من النّاس ليكون له حكم وسلطان، ومن هنا راح المنافقون يتوسلون بخدعة لمقابلة خدعة النبي! فالتعبير القرآني المذكور يوضّح إذن لجوء المنافقين إلى الخدعة، ويبين كذلك نظرة هؤلاء الخاطئة إلى النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله).
ثم تردّ الآية الكريمة على هؤلاء وتقول: (وما يخدعون إلاّ أنفسهم وما يشعرون )، فالفعل «يخدعون» يوضِّح أنّ الخداع من جانب المنافقين فقط، وتؤكد الآية أيضاً أنّهم يخدعون أنفسهم دون أن يشعروا، لأنّهم يبددون بأفعالهم هذه طاقاتهم العظيمة على طريق الانحراف، ويحرمون أنفسهم من السعادة التي رسم الله طريقها لهم، ويغادرون الدنيا وهم صفر اليدين من كل خير، مثقلون بأنواع الذنوب والآثام.
لا يمكن لأحد أن يخدع الله طبعاً لأنّه سبحانه عالم بالجهر وما يخفى، وتعبير (يخادعون الله ) إمّا أن يكون المقصود به يخادعون الرّسول والمؤمنين، لأنّ من يخدع الرّسول والمؤمنين فكأنه خدع الله (في القرآن مواضع كثيرة عظّم فيها الله رسوله والمؤمنين إذ قرن اسمهم باسمه). وإمّا أن يكون نقص العقل وسوءالفهم قد بلغ بالمنافقين حداً تصوروا معه أنّهم قادرون على أن يخفوا على الله شيئاً من أعمالهم (شبيه ذلك ماورد في آيات اُخرى من كتاب الله العزيز).
على أيّ حال، الآية المذكورة تشير بوضوح إلى حقيقة خداع الضمير والوجدان، وأنّ الإنسان المنحرف الملوّث كثيراً ما يعمد إلى خداع نفسه ووجدانه للتخلص من تأنيب
الضمير، ويصبح بالتدريج مقتنعاً بأنّ قبائحه ليست عملا انحرافياً، بل هي أعمال إصلاحية (إنَّما نحن مصلحون )، وبذلك يخدعون أنفسهم، ويستمرون في غيّهم.
ذكر أنّ أحد القادة الأمريكيين وجّه إليه سؤال حول سبب إلقاء القنبلة الذرية على مدينتي (هيروشيما وناكازاكي) اليابانيتين ممّا أدّى إلى مقتل مأئتي ألف إنسان بريء أو أصابتهم بالعاهات، فقال: نحن فعلنا ذلك من أجل السلام! ولو لم نفعل ذلك لطالت الحرب أكثر، ولذهب ضحيتها عدد أكبر من القتلى!!
المنافقون في كل عصر وفي عصرنا هذا يتشبّثون بمثل هذه الأقاويل لخداع النّاس وخداع أنفسهم، فهذا الزعيم الأمريكي يضع أمامه طريقين فقط هما: استمرار الحرب أو القصف الذري للمدن الآمنة، متناسياً طريقاً ثالثاً واضحاً وهو الكف عن الإعتداء على الشعوب وترك النّاس أحراراً مع ثرواتهم! وممّا تقدم يتضح أنّ النفاق وسيلة لخداع الضمير وشلّ مفعوله، وما أخطر عملية شلّ الضمير الإنساني، الذي يعتبر الواعظ الداخلي والرقيب اليقظ الأمين والمندوب الإلهي في نفس الإنسان!!.
▲6ـ التجارة الخاسرة
شبّه القرآن الكريم في مواضع عديدة عمل الإنسان في الحياة الدنيا بالتجارة، ونحن في الحياة الدنيا تجار نأتي إلى هذا المتجر الكبير برأس مال وهبه لنا الله سبحانه، وعناصره العقل والفطرة والعواطف والطاقات الجسميّة المختلفة ومواهب عالم الطبيعة، ثم قيادة الأنبياء، جمع يربحون ويفوزون ويسعدون، وجمع لا يجنون ربحاً، بل أكثر من ذلك يفقدون رأس مالهم، ويفلسون بكل ما لهذه الكلمة من معنى، المجاهدون في سبيل الله من أفراد الجمع الأول، ويقول عنهم الله تعالى: (يا أيُّها الَّذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ) (1) .
والمنافقون من أبرز نماذج الجمع الثاني، فبعد أن يذكر القرآن أعمالهم التخريبية المتلبسة بظاهر الإصلاح والتعقّل يقول عنهم: (أولئك الَّذين اشتروا الضَّلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وماكانوا مهتدين ).
كان بمقدور هؤلاء أن ينتخبوا أفضل طريق لحياتهم، لأنّهم كانوا يعيشون إلى جانب ينبوع الوحي الصافي، وفي جوّ مفعم بالصدق والإخلاص والإيمان، لكنهم فوّتوا على أنفسهم هذه الفرصة الفريدة العظيمة، وأضاعوا ما وهبهم الله من هداية فطرية في ذواتهم، ومن هداية تشريعية في إطار نور الوحي، واشتروا الضلالة وسلكوا طريقاً خالوا أنهم يستطيعون به أن يقضوا على الدعوة ويصلوا إلى مآربهم الخبيثة.
وكان في هذه المقايضة الخاطئة خسارتان:
الاُولى: ضياع ثرواتهم المادية والمعنوية. والثانية: فشلهم في تحقيق أهدافهم المشؤومة، فالإسلام سرعان ما ضرب بجرانه في أرجاء الأرض فاضحاً خطط المنافقين.
▲سورة البقرة / الآية 17 - 20
17 ) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ في ظُلُمات لايُبْصِرُونَ
18 ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لايَرْجِعُونَ
19 ) أَوْ كَصَيِّب مِنَ السَّماءِ فيهِ ظُلُماتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَ اللّهُ مُحيطٌ بِالْكافِرينَ
20 ) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فيهِ وَ إِذا أَظْلَمَ
عَلَيْهِمْ قامُوا وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْء قَديرٌ
▲التّفسير
▲مثالان رائعان لوصف حالة المنافقين
بعد أن بيّن القرآن صفات المنافقين وخصائصهم، يقدّم مثالين متحركين لتجسيم وضعهم:
1ـ (مثلهم ) المنافقين (كمثل الَّذي استوقد ناراً ) في ليلة مظلمة، كي يهتدي بها في الطريق ويبلغ مقصده. (فلمّا أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لايبصرون ).
لقد ظنّ هؤلاء أنّهم قادرون على أن يحقّقوا أهدافهم بما لديهم من إمكانات إنارة محدودة.
ولكن نارهم سرعان ما انطفأت بسبب عوامل جوّيّة، أو بسبب نفاد الوقود، وظلّوا حائرين لا يهتدون سبيلا.
ثم تضيف الآية الكريمة أنّ هؤلاء فقدوا كل وسيلة لدرك الحقائق: (صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لايرجعون ).
والمثال المذكور يصوّر بدقّة عمل المنافقين على ساحة الحياة الإنسانية، فهذه الحياة مملوءة بطرق الانحراف والضلال، وليس فيها سوى طريق مستقيم واحد للهداية، وهذا الطريق مليء بالمزالق والأعاصير. ولا يستطيع الفرد أن يهتدي من بين الطرق الملتوية إلى الصراط المستقيم، كما لا يستطيع أن يتجنب المزالق ويقاوم أمام الأعاصير، إلاّ بنور العقل والإيمان، وبمصباح الوحي الوهّاج.
وهل تستطيع الشعلة المحدودة المؤقتة التي يضيئها الإنسان، أن تهدي الكائن البشري في هذا الطريق الشائك الطويل؟!
هؤلاء الذين سلكوا طريق النفاق، ظنوا أنّهم قادرون بذلك أن يحافظوا على مكانتهم ومصالحهم لدى المؤمنين والكافرين، وأن ينضمّوا إلى الفئة الغالبة بعد نهاية المعركة، كانوا يخالون أن عملهم هذا ذكاء وحنكة، وأرادوا أن يستفيدوا من هذا الذكاء وهذه الحنكة، كضوء يشقّ لهم طريق الحياة ويوصلهم إلى مآربهم، لكن الله سبحانه ذهب بنورهم وفضحهم، إذ قال لرسوله: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنَّك لرسول الله والله يعلم إنَّك لرسوله والله يشهد إنَّ المنافقين لكاذبون ) (1) .
والقرآن الكريم يفضح المنافقين لدى الكافرين أيضاً، ويبيّن كذبهم ونكولهم إذ يقول: (الم تر إلى الَّذين نافقوا يقولون لإخوانهم الَّذين كفروا من أهل الكتاب لئن اخرجتم لنخرجنَّ معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنَّهم لكاذبون * لئن اخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولُّنَّ الاْدْبار ثمَّ لا ينْصرون ) (2) .
جدير بالذكر أنّ القرآن استعمل عبارة (إستوقد ناراً ) أي إنّهم استفادوا للإنارة من «النار» ذات الدخان والرّماد والحريق، بينما يستنير المؤمنون بنور الإيمان الخالص وبضوئه الساطع.
باطن المنافقين ينطوي على النار، وإن تظاهروا بنور الإيمان، وإذا كان ثمّة نور فهو ضعيف في قوته وقصير في مدته.
هذا النور الضعيف المؤقّت، إمّا أن يكون إشارة إلى الضمير والفطرة التوحيدية، أو إشارة إلى الإيمان الأوّلي لهؤلاء المنافقين حيث اُسدلت عليه ستائر مظلمة على أثر التقليد الأعمى والتعصب المقيت واللجاج والعداء، فتحولت ساحة حياتهم لا إلى ظلمة، بل إلى «ظُلمات» في التعبير القرآني.
وهؤلاء سيفقدون في النهاية قدرة الرؤية الصحيحة، والإستماع الصحيح، والنطق الصحيح، وهذه نتيجة طبيعية ـ كما ذكرنا سابقاً ـ للاستمرار على الانحراف والإصرار على الغيّ، حيث يؤدّي إلى إضعاف آليات الإدراك لدى الإنسان فيرى الحقائق مقلوبة، فالخير في نظره شرّ، والملك شيطان، وهكذا.
على أي حال هذا التشبيه يوضّح واحدة من حقائق النفاق، وهي أنّ عمر النفاق والتذبذب لا يدوم طويلا، قد يستطيع المنافقون لمدّة قصيرة أن يتمتعوا بمصونية الإسلام والإيمان، وبصداقة الكفار سرّاً، لكن هذه الحالة مثل شعلة ضعيفة معرضة لألوان العواصف، سرعان ما تنطفى، ويظهر الوجه الحقيقي للمنافقين، ويظلون منفورين مطرودين حائرين، مثل إنسان يتخبّط في ظلام دامس.
لابدّ من الإشارة إلى ما ورد في تفسير الآية الكريمة: (هو الَّذي جعل الشَّمس ضياءً والقمرنوراً ) (3) .
عن الإمام محمّد بن علي الباقر (عليه السلام) قال: «أَضَاءَتِ الأَرْضُ بِنُورِ محمّد (صلى الله عليه وآله) كَمَا تُضِيءُ الشَّمْسُ، فَضَرَبَ اللهُ مَثَلَ محمّد (صلى الله عليه وآله) الشَّمْسَ وَمَثَلَ الْوَصِيِّ الْقَمَرَ» (4) .
وهذا يعني أنّ نور الإيمان والوحي يغمر العالم كلّه ولا يمتلك منه المنافقون شيئاً، وحتّى لو كان في النفاق نور، فإنّ مدياته قصيرة ودائرته صغيرة لايضيء إلاّ ما حوله.
2ـ في المثال الثاني صوّر القرآن حياة المنافقين بشكل ليلة ظلماء مخوفة خطرة، يهطل فيها مطر غزير، وينطلق من كل ناحية منها نور يكاد يخطف الأبصار، ويملأ الجوّ صوت مهيب مرعب يكاد يمزّق الآذان، وفي هذا المناخ القلق ضلّ مسافرٌ طريقه، وبقي في بلقع فسيح لا ملجأ فيه ولا ملاذ، لا يستطيع أن يحتمي من المطر الغزير، ولا من الرعد والبرق، ولا يهتدي إلى طريق لشدّة الظلام. هذه الصورة يرسمها القرآن على النحو التالي: (أو كصيِّب من السَّماء فيه ظلماتٌ ورعدٌ وبرقٌ يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصَّواعق حذر الموت والله محيطٌ بالكافرين * يكاد البرق يخطف أبصارهم كلَّما أضآء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ).
هؤلاء يحسّون كلّ لحظة بخطر، لأنّهم يطؤون صحراء لا جبال فيها ولا أشجار تحميهم من خطر الرعد والبرق والصواعق، ونحن نعلم أن خطر الصاعقة يتجه إلى كل ارتفاع على الأرض، لكن الأرض التي يسير عليها هؤلاء خالية من أي ارتفاع سوى مرتفع أجسامهم، ومن هنا فخطر الصاعقة يهددهم كل آن بتحويلهم إلى رماد!
(أهمية هذا المثال تتضح لدى أهل الحجاز ـ حيث الصحارى المنبسطة ـ أكثر من وضوحها لدى أهالي المناطق الجبلية).
نعم، هؤلاء حيارى مضطربون، لا يجدون طريقاً يسلكونه، ولا دليلا يهتدون به، خطر صوت الرعد يهدّد أسماعهم، ونور البرق يكاد يذهب بأبصارهم (ولوشاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إنَّ الله على كلِّ شيء قديرٌ ).
المنافقون مثل هؤلاء المسافرين، يعيشون بين المؤمنين المتزايدين المتدفقين كالسيل الهادر وكالمطر الغزير، لكنهم لم يتخذوا لهم ملجأً آمناً يقيهم من شر صاعقة العقاب الإلهي.
نهوض المسلمين بواجبهم الجهادي المسلح بوجه أعداء الإسلام يشكل صواعق وحمماً تنزل على رؤوس المنافقين، وتسنح أحياناً لهؤلاء المنافقين فرصة للهداية واليقظة، لكن هذه الفرصة لا تلبث طويلا، إذ تمرّ كما يمرّ نور البرق، ويعود الظلام يطبق عليهم، ويعودون إلى ضلالهم وحيرتهم.
إنتشار الإسلام بسرعة كالبرق الخاطف قد أذهلهم. وآيات القرآن التي تفضح أسرارهم صعقتهم، وفي كل لحظة يحتملون أن تنزل آية تكشف عن مكائدهم ونواياهم، وهذا ما تعبّر عنه الآية الكريمة: (يحذر المنافقون أن تنزَّل عليهم سورةٌ تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إنَّ اللّه مخرجٌ ما تحذرون ) (5) .
والمنافقون خائفون أيضاً أن يأذن الله بمحاربتهم، وأن يحثّ القوّة الإسلامية المتصاعدة على مجابهتهم، لأنّهم كانوا يواجهون مثل هذه التهديدات القرآنية، كقوله تعالى: (لئن لم ينته المنافقون والَّذين في قلوبهم مرضٌ والمرجفون في المدينة لنغرينَّك بهم ثمّ لا يجاورونك فيها إلاّ قليلا * ملعونين أينَما ثقفوا اخذوا وَقتّلوا تَقتيلا ) (6) .
مثل هذه الآيات كانت تنزل كالرعد والبرق على المنافقين، وتتركهم في خوف وذعر وحيرة في المدينة، وتضعهم أمام خطر الإبادة أو الإخراج من المدينة كلّ حين.
هذه الآيات ـ وإن كانت تتحدث عن المنافقين في عصر نزول الوحي ـ تمتد لتشمل كلّ المنافقين في التاريخ، لإن خطّ النفاق يقف دوماً بوجه الخط الثوري الصادق الصحيح، ونحن نرى بأعيننا اليوم مدى انطباق ما يقوله القرآن على منافقي عصرنا بدقّة. نرى حيرتهم وخوفهم واضطرابهم، ونرى تعاستهم وبؤسهم وانفضاحهم تماماً مثل تلك المجموعة المسافرة الهائمة في صحراء مقفرة وفي ليلة ظلماء موحشة.
أما بشأن الفرق بين المثالين فثمة تفسيران:
الأوّل: إنّ قوله تعالى: (مثلهم كمثل الَّذي... ) يصور حالة المنافقين الذين انخرطوا في صفوف المؤمنين عن اعتقاد حقيقي، ثم تزعزعوا واتّجهوا نحو النفاق. أما قوله: (كصيّب من السَّماء... ) فيمثل حالة المنافقين الذين كانوا منذ البداية في صف النفاق، ولم يؤمنوا بالله قط.
الثّاني: إنّ المثال الأول يتحدث عن حالة الأفراد، ولذلك يقول: (مثلهم كمثل ) والثاني يجسّد وضع الأجواء المخيفة المرعبة الخطرة التي تحدق بهؤلاء المنافقين، ومن هنا جاء التشبيه بالجوّ المظلم الممطر المليء بالخوف والذعر والاضطراب.
▲ سورة البقرة / الآية 21 - 22
21 ) يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُمْ وَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
22 ) الَّذي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
▲التّفسير
فيما سبق من آيات كتاب الله سبحانه تبيّن ثلاث مجموعات هي: مجموعة المتقين، ومجموعة الكافرين، ومجموعة المنافقين، فالمتقون هم المشمولون بالهداية الإلهيّة، والمنافقون هم الذين طبع الله على قلوبهم، والمنافقون هم المرضى الذين زادهم الله مرضاً، وفقدوا قدرة التشخيص نتيجة أعمالهم.
أمّا الآيات المذكورة فدعت النّاس إلى انتخاب طريق المجموعة الاُولى، وإلى عبادة الله الواحد الأحد.
وفي الآية الكريمة: (يا أيُّها النَّاس اعبدوا ربكم الَّذي خلقكم والَّذين من قبلكم لعلكم تتَّقون ) عدة ملاحظات نشير إليها فيما يلي:
1ـ قوله تعالى: (يا أيُّها النَّاس ) تكرر في القرآن عشرين مرّة تقريباً، وهو نداء عام شامل يشير إلى أنّ القرآن لا يختص بعنصر أو قبيلة أو طائفة أو فئة خاصّة، بل يوجّه دعوته إلى البشرية عامّة لعبادة الله، وللثورة على كل ألوان الشرك والانحراف عن طريق التوحيد.
2ـ يركّز القرآن، في دعوته إلى عبادة الله وإلى شكر الله، على نعمة خلق البشر، وهي نعمة تتجلى فيها قدرة الله كما يتجلى فيها علم الله وحكمته وكذلك رحمته العامّة والخاصّة، لأنّ الموجود البشري سيّد الموجودات، ومظهر علم الله وقدرته اللامتناهية ونعمه الكثيرة الواسعة.
اُولئك الذين يستنكفون عن عبادة الله والخضوع له، غافلون غالباً عن العظمة المنطوية في خلقهم وخلق الذين من قبلهم، وعن اليد المدبّرة المقدّرة التي أوجدت هذا الخلق، وأودعت فيه النعم الدقيقة المدروسة المتجلية في جسم الإنسان وروحه.
فالتذكير بهذه النعم دليل لمعرفة الله، ومحرك للشكر على هذه النعم.
3ـ نتيجة هذه العبادة هي التقوى: (لعلكم تتَّقون ) فعباداتنا لا تزيد الله عظمة وجلالا، كما أنّ إعراضنا عن العبادة لا ينقص من عظمة الله شيئاً، هذه العبادات مدرسة لتعليم التقوى، والتقوى هي الإحساس بالمسؤولية والمحرّك الذاتي للفرد، وهي معيار قيمة الإنسان وميزان تقييم شخصيته.
4ـ عبارة: (ألَّذين من قبلكم ) لعلها ردّ على استدلال المشركين الذين برروا عبادتهم للأصنام بتمسكهم بسنة آبائهم، والآية الكريمة تشير بهذه العبارة إلى أنّ الله الواحد الأحد، خالق البشر وخالق آبائهم، وكل شرك يعتري المسيرة البشرية في حاضرها وسالفها هو انحراف عن الخط الصحيح.
▲نعم الأرض والسماء
الآية التالية استعرضت قسماً آخر من النعم الإلهيّة التي تستحق الشكر، ذكرت أوّلا خلق الأرض: (الَّذي جعل لكم الأرض فراشاً ).
فهذه الكرة السائرة بسرعة مذهلة في الفضاء، قد سُخرت للإنسان كي يمتطيها ويستقر عليها دون أن تؤثر عليه حركتها.
وتتجلى عظمة نعمة الأرض أكثر حين نلاحظ خاصّية الجاذبية التي تؤمّن لنا إمكانية الاستقرار وإنشاء الأبنية والمزارع، وسائر مستلزمات الحياة على هذه الأرض، فلو انعدمت هذه الخاصية لحظة واحدة لتناثر كل ما على هذه الأرض من إنسان وحيوان ونبات في الفضاء!
تعبير «فِراش» يصوّر بشكل رائع مفهوم الاستقرار والاستراحة، كما يصوّر إضافة إلى ذلك مفهوم الإعتدال والتناسب في الحرارة، هذه الحقيقة يعبّر عنها الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) مفسراً هذه الآية إذ يقول: «جَعَلَهَا مُلاَئِمَةً بِطَبائِعِكُمْ، مُوافِقَةً لاَِجْسادِكُمْ وَلَمْ يَجْعَلْهَا شَديدَةَ الْحماء وَالْحَرارَةِ فَتُحِرقَكُمْ، وَلاَ شَدِيدَةَ البُرودةِ فَتُجْمِدَكُمْ، وَلاَ شَديدَةَ طيب الرّيح فَتَصدَعَ هَامَاتِكُمْ، وَلاَ شَديدَةَ النَّتْنِ فَتُعْطِبَكُمْ، وَلاَشَديدَةَ اللِّيْن كَالْمَاءِ فَتُغْرِقَكُمْ، وَلاَ شَديدَةَ الصَّلاَّبَةِ فَتَمْتنِعَ عَلَيْكُمْ في دُورِكُمْ وَأَبْنِيَتِكُمْ وَقُبُورِ مَوْتَاكُمْ... فَلِذَلِكَ جَعَلَ الأَرْضَ فِرَاشاً لَكُمْ»! (1) .
ثم تتعرض الآية إلى نعمة السماء فتقول: (والسَّماء بناءً ).
كلمة «سَماء» وردت في القرآن بمعان مختلفة، وكلها تشير إلى العلو، واقتران كلمة «سَماء» مع «بِنَاء» يوحي بوجود سقف يعلو البشر على ظهر هذه الأرض، بل إنّ القرآن صرّح بكلمة «سَقْف» في بيان حال السماء إذ قال: (وجعلنا السَّماء سقفاً محفوظاً ) (2) .
لعل هذا التعبير القرآني يثير استغراب اُولئك الذين يفهمون موقع الأرض في الفضاء، فيتساءلون عن هذا السقف... عن مكانه وكيفيته. ولعل هذا التعبير يعيد ـ بادئ الرأي ـ إلى الأذهان فرضية بطليموس التي تصور الكون على أنّه طبقات من الأفلاك متراكمة بعضها فوق بعض مثل طبقات قشورالبصل!! من هنا لابدّ من توضيح لمفهوم السماء والبناء والسقف في التعبيرات القرآنية.
ذكرنا أنّ سماء كل شيء أعلاه، وأحد معاني السماء «جَوّ الأرض»، وهو المقصود في الآية الكريمة، وجوّ الأرض هو الطبقة الهوائية الكثيفة المحيطة بالكرة الأرضية، ويبلغ سمكها عدّة مئات من الكيلومترات.
لو أمعنّا النظر في الدور الحياتي الأساس الذي تؤدّيه هذه الطبقة الهوائية لفهمنا مدى استحكام هذا السقف وأهميته لصيانة البشر.
هذه الطبقة الهوائية مثل سقف شفّاف يحيط بكرتنا الأرضية من كل جانب، وقدرة استحكامه تفوق قدرة أضخم السدود الفولاذية، على الرغم من أنّه لا يمنع وصول أشعة الشمس الحيوية الحياتية إلى الأرض.
لو لم يكن هذا السقف لتعرضت الأرض دوماً إلى رشق الشهب والنيازك السماوية المتناثرة، ولَمَا كان للبشر أمان ولا استقرار على ظهر هذا الكوكب، وهذه الطبقة الهوائية التي يبلغ سمكها عدّة مئات من الكيلومترات (3) تعمل على إبادة كل الصخور المتجهة إلى الكرة الأرضية، وقليل جدّاً من هذه الصخور تستطيع أن تخترق هذا الحاجز وتصل الأرض لتنذر أهل الأرض دون أن تعكّر صفو حياتهم.
من الشواهد الدالة على أنّ أحد معاني السماء هو «جو الأرض» حديث عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) يتحدث فيه إلى «المفضّل» عن السماء فيقول: «فَكّرْ في لَوْنِ السَّمَاءِ وَمَا فِيهِ منْ صَوَابِ التَّدْبِيرِ، فَإنَّ هَذَا اللَّوْنَ أَشَدُّ الألْوَانِ مُوافِقَةً لِلْبَصَرِ وَتَقْوِيَةً...» (4) .
ومن الواضح أنّ زرقة السماء ليست إلاّ لون الهواء الكثيف المحيط بالأرض، ولهذا فإنّ المقصود بالسماء في هذا الحديث هو جوّ الأرض نفسه.
واُضيفت كلمة الجوّ إلى السماء في قوله تعالى: (ألم يروا إلى الطَّير مسخَّرات في جوِّ السَّماء ) (5) .
وحول معاني السماء الاُخرى ستنحدّث بشكل أوفي في ذيل الآية 29 من هذه السّورة.
بعد ذلك تطرقت الآية الى نعمة المطر: (وأنزلنا من السَّماء ماءً )... ماءً يحيي الأرض ويخرج منها الثمرات.
عبارة (وأنزلنا من السَّماء ماءً ) تؤكد مرّة اُخرى أنّ المقصود من «السماء» هنا هو جوّ الأرض، لأننا نعلم أنّ المطر ينزل من الغيوم، والغيوم بخار متناثر في جوّ الأرض.
الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) يتحدث عن نزول المطر في تفسير هذه الآية فيقول: «يُنْزِلُهُ مِنْ أَعْلَى لِيَبْلُغَ قُلَلَ جِبَالِكُمْ وَتِلالِكُمْ وَهِضَابَكُمْ وَأَوْهَادَكُمْ، ثُمَّ فَرَّقَهُ رِذَاذاً وَوَابِلا وَهَطْلا لِتَنْشِفَهُ أَرَضُوكُمْ، وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ الْمَطَرَ نَازِلا عَلَيْكُمْ قَطْعةً وَاحِدَةً فَيُفْسِدَ أَرَضِيكُمْ وَأَشْجَارَكُمْ وَزُرعَكُمْ وَثِمَارَكُمْ» (6) .
ثم تشير الآية إلى نعمة الثمرات التي تخرج من بركة الأمطار لتكون رزقاً لبني البشر (فأخرج به من الَّثمرات رزقاً لكم ).
وإخراج الثمرات مدعاة للشكر على رحمة رب العالمين لعباده، ومدعاة للإذعان بقدرة ربّ العالمين في إخراج ثمر مختلف ألوانه، من ماء عديم اللون، ليكون قوتاً للإنسان والحيوان، لذلك عطف عليها قوله تعالى:(فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ).
فهذه الأنداد المفتعلة وما تعبدون من دون اللّه، لم يخلقوكم ولا خلقوا آباءكم، ولا خلقوا ما ترونه حولكم من مظاهر كونية ونعم موفورة.
و«الأنداد» جمع «نِد» على وزن ضدّ، وهو الشبيه والشريك، وواضح أنّ هذا الشبه قائم في أذهان المشركين وليس أمراً واقعياً.
وبعبارة أدق: ندّ الشيء ونديده ـ كما يقول الراغب في المفردات ـ مشاركة في جوهره، وذلك ضرب من المماثلة، أي المماثلة في جوهر الذات.
▲بحث
▲الشّرك في أشكال مختلفة
لابدّ من التأكيد على أن الشّرك بالله لا ينحصر باتّخاذ الأوثان الحجرية والخشبية آلهة من دون الله كما يفعل الوثنيون، أو القول بأنّ الله ثالث ثلاثة كما تقول النصارى، بل إنّ للشرك معنىً أوسع وصوراً متنوعة أكثر ضموراً وخفاءً، وبشكل عام كل اعتقاد بوجود أشياء لها نفس تأثير الله في الحياة هو نوع من الشرك. وهذا ما يعبّر عنه ابن عباس إذ يقول:
(الأنداد) هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ليلة ظلماء، وهو أن يقول: والله، وحياتك يا فلان، وحياتي!... ويقول: لولا كلبه هذا لأتانا اللصوص البارحة!... وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت... هذا كله به شرك (1) .
ونقرأ في حديث شريف أنّ رجلا قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله): ما شاء الله وشئت، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): «أجعلتني لله ندّاً»؟! (2)
مثل هذه التعابير التي يشمّ منها رائحة الشرك رائجة ـ مع الأسف ـ بين سواد المسلمين وغير لائقة بالشخص الموحّد، كقولهم: اعتمادي على الله وعليك!!
في الرواية عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ( ومايؤمن أكثرهم بالله إلاّ و هم مشركون ) (3) قال: «قَوْلُ الرَّجُلِ لَوْلاَ فُلاَنٌ لَهَلَكْتُ، وَلَوْلاَ فُلاَنٌ لأَصَبْتُ كَذَا وَكَذا، وَلَوْلاَ فُلاَنٌ لَضَاعَ عِيَالِي» (4) .
وسيأتي توضيح أكثر في هذا المجال في ذيل الآية 106 من سورة يوسف.
▲سورة البقرة / الآية 23 - 24
23 ) وَ إِنْ كُنْتُمْ في رَيْب مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ
24 ) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتي وَقُودُهَا النّاسُ وَ الْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرينَ
▲التّفسير
▲القرآن معجزة خالدة
ظاهرة الكفر والنفاق، التي دارت حولها موضوعات الآيات السابقة، تنشأ أحياناً عن عدم فهم محتوى النّبوة ومعجزة الرّسول (صلى الله عليه وآله). والآيات التي نحن بصددها تعالج هذه المسألة، وتركز على المعجزة القرآنية الخالدة كي تزيل كل شك وترديد في رسالة نبىّ الإسلام (صلى الله عليه وآله). تقول الآية:
(وإن كنتم في ريب ممَّا نزَّلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ) (1) .
وبهذا الشكل تحدى القرآن كل المنكرين أن يأتوا بسورة من مثله، كي يكون عجزهم دليلا واضحاً على أصالة هذا الوحي السماوي وعلى الجانب الإلهي للرسالة والدعوة.
ولأجل أن يؤكد هذا التحدي دعاهم أن لا يقوموا بهذا العمل منفردين، بل (وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ).
كلمة «شهداء» تشير إلى الفئة التي كانت تساعدهم في رفض رسالة النبي (صلى الله عليه وآله)، وعبارة من دون الله إشارة إلى عجز جميع البشر عن الإتيان بسورة قرآنية ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، وإلى قدرة الله وحده على ذلك.
وعبارة (إن كنتم صادقين ) تستهدف حثّهم على قبول هذا التحدي، ومفهومها: لو عجزتم عن هذا العمل فذلك دليل كذبكم، فانهضوا إذن لإثبات ادّعائكم.
طبيعة التحدي تقتضي أن يكون صارخاً إلى أبعد حدّ ممكن، وأن يكون محفّزاً للعدو مهما أمكن، وبعبارة اُخرى أن يثير الحميّة فيه، كي يجنّد كل طاقاته لعملية المجابهة، حتى إذا فشل وأيقن بعجزه علم أنّه أمام ظاهرة إلهيّة لا بشرية.
من هنا فسياق الآيات التالية، يركز على عنصر الإثارة ويقول: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتَّقوا النَّار الَّتي وقودها النَّاس والحجارة ) وهذه النار ليست حديث مستقبل، بل هي واقع قائم: (اعدَّت للكافرين ).
جمع من المفسرين قالوا: إنّ المقصود بالحجارة: الأصنام الحجرية، واستشهدوا لذلك بالآية الكريمة: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنَّم ) (2) .
جمع آخر قالوا: (الحجارة) إشارة إلى صخور معدنية كبريتية تفوق حرارتها حرارة الصخور الاُخرى.
وهناك من المفسرين من يعتقد أنّ المقصود من هذا التعبير، إلفات النظر إلى شدة حرارة جهنم، أي إنّ حرارة جهنّم وحريقها يبلغ درجة تشتعل فيها الصخور والأجساد كما يشتعل الوقود.
ويبدو من ظاهر الآيات المذكورة، أنّ نار جهنم تستعر من داخل النّاس والحجارة، ولا يصعب فهم هذه المسألة لو علمنا أنّ العلم الحديث أثبت أنّ كل أجسام العالم تنطوي في أعماقها على نار عظيمة (أو بعبارة اُخرى على طاقة قابلة للتبديل إلى نار)، ولا يلزم أن نتصور نار جهنم شبيهة بالنار المشهودة في هذا العالم.
في موضع آخر يقول تعالى: (نارالله الموقدة * الَّتي تطَّلع على الأفئدة ) (3) . خلافاً لنيران هذا العالم التي تنفذ من الخارج إلى الداخل.
▲بحوث
▲1ـ لماذا يحتاج الأنبياء إلى المعجزة؟
نعلم أنّ منصب النّبوة أعظم منصب منحه الله لخاصّة أوليائه. فكل المناصب عادة تمنح صاحبها القدرة للحكم على أبدان الأفراد، إلاّ منصب النّبوة، فالنّبي يحكم على الأجسام والقلوب في مجتمعه، من هنا كان مقام النّبوة لا يبلغه مقام في سموّه، ومن هنا أيضاً كان أدعياء النبوّات الكاذبة أحطّ النّاس وأشدّهم إنحرافاً.
والنّاس هنا أمام أمرين: إمّا أن يؤمنوا بدعوات النّبوة جميعاً، أو يرفضوها جميعاً، لو قبلوها جملة لتحولت ساحة الأديان إلى فوضى وهرج ومرج، ولو رفضوها جملة لكان عاقبة ذلك الضلال والضياع.
فالدليل على مبدأ البعثة ذاته يفرض إذن أن يكون الأنبياء الصادقون مجهزين بالدليل على نبوتهم كي يتميّز الصادقون من الكاذبين، أي أن يكونوا مجهزين بالمعجزة الدالة على صدق ادعائهم.
و«المعجزة» ـ كما هو واضح من لفظها ـ عمل خارق يأتي به النبي ويعجز عن الإتيان به الآخرون.
على النبي صاحب المعجزة أن يتحدى النّاس بمعجزته، وأن يعلن لهم أنّ معجزته دليل على صدق دعواه.
▲2ـ القرآن معجزة نبىّ الإسلام الخالدة
القرآن كتاب يسمو على أفكار البشر، ولم يستطع أحد حتى اليوم أن يأتي بمثله، وهو معجزة سماوية كبرى.
هذا الكتاب الكريم يعتبر ـ بين معاجز النبي (صلى الله عليه وآله) ـ أقوى سند حيّ على نبوّة الرّسول الخاتم، لأنّه معجزة «ناطقة» و«خالدة» و«عالمية» و«معنوية».
أمّا أنّه معجزة «ناطقة» فإنّ معاجز الأنبياء السابقين لم تكن كذلك، أي أنّها كانت بحاجة إلى وجود النبي لكي يتحدث للناس عن معجزته ويتحداهم بها، ومعاجز النبي الخاتم ـ عدا القرآن ـ هي من هذا اللون، أمّا القرآن فمعجزة ناطقة، لا يحتاج إلى تعريف، يدعو لنفسه بنفسه، يتحدى بنفسه المعارضين ويدينهم ويخرج منتصراً من ساحة التحدي، وهو يتحدى اليوم جميع البشر كما كان يتحداهم في عصر الرسالة، أنّه دين ومعجزة، أنّه قانون، ووثيقة تثبت إلهيّة القانون.
أما الخلود والعالمية: فإنّ القرآن حطّم سدود «الزمان والمكان» وتعالى عليهما، لأنّ معاجز الأنبياء السابقين ـ وحتى معاجز النبي الخاتم غير القرآن ـ مسجلة على شريط معين من الزمان، وواقعة في مساحة معينة من المكان، وأمام جمع معدود من النّاس، مثل معاجز عيسى (عليه السلام) كحديثه في المهد وإحيائه الموتى، وواضح أنّ الأحداث المقيّدة بزمان ومكان معيّنين تمسي صورتها باهتة كلما ابتعدنا عن ظروفها الزمانية والمكانية، وهذا من خصائص الاُمور الزمنية.
لكن القرآن لا يرتبط بالزمان والمكان، فهو يطلع علينا اليوم كما طلع على عرب الجاهلية قبل قرون، بل إنّ مرور الزمن زاد البشرية قدرة في العلم والإمكانات لتستفيد منه أكثر من ذي قبل، وما لا يرتبط بزمان أو مكان فإنّه يحوي عناصر الدوام والخلود وسعة دائرته العالمية، وبديهي أنّ الدين العالمي الخالد بحاجة إلى مثل هذه الوثيقة العالمية الخالدة.
أمّا الصّفة «المعنوية» للقرآن فنفهمها حين ننظر إلى معاجز الأنبياء السابقين، ونرى أنّها كانت غالباً «جسميّة» مثل: شفاء الأمراض الجسمية المستعصية، وتحدث الطفل في المهد... وكانت تتجه نحو تسخير الأعضاء البدنية. أمّا القرآن، فيسخر القلوب والنفوس، ويبعث فيها الإعجاب والإكبار، إنّه يتعامل مع الأرواح والأفكار والعقول البشرية، وواضح امتياز مثل هذه المعجزة على المعاجز الجسمية.
▲3ـ هل تحدّى القرآن؟
القرآن تحدى البشرية في مواضع عديدة من سوره، منها:
1ـ (قل لئن اجتمعت الإنس والجنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولوكان بعضهم لبعض ظهيراً ) (1) .
2ـ (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين * فإلَّم يستجيبوا لكم فاعلموا أنَّما انزل بعلم الله ) (2) .
3ـ (أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) (3) .
4ـ الآية الثالثة والعشرون من سورة البقرة التي يدور حولها بحثنا.
القرآن تحدى بصراحة وقوّة في هذه الآيات جميع البشرية، وفي هذه الصراحة والقوّة دلالة حيّة على حقّانيته، ولم يكتف في تحدّيه بدعوة النّاس إلى أن يأتوا بمثله، بل حفّزهم وشجعهم على ذلك، وعبارات التحفيز نجدها في قوله تعالى:
(إن كنتم صادقين ) (4) (فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ) (5) (قل فأتوا بسورة مثله ) (6) (وادعوا من استطعتم من دون الله ) (7) (قل لئن اجتمعت الإنس والجنُّ ) (8) (لا يأتون بمثله ) (9) (فاتَّقوا النَّار الَّتي وقودها النَّاس والحجارة ) (10) (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ) (11) .
هذا التحفيز والحثّ والإثارة لم يصدر ضمن إطار معركة أدبية أو عقائدية، بل في إطار معركة «سياسية» «اقتصادية» «اجتماعية»، ضمن إطار معركة حياة أو موت، يرتبط بمصيرها وجود هذا الكيان الجديد، وعجز المعارضين أمام هذا التحدّي الحياتي الصارخ، يبيّن بشكل أوضح أبعاد المعجزة القرآنية.
جدير بالذّكر أن تحدي القرآن لا ينحصر بزمان أو مكان، بل إنّ هذا التحدّي قائم حتى يومنا هذا.
▲4ـ هل جيء بمثله؟
الجواب على هذا السؤال يتضح لو ألقينا نظرة على الظروف والملابسات التي عاصرت نزول القرآن، وعلى تاريخ ما ذكر من محاولات لكتابة مايشبه القرآن.
غير خفيّ أنّ الرسالة في عصر النّزول وما بعده، واجهت خصوماً ألدّاء من المشركين واليهود والنصارى والمنافقين. وهؤلاء توسّلوا بكل ما لديهم من قوّة وحيلة للوقوف بوجه الدعوة، (حتى إنّ بعض المنافقين مثل (أبوعامر) الراهب ومن وافقه من المنافقين اتّصلوا بأمبراطور الرّوم للتآمر على الإسلام، وبلغ الأمر بهؤلاء المتآمرين أن شيّدوا «مسجد ضرار» في المدينة، وحدثت على أثر ذلك وقائع عجيبة أشار إليها القرآن في سورة التوبة).
من الطبيعي أنّ هؤلاء الأعداء الألدّاء من المنافقين وغيرهم كانوا يتربصون بالمسلمين الدوائر، ويتحينون كل فرصة للإضرار بالمسلمين، ولو كان هؤلاء قد حصلوا على كتاب يجيب على تحدي القرآن، لتهافتوا عليه ونشروه وطبّلوا له وزمّروا، أو لسعوا في حفظه على الأقل.
ولذلك نرى أنّ التاريخ احتفظ بأسماء أولئك الذين يحتمل احتمالا ضعيفاً أنّهم عارضوا القرآن، مثل:
«عبد الله بن المقفع»، فقد قيل أنّه عارض القرآن بكتابه «الدرّة اليتيمة» بينما لا نعثر في هذا الكتاب الموجود بين أيدينا اليوم على إشارة إلى هذه المعارضة، ولا نعرف لماذا وجهت التهمة إلى ابن المقفع بهذا الكتاب؟
والمتنبّي، أحمد بن الحسين الكوفي الشاعر، ذكر في زمرة المعارضين وأصحاب النبوءات، بينما تؤكد دراسات حياة المتنبي وأدبه، أنّه كان ينطلق في شعره غالباً من روح الخيبة في بلوغ المناصب الرفيعة، ومن الحرمان العائلي.
وأبو العلاء المعرّي، اتهم بهذا أيضاً، ونقلت عنه أشعار تنم عن رفضه لبعض مسائل الدين، لكنه لم يرفع صوته يوماً بمعارضة القرآن، بل نقلت عنه عبارات في عظمة كتاب الله العزيز سنشير إليها فيما بعد.
أمّا مسيلمة الكذّاب من أهل اليمامة فقد عارض القرآن، وأتى بآيات!! أقرب إلى الهزل منها إلى الجد، ومن ذلك:
1ـ ما قاله معارضاً سورة «الذاريات»: «والمبذرات بذراً، والحاصدات حصداً، والذاريات قمحاً. والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً، والخابزات خبزاً، والثاردات ثرداً، واللاقمات لقماً، اهالة وسمناً» (1).
2ـ من النماذج الاُخرى لآياته: «يا ضفدع نقّي فإنّك نعم ما تنقين، لا وارداً تنفرين، ولا ماء تكدرين» (2) .
▲5 ـ شهادات حول القرآن
يجدر بنا أن ننقل جملا من أقوال المشاهير بشأن القرآن بمن فيهم اُولئك الذين اتهموا بمعارضة القرآن.
1ـ أبو العلاء المعري (المتهم بمعارضة القرآن) يقول:
«وأجمع كلّ ملحد ومهتد أن هذا الكتاب الذي جاء به محمّد كتاب بهر بالإعجاز، ولقى عدوه بالإرجاز، ما حذى على مثال، ولا أشبه غريب الأمثال،... ما هو من القصيد الموزون، ولا الرجز، ولا شاكل خطابة العرب ولا سجع الكهنة، وجاء كالشمس، لو فهمه الهضب لتصدع، وأنّ الآية منه أو بعض الآية لتعرض في أفصح كلم يقدر عليه المخلوقون، فتكون فيه كالشهاب المتلأ لىء في جنح غسق، والظهرة البادية في جدوب » (1) .
2ـ الوليد بن المغيرة المخزومي، وهو رجل عرف بين عرب الجاهلية بكياسته وحسن تدبيره، ولذلك سمي «ريحانة قريش»، سمع آيات من سورة «غافر» فرجع إلى قوم من بني مخزوم فقال لهم:
«والله لقد سمعت من محمّد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق، وإنّه ليعلو وما يعلى عليه» (2) .
3ـ العالم المؤرخ البريطاني «كارليل» يقول حول القرآن:
«لو ألقينا نظرة على هذا الكتاب المقدّس لرأينا الحقائق الكبيرة، وخصائص أسرار الوجود، مطروحة بشكل ناضج في مضامينه، ممّا يبين بوضوح عظمة القرآن، وهذه الميزة الكبرى خاصّة بالقرآن، ولا توجد في أي كتاب علميّ وسياسي واقتصادي آخر. نعم، قراءة بعض الكتب تترك تأثيراً عميقاً في ذهن الإنسان، ولكن هذا التأثير لا يمكن مقارنته بتأثير القرآن، من هنا ينبغي أن نقول: المزايا الأساسية للقرآن، ترتبط بما فيه من حقائق وعواطف طاهرة، ومسائل كبيرة، ومضامين هامة لا يعتريها شك وترديد، وينطوي هذا الكتاب على كل الفضائل اللازمة لتحقيق تكامل البشرية وسعادتها» (3) .
4ـ جان ديفن بورت مؤلف كتاب: «الاعتذار إلى محمّد والقرآن»، يقول:
«القرآن بعيد للغاية عن كل نقص، بحيث لا يحتاج إلى أدنى إصلاح أو تصحيح، وقد يقرؤه شخص من أوّله إلى آخره دون أن يحسّ بأي ملل» (4) .
ويقول: «لا خلاف في أنّ القرآن نزل بأبلغ لسان وأفصحه، وبلهجة قريش أكثر العرب أصالة وأدباً... ومليء بأبلغ التشبيهات وأروعها» (5) .
5ـ غورة الشاعر الألماني يقول:
«قد يحسّ قرّاء القرآن للوهلة الاُولى بثقل في العبارات القرآنية، لكنه ما أن يتدرج حتى يشعر بانجذاب نحو القرآن، ثم إذا توغّل فيه ينجذب ـ دون اختيار ـ إلى جماله الساحر» (6) .
وفي موضع آخر يقول: «لسنين طويلة، أبعدنا القساوسة عن فهم حقائق القرآن المقدس وعن عظمة النبي محمّد، ولكن كلما خطونا على طريق فهم العلم تنزاح من أمام أعيننا حُجُب الجهل والتعصب المقيت، وقريباً سيلفت هذا الكتاب الفريد أنظار العالم، ويصبح محور أفكار البشرية»!
ويقول كذلك: «كنّا معرضين عن القرآن، ولكن هذا الكتاب ألفت أنظارنا، وحيّرنا، حتى جعلنا نخضع لما قدمه من مبادىء وقوانين علمية كبرى»!
6ـ «ويل ديورانت» المؤرخ المعروف يقول: «القرآن أوجد في المسلمين عزّة نفس وعدالة وتقوى لا نرى لها نظيراً في أية بقعة من بقاع العالم».
7ـ المفكر الفرنسي «جول لابوم» في كتاب «تفصيل الآيات» يقول: «العلم انتشر في العالم على يد المسلمين، والمسلمون أخذوا العلوم من (القرآن) وهو بحر العلم، وفرّعوا منه أنهاراً جرت مياهها في العالم...».
8ـ المستشرق البريطاني دينورت يقول:«يجب أن نعترف أنّ العلوم الطبيعية والفلكية والفلسفة والرياضيّات التي شاعت في أوربا، هي بشكل عام من بركات التعاليم القرآنية، ونحن فيها مدينون للمسلمين، بل إنّ أوربا من هذه الناحية من بلاد الإسلام» (7) .
9ـ الدكتورة لورا واكسيا واغليري اُستاذة جامعة نابولي في كتاب «تقدم الإسلام السريع» تقول:
«كتاب الإسلام السماوي نموذج الإعجاز...(القرآن) كتاب لا يمكن تقليده، واُسلوبه لا نظير له في الآداب، والتأثير الذي يتركه هذا الاسلوب في روح الإنسان ناشىء عن إمتيازاته وسموّه... كيف يمكن لهذا الكتاب الإعجازي أن يكون من صنع محمّد، وهو رجل اُميّ؟!... .
نحن نرى في هذا الكتاب كنوزاً من العلوم تفوق كفاءة أكثر النّاس ذكاء وأكبر الفلاسفة وأقوى رجال السياسة والقانون.
من هنا لا يمكن اعتبار القرآن عمل إنسان متعلّم عالم» (8) .
▲سورة البقرة / الآية 25
25 ) وَ بَشِّرِ الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَة رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَ لَهُمْ فيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ هُمْ فيها خالِدُونَ
▲التّفسير
▲خصائص نِعَم الجنّة
آخر آية في بحثنا السابق تحدثت عن مصير الكافرين، وهذه الآية تتحدث عن مصير المؤمنين، كي تتضح الحقيقة أكثر بالمقارنة بين الصورتين، على الطريقة القرآنية في التوضيح.
المقطع الأوّل في الآية: (وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنّ لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار ).
نعلم أنّ البساتين التي تفتقد الماء الدائم، وتسقى بين حين وحين ليس لها حظ كبير من النظارة، فالنظارة تطفح على البساتين التي تمتلك ماء سقي دائم مستمر لا ينقطع أبداً، ومثل هذه البساتين لا يعتريها جفاف ولا تهددها شحة ماء. وهذه هي بساتين الجنّة.
وبعد الإشارة إلى ثمار الجنّة المتنوعة تقول الآية: (كلَّما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الّذي رزقنا من قبل ).
ذكر المفسرون لهذا المقطع من الآية تفاسير متعددة:
قال بعضهم: المقصود من قولهم: (هذا الَّذي رزقنا من قبل ) هو أنّ هذه النعم أغدقت علينا بسبب ما أنجزناه من عمل في الحياة الدنيا، وغرسنا بذوره من قبل.
وقال بعض آخر: عندما يؤتى بالثمار إلى أهل الجنّة ثانية يقولون: هذا الذي تناولناه من قبل، ولكنهم حين يأكلون هذه الثمار يجدون فيها طعماً جديداً ولذّة اُخرى، فالعنب أو التفاح الذي نتناوله في هذه الحياة الدنيا له في كل مرّة نأكله نفس طعم المرّة السابقة، أمّا ثمار
الجنّة فلها في كلّ مرّة طعم وإن تشابهت أشكالها، وهذه من إمتيازات ذلك العالم الذي يبدو أنّه خال من كل تكرار!
وقال آخرون: المقصود من ذلك أنّهم حين يرون ثمار الجنّة يلقونها شبيهة بثمار هذه الدنيا، فيأنسون بها ولا تكون غريبة عليهم، ولكنّهم حين يتناولونها يجدون فيها طعماً جديداً لذيذاً.
ويجوز أن تكون عبارة الآية متضمنة لكل هذه المفاهيم والتفاسير، لأنّ ألفاظ القرآن تنطوي أحياناً على معان (1) .
ثم تقول الآية: (واتوا به متشابهاً )، أي متشابهاً في الجودة والجمال، فهذه الثمار بأجمعها فاخرة بحيث لا يمكن ترجيح إحداها على الاُخرى، خلافاً لثمار هذا العالم المختلفة في درجة النضج والرائحة واللون والطعم.
وآخر نعمة تذكرها الآية هي نعمة (الأزواج المطهرة ) من كل أدران الروح والقلب والجسد.
أحد منغّصات نعم الدنيا زوالها، فصاحب النعمة يقلقه زوال هذه النعمة، ومن هنا فلا تكون هذه النعم عادة باعثة على السعادة والإطمئنان، أمّا نِعم الجنّة ففيها السعادة والطمأنينة لأنّها خالدة لا يعتريها الزوال والفناء، وإلى هذه الحقيقة تشير الآية في خاتمتها وتقول: (وهم فيها خالدون ).
▲بحوث
▲«الإيمان» و«العمل»
في كثير من الآيات القرآنية يقترن ذكر الإيمان بذكر العمل الصالح، حتى كان الإثنين متلازمان دونما افتراق، والحق كذلك، لأنّ الإيمان والعمل يكمّل بعضها الآخر.
لو نفذ الإيمان إلى أعماق النفس لتجلت آثاره في الأعمال حتماً، مثله كمثل مصباح لو أضاء في غرفة لشعّ نوره من كل نوافذ الغرقة، ومصباح الإيمان كذلك لو شعّ في قلب إنسان، لسطع شعاعه من عين ذلك الإنسان واُذنه ولسانه ويده ورجله.
يقول تعالى في الآية الحادية عشرة من سورة الطلاق: (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يدخله جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ).
ويقول في الآية الخامسة والخمسين من سورة النور:
(وعد الله الَّذين آمنوا منكم وعملوا الصَّالحات ليستخلفنَّهم في الأرض ).
فالإيمان بمثابة جذر شجرة والعمل الصالح ثمرتها، ووجود الثمر السليم دليل على سلامة الجذر، ووجود الجذر السليم يؤدّي إلى نموّ الثمر الطيب.
من الممكن أن يصدر عمل صالح أحياناً عن أفراد ليس لهم إيمان، ولكن ذلك لا يحدث باستمرار حتماً، فالذي يضمن بقاء العمل الصالح هو الإيمان المتغلغل في أعماق وجود الإنسان، الإيمان الذي يضع الإنسان دوماً أمام مسؤولياته.
▲2ـ الأزواج المطهّرة
ممّا يلفت النظر في هذه الآية أنّ الوصف الوحيد الذي استعمله القرآن لمدح الأزواج في جنّات النعيم هو أنّها «مطهرة». وهي إشارة إلى أول شرط في الزوجة هو «الطهر». وكل ما سواه من الشروط والأوصاف ثانوي.
روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «إيَّاكُمْ وَخَضْرَاءَ الدِّمَنْ. قَيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا خَضْرَاءُ الدّمَنْ؟ قَال: الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ في مَنْبَتِ السُّوءِ» (1) .
▲3ـ النعم المادية والمعنوية في الجنّة
ذكر القرآن الكريم أنواع النعم المادية في الجنّة مثل: جنات تجري من تحتها الأنهار، ومساكن طيّبة، وأزواج مطهرة، وثمار متنوعة، وخلاّن متحابين، ولكنه ذكر إلى جانب هذه النعم المادية نعماً أهم منها هي النعم المعنوية التي لا نستطيع أن نفهم عظمتها بمقاييسنا، كقوله: (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنَّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيِّبةً في جنَّات عدن ورضوانٌ من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم )(1).
وفي آية اُخرى يقول سبحانه بعد ذكر النعم المادية: (رضي الله عنهم ورضوا عنه ) (2) .
لو بلغ الإنسان هذه المرتبة حيث يرضى الله عنه ويرضى عن الله لأَحسّ بلذّة لا ترقى إليها لذّة، ولهانت في نظر هذا الإنسان سائر اللذات، عندها يرتبط هذا الإنسان بالله ولا يفكر بما سواه، وهي مرتبة يعجز القلم واللسان عن وصف سموّها وأبعادها.
بعبارة موجزة: كما أنّ للمعاد جانباً روحياً جسمياً، كذلك نِعم الجنة ذات جانبين أيضاً، كي تكون جامعة وقابلة لاستفادة أهل الجنّة جميعاً، كلٌّ على قَدَر كفاءته ولياقته.
▲ سورة البقرة / الآية 26
26 ) إِنَّ اللّهَ لايَسْتَحْيي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَ أَمَّا الَّذينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثيراً وَ يَهْدي بِهِ كَثيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقينَ
▲سبب النّزول
ذكر جمع من المفسرين عن ابن عباس أن سبب نزول هذه الآية هو اعتراض المنافقين على ما ورد من أمثلة في الآيات السابقة (مثلهم كمثل الَّذي استوقد ناراً ) و (أو كصيِّب من السَّماء... )، وقالوا إنّ الله أسمى من أن يضرب مِثلَ هذه الأمثال، وبذلك راحوا يشككون في الرسالة وفي القرآن، وفي هذه الظروف نزلت الآية الكريمة المذكورة.
قال آخرون: عند نزول الآيات التي تضرب الأمثال بالذباب والعنكبوت، بدأ المشركون ينتقدون ويسخرون. (1)
▲التّفسير
▲هل الله يضرب المثل؟!
الفقرة الاُولى من الآية تقول: (إنَّ الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها ).
ذلك لأنّ المثال يجب أن ينسجم مع المقصود، بعبارة اُخرى، المثال وسيلة لتجسيد الحقيقة حين يقصد المتحدث بيان ضعف المدّعي وتحقيره فإنّ بلاغة الحديث تستوجب انتخاب موجود ضعيف للتمثيل به، كيما يتضح ضعف اُولئك.
في الآية 73 من سورة الحج مثلا يقول سبحانه: (انَّ الَّذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذُّباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطَّالب و المطلوب ).
يلاحظ في هذا المثال أنّ الذباب وأمثاله أحسن وسيلة لتجسيد ضعف هؤلاء.
وهكذا في الآية 41 من سورة العنكبوت، حين يريد القرآن أن يجسد ضعف المشركين في انتخابهم أولياء من دون الله، يشبههم بالعنكبوت التي تتخذ لنفسها بيتاً، وهو أضعف البيوت وأوهنها: (مثل الَّذين اتَّخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتَّخذت بيتاً وإنَّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ).
من المؤكّد أنّ القرآن لو ساقَ الأمثلة في هذه المجالات على الكواكب والسماوات لما أدّى الغرض في التصغير والتحقير، ولما كانت أمثلته متناسبة مع أصول الفصاحة والبلاغة، فكأن الله تعالى يريد بهذه الأمثلة القول: بأنّه لا مانع من التمثيل بالبعوضة أو غيرها لتجسيد الحقائق العقلية في ثياب حسّيّة وتقديمها للناس.
الهدف هو إيصال الفكرة، والأمثلة يجب أن تتناسب مع موضوع الفكرة، ولذلك فهو سبحانه يضرب الأمثلة بالبعوضة فما فوقها.
وما المقصود من (فما فوقها ) للمفسرين في هذه رأيان:
الأوّل: «فوقها» في الصغر، لأنّ المقام مقام بيان صغر المثال، وهذا مستعمل في الحوار اليومي، نسمع مثلا رجل يقول لآخر: ألا تستحي أن تبذل كل هذا الجهد من أجل دينار واحد؟! فيجيب الآخر: لا، بل أكثر من ذلك أنا مستعد لأبذل هذا الجهد من أجل نصف دينار! فالزيادة هنا في الصغر.
الثّاني: «فوقها» في الكبر، أي إنّ الله يضرب الأمثال بالصغير وبالكبير، حسب مقتضى الحال.
لكن الرأي الأوّل يبدو أنسب.
ثم تقول الآية: (فأمَّا الَّذين آمنوا فيعلمون أنَّه الحقُّ من ربِّهم )، فهؤلاء، بإيمانهم وتقواهم، بعيدون عن اللجاجة والعناد والحقد للحقيقة. ويستطيعون أن يروا الحق بجلاء ويدركوا أمثلة الله بوضوح.
(وأمَّا الَّذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضلُّ به كثيراً ويهدي به كثيراً ).
هؤلاء يعترضون على هذه الأمثلة لأنّها لا تهدي الجميع، ويزعمون أنّها لو كانت من عندالله لاهتدى بها النّاس جميعاً، ولما أدّت الى ضلال أحد!
فيجيبهم الله بعبارة قصيرة تحسم الموقف وتقول: (وما يضلُّ به إلاَّ الفاسقين ).
فكل هذه الأمثلة من الله، وكلّها نور وهداية، لكنها تحتاج إلى عين البصيرة التي تستفيد منها، ومخالفة المخالفين تنطلق من نقص فيهم، لا من نقص في الآيات الإلهيّة (1) .
▲بحوث
▲1ـ أهمية المثال في بيان الحقائق
الأمثلة المناسبة لها دور حساس وعظيم في التوضيح والإقناع والإفهام.
المثال المناسب قد يقرّب طريق الفهم إلى الأذهان بحيث نستعيض به عن الاقتحام في الإستدلالات الفلسفية المعقدة.
وأهم من ذلك، نحن لا نستطيع أن نستغني عن الأمثلة المناسبة في تعميم ونشر الموضوعات العلمية الصعبة بين عامّة النّاس.
ولا يمكننا أن ننكر دور المثال في إسكات الأفراد المعاندين اللجوجين المتعنّتين.
على كل حال، تشبيه «المعقول» بــ «المحسوس» أحد الطرق المؤثرة في تفهيم المسائل العقلية، على أن يكون المثال ـ كما قلنا ـ مناسباً، وإلاّ فهو مضلّ وخطر.
من هنا نجد في القرآن أمثلة كثيرة رائعة شيّقة مؤثّرة، ذلك لأنّه كتاب لجميع البشر على اختلاف عصورهم ومستوياتهم الفكرية، إنّه كتاب في غاية الفصاحة والبلاغة (1) .
▲2ـ لماذا التمثيل بالبعوضة؟
المعاندون اتخذوا من صِغَر البعوضة والذبابة ذريعة للإستهزاء بالأمثلة القرآنية.
لكنّهم لو أنصفوا وأمعنوا النظر في هذا الجسم الصغير، لرأوا فيه من عجائب الخلقة وعظيم الصنع والدّقة ما يحيّر العقول والألباب.
يقول الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) بشأن خلقة هذا الحيوان الصغير: «اِنّما ضَرَبَ اللهُ الْمَثَلَ بِالْبِعُوضَةِ لاَِنَّ الْبَعُوضَةَ عَلى صِغَر حَجْمِهَا خَلَقَ اللهُ فِيهَا جَمِيعَ مَا خَلَقَ فِي الْفَيلِ مَعَ كِبَرِهِ وَزِيَادَةَ عُضْوَيْنِ آخَرَيْنِ فَأَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُنَبِّهَ بِذَلِكَ الْمُؤْمِنينَ عَلى لُطْفِ (لَطِيفِ) خَلْقِهِ وَعَجيبِ صَنْعَتِهِ» (1) .
يريد الله سبحانه بهذا المثال أن يبيّن للمؤمنين دقّة الصنع في الخلق، التفكير في هذا الموجود الضعيف على الظاهر، والشبيه بالفيل في الواقع، يبيّن للإنسان عظمة الخالق.
خرطوم هذا الحيوان الصغير يشبه خرطوم الفيل، أجوف، ذو فتحة دقيقة جدّاً، وله قوّة ماصة تسحب الدم.
منح الله هذا الحيوان قوّة هضم وتمثيل ودفع، كما منحه أطرافاً واُذناً وأجنحة تتناسب تماماً مع وضع معيشته، هذه الحشرة تتمتع بحساسية تشعر فيها بالخطر بسرعة فائقة وتفرّ عندما يداهمها عدوّ بمهارة عجيبة، وهي مع صغرها وضعفها يعجز عن دفعها كبار الحيوانات.
أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يقول في هذا الصدد: «كَيْفَ وَلَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوَانِهَا مِنْ طَيْرِهَا وَبَهَائِمِهَا وَمَا كَانَ مِنْ مُرَحِهَا وَسَائِمِهَا، وَأَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا وَأَجْنَاسِهَا، وَمُتَبَلِدَةِ اُمَمِهَا وَأَكْيَاسِهَا، عَلى إحْدَاثِ بَعُوضَة مَا قَدَرَتْ عَلى إحْدَاثِهَا، وَلاَ عَرَفَتْ كَيْفَ السَّبِيلُ إلى إيجَادِهَا، وَلَتَحيَّرَتْ عُقُولُهَا فِي عِلْمِ ذَلِكَ وَتَاهَتْ، وَعَجَزَتْ قُوَاهَا وَتَنَاهَتْ، وَرَجَعَتْ خَاسِئَةً حَسِيرَة، عَارِفَةً بأَنَّهَا مَقْهُورَة، مُقِرَّةً بِالْعَجْزِ عَنْ إنْشَائِهَا، مُذْعِنَةً بِالضَّعْفِ عَنْ إفْنَائِهَا» (2) .
▲3ـ هداية الله وإضلاله
ظاهر عبارة الآية المذكورة يوحي بأن الهداية والضلال جبريان ومرتبطان بإرادة الله تعالى. بينما العبارة الأخيرة من الآية توضّح أنّ الهداية والضلال مترتبان على أعمال الإنسان نفسه.
ولمزيد من التوضيح نقول: إنّ أعمال الإنسان وتصرفاته لها نتائج وثمار معيّنة، لو كان العمل صالحاً فنتيجته مزيد من التوفيق والهداية في السير نحو الله ومزيد من أداء الأعمال الصالحة، يقول تعالى: (يا أيُّها الَّذين آمنوا إن تتَّقوا الله يجعل لكم فرقاناً ) (1) .
وإن جنح الإنسان نحو المنكرات، فانّ الظلمات تتراكم على قلبه، ويزداد نهماً لارتكاب المحرمات، وقد يبلغ به الأمر إلى أن ينكر خالقه، قال تعالى: (ثمَّ كان عاقبة الَّذين أساؤوا السُّواى أن كذَّبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون ) (2) . وقال أيضاً: (فلمَّا زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) (3) .
والآية التي يدور حولها بحثنا شاهد آخر على ذلك حيث يقول تعالى: (وما يضلُّ به إلاَّ الفاسقين ).
ممّا تقدم يتضح أن الإنسان حُرّ في انتخاب الطريق في بداية الأمر، وهذه حقيقة يقبلها ضمير كل إنسان، ثم على الإنسان بعد ذلك أن ينتظر النتائج الحتمية لأعماله.
بعبارة موجزة: الهداية والضلالة ـ في المفهوم القرآني ـ لايعنيان الإجبار على انتخاب الطريق الصحيح أو الخاطىء، بل إنّ الهداية ـ المفهومة من الآيات المتعدّدة ـ تعني توفّر سبل السعادة، والإضلال: يعني زوال الأرضيّة المساعدة للهداية، دون أن يكون هناك إجبار في المسألة.
توفّر السبل (الذي نسميه التوفيق)، وزوال هذه السبل (الذي نسميه سلب التوفيق)، هما نتيجة أعمال الإنسان نفسه. فلو منح الله فرداً توفيق الهداية، أو سلب من أحد هذا التوفيق، فإنّما ذلك نتيجة الأعمال المباشرة لهذا الفرد أو ذاك.
ويمكن التمثيل لهذه الحقيقة بمثال بسيط: حين يمرّ الإنسان قرب هاوية خطرة، فإنّه يتعرّض لخطر الإنزلاق والسقوط فيها كلّما اقترب منها أكثر.
كما أنّ احتمال سقوطه في الهاوية يقلّ كلما ابتعد عنها أكثر، والحالة الاُولى هداية والثانية ضلال.
من مجموع ما ذكرنا يتضح الجواب على ما يثار من أسئلة في حقل الهداية والضلال.
▲4ـ «الفاسقون»
هم المنحرفون عن طريق العبودية، لأنّ الفسق في اللغة إخراج النوى من التمر، ثم انتقل إلى الخروج عن طريق الله.
▲ سورة البقرة / الآية 27
27 ) الَّذينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ ميثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
▲التّفسير
▲الخاسرون الحقيقيون
هذه الآية الكريمة توضح مواصفات الفاسقين بعد أن تحدثت الآية السابقة عن ضلال هذه الفئة، وتذكر لهم ثلاث صفات:
1ـ إنّهم (ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ).
هؤلاء لهم مع الله عهود ومواثيق، مثل عهد التوحيد، وعهد الرّبوبية، وعهد عدم اتّباع الشيطان وهوى النفس. لكنهم نقضوا كل هذه العهود، وتمرّدوا على أوامر الله، واتّبعوا أهواءهم وما أراده الشيطان لهم.
طبيعة هذا العهد: يثار سؤال حول العهد المبرم بين الله والإنسان، فالعهد عقد ذو جانبين، وقد يقول قائل: متى أبرمت مع الله عهداً من العهود المَذكورة؟
الجواب على هذا السؤال يتضح لو عرفنا أنّ الله سبحانه أودع في أعماق النفس الإنسانية شعوراً خاصاً وقوى خاصّة يستطيع بها أن يهتدي إلى الطريق الصحيح، ويتجنب مزالق الشيطان وأهواء النفس، ويستجيب لداعي الله.
هذه القوى الفطرية يعبّر عنها القرآن بالعهد الإلهي، وهو في الحقيقة «عهد تكويني» لا تشريعي أو قانوني. يقول تعالى: (ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لا تعبدوا الشَّيطان إنَّه لكم عدوٌّ مبينٌ * وأن اعبدوني هذا صراطٌ مستقيمٌ )؟! (1) .
وواضح أنّ الآية تشير إلى فطرة التوحيد العبودية والميل إلى الإتجاه نحو التكامل في النفس الإنسانية.
الدليل الآخر على هذا الإتجاه في فهم العهد الإلهي ما جاء في أول خطب نهج البلاغة عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام): حيث قال: «فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ وَوَاتَرَ إلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ». (2)
بتعبير آخر: كل موهبة يمنحها الله للإنسان يصحبها عهد طبيعي بين الله والإنسان، موهبة العين يصحبها عهد يفرض على الإنسان أى يرى الحقائق، وموهبة الاُذن تنطوي على عهد مدوّن في ذات الخلقة يفرض الاستماع إلى نداء الحق... وبهذا يكون الإنسان قد نقض العهد متى ما غفل عن استثمار القوى الفطرية المودعة في نفسه، أو استخدم الطاقات الموهوبة له في مسير منحرف.
الفاسقون: ينقضون بعض هذه العهود الفطرية الإلهيّة، أو جميعها.
2ـ الصفة الاُخرى لهؤلاء الفاسقين هي أنهم (... يقطعون ما أمر الله به أن يوصل... ).
أكثر المفسرين ذهبوا إلى أنّ القطع المذكور في الآية يعني قطع الرحم، لكن مفهوم الآية ـ في نظرة أعمق ـ أعم من ذلك، وما قطع الرحم إلاّ أحد مصاديقها، لأنّ الآية تتحدث عن قطع الفاسقين لِكلّ إرتباط أمر الله به أن يوصل، بما في ذلك رابطة الرحم، رابطة الصداقة، والروابط الاجتماعية، والرابطة بهداة البشرية إلى الله، والإرتباط بالله. ولا دليل على حصر الآية برابطة الرحم.
بعض المفسرين ذهبوا إلى أنّ الآية تشير إلى قطع الإرتباط بالأنبياء والمؤمنين، وبعضهم فسّرها بالإرتباط بأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) (3) ، وواضح أنّ هذه التفاسير تبيّن جزءً من المفهوم الكلي للآية.
3ـ علامة الفاسقين الثالثة هي الفساد: (... ويفسدون في الأرض ).
ومن الواضح أن يكون هؤلاء مفسدين، لأنّهم نسوا الله وعصوه، وخلت نفوسهم من كل عاطفة إنسانية حتى تجاه أرحامهم، هؤلاء لايتحركون إلاّ على خط مصالحهم وأهدافهم الذاتية الدنيّة، ولا يهمّهم على هذا الطريق أن يعيثوا في الأرض فساداً، ويرتكبوا كل لون من ألوان الانحراف.
وتؤكد الآية في الخاتمة أن (اولئك هم الخاسرون ).
وأي خسران أكبر من تبديد كل القوى المادية والمعنوية المودعة في الإنسان الرّاميّة لإسعاده، وإهدارها على طريق الشقاوة والتعاسة والانحراف؟! نعم، هؤلاء الفاسقون الذين خرجوا عن خط إطاعة الله ليس لهم مصير سوى الخسران.
▲بحثان
▲1ـ أهمّية صلة الرحم في الإسلام
الآية المذكورة أعلاه، وإن تحدثت عن كل إرتباط أمر الله به أن يوصل، إلاّ أنّ الإرتباط الرحمي دون شك أحد مصاديقها البارزة.
لقد أعار الإسلام اهتماماً بالغاً بصلة الرحم وبالتودّد إلى الأهل والأقارب، ونهى بشدّة عن قطع الإرتباط بالرحم.
رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصوّر أهمية صلة الرحم بقوله: «صِلَةُ الرَّحِمِ تَعْمُرُ الدِّيارَ وَتَزِيدُ فِي الأَعْمَارِ، وَإنْ كَانَ أَهْلُهَا غَيْرَ أَخْيَارِ» (1) .
وعن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) قال: «صِلْ رَحِمَكَ وَلَوْ بِشَرْبَةِ مَاء، وَأَفْضَلُ مَا يُوصَلُ بِهِ الرَّحِمُ كَفُّ الأَذى عَنْهَا» (2) .
الإمام علي بن الحسين السّجاد (عليه السلام) يحذّر ولده من صحبة خمس مجموعات، إحداها قطاع الرحم، ويقول:«... وَإيَّاكَ وَمُصَاحَبَةً الْقَاطِعِ لِرَحِمِهِ فَإنّي وَجَدْتُهُ مَلْعُوناً في كِتَابِ اللهِ» (3).
ويقول سبحانه: (فهل عسيتم إن تولَّيتم أن تفسدوا في الأرض وتقطّعوا أرحامكم * اولئك الَّذين لعنهم الله ) (4) .
السبب في كل هذا التأكيد الإسلامي على الرحم هو أنّ عملية إصلاح المجتمع وتقوية بنيته وصيانة مسيرة تكامله وعظمته في الحقول المادية والمعنوية، تفرض البدء بتقوية اللَّبنات الأساسية التي يتكون منها البناء الاجتماعي، وعند استحكام اللَّبنات وتقويتها يتم إصلاح المجتمع تلقائيّاً.
الإسلام مارس هذه العملية على النحو الأكمل في بناء المجتمع الإسلامي القوي الشامخ، وأمر بإصلاح الوحدات الاجتماعية، والكائن الإنساني لا يأبى عادة أن ينصاع إلى مثل هذه الأوامر اللازمة لتقوية إرتباط أفراد الاُسرة، لاشتراك هؤلاء الأفراد في الرحم والدم.
وواضح أنّ المجتمع يزداد قوةً وعظمةً كلّما ازداد التماسك والتعاون والتعاضد في الوحدات الاجتماعية الصغيرة المتمثلة بالاُسرة، وإلى هذه الحقيقة قد يشير الحديث الشريف: «صلة الرحم تعمر الديار». (5)
▲2ـ القطع بدل الوصل
ذكرت الآية الكريمة: أَنَّ الْفَاسِقينَ. (يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) وفي هذا الصدد يثار سؤال يقول: هل القطع ممكن قبل الوصل؟
والجواب: إنّ المقصود بالوصل استمرار الروابط التي أقرّها الله سبحانه بينه وبين عباده، أو بين عباده مع بعضهم بشكل طبيعي وفطري.
بعبارة اُخرى، إنّ الله سبحانه أمر بالحفاظ على هذه الروابط الفطرية والطبيعية وبصيانتها، لكنّ المذنبين يقطعونها (تأمّل بدقّة).
▲سورة البقرة / الآية 28 ـ 29
28 ) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُميتُكُمْ ثُمَّ يُحْييكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
29 ) هُوَ الَّذي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ جَميعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماوات وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْء عَليمٌ
▲التّفسير
▲نعمةُ الحياة
القرآن في الآيتين يلفت أنظار البشر إلى عظمة الخالق عن طريق ذكر بعض النعم الإلهيّة وبعض المظاهر المدهشة للخلقة، وبذلك يكمل الأدلة التي أوردها في الآيتين 21 و22 من هذه السّورة حول معرفة الله.
القرآن يبدأ في أدلّته من نقطة لا تقبل الإنكار، ويركز على مسألة (الحياة) بكل ما فيها من تعقيد وغموض، ويقول: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ).
وفي هذه العبارة تذكير للإنسان بما كان عليه قبل الحياة... لقد كان ميتاً تماماً مثل الأحجار والأخشاب ولم يكن فيه أي أثر للحياة، لكنه الآن يتمتع بنعمة الحياة، وبنعمة الشعور والإدراك.
من الذي منح الإنسان نعمة الحياة؟ هل أنّ الكائن البشري هو الذي منح نفسه الحياة؟! كل إنسان منصف لا يتردد أن يجيب: أنّ هذه الحياة موهوبة للإنسان من لدن عالم قادر... عالم برموز الحياة وقوانينها المعقّدة... وقادر على تنظيمها، إذن كيف يكفر هذا الإنسان بمن أحياه بعد موته؟!
أجمعت العلماء اليوم أنّ مسألة الحياة أعقد مسألة في عالمنا هذا، لأن لغز الحياة لم ينحل حتى اليوم على الرغم من كل ما حققه البشر من تقدّم هائل في حقل العلم والمعرفة. قد يستطيع العلم في المستقبل أن يكتشف بعض أسرار الحياة... لكن السؤال يبقى قائماً بحاله:
كيف يكفر الإنسان بالله وينسب هذه الحياة بتعقيداتها وغموضها وأسرارها إلى صنع الطبيعة العمياء الصّماء الفاقدة لكل شعور وإدراك؟!
من هنا نقول إن ظاهرة الحياة في عالم الطبيعة أعظم سند لإثبات وجود الله تعالى. والقرآن يركّز في الآية المذكورة على هذه المسألة بالذات، وهي مسألة تحتاج إلى مزيد من الدراسة والتعمق، لكننا نكتفي هنا بهذه الإشارة.
بعد التذكير بهذه النعمة، تؤكد الآية على دليل واضح آخر وهو «الموت» (ثم يميتكم ).
ظاهرة «الموت» يراها الإنسان في حياته اليومية، من خلال وفاة من يعرفهم ومن لا يعرفهم، وهذه الظاهرة تبعث أيضاً على التفكير، من الذي قبض أرواحهم؟ ألا يدلّ سلبُ الحياة منهم على أنّ هناك من منحهم هذه الحياة؟
نعم... إنّ خالق الحياة هو خالق الموت أيضاً، وإلى ذلك تشير الآية الكريمة: (الَّذي خلق الموت والحيوة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) (1) .
بعد أن ذكرت الآية هذين الدليلين الواضحين على وجود الله، تناولت المعاد والحياة بعد الموت: (ثمَّ يحييكم ).
ويأتي ذكر المعاد في سياق هذه الآية ليبيّن أن مسألة الحياة بعد الموت (المعاد) مسألة طبيعية جدّاً لا تختلف عن مسألة إحياء الإنسان في هذه الدنيا بل إنّها أيسر من الخلق الأوّل (مع أنّ السهل والصعب ليس لها مفهوم بالنسبة للقادر المطلق). وهل بمقدور إنسان أن ينكر إمكان المعاد وهو يرى أنه خلق من عناصر ميّتة؟!
وهكذا، وبعبارة موجزة رائعة يفتح القرآن أمام الإنسان سجلّ حياته منذ ولادته وحتى بعثه.
وفي نهاية الآية يقول تعالى: (ثمَّ إليه ترجعون ). والمقصود بالرجوع هو الرجوع إلى نعم الله تعالى يوم القيامة، والرجوع غير البعث. والقرآن يفصل بين الإثنين كما في قوله تعالى: (والموتى يبعثهم الله ثمَّ إليه يرجعون ) (2) .
قد يكون الرجوع في الآية الكريمة إشارة إلى معنى أدقّ، هو أنّ جميع الموجودات تبدأ مسيرة تكاملها من نقطة العدم التي هي نقطة «الصفر» وتواصل السير نحو «اللانهاية» التي هي ذات الله سبحانه وتعالى، من هنا فإنّ هذه المسيرة لا تتوقف لدى الموت، بل تستمر في الحياة الاُخرى على مستوى أسمى.
بعد ذكر نعمة الحياة والإشارة إلى مسألة المبدأ والمعاد، تشير الآية إلى واحدة اُخرى من النعمّ الإلهيّة السابقة وتقول: (هو الَّذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ).
وبهذا تعيّن الآية قيمة الإنسان في هذه الأرض، وسيادته على ما فيها من موجودات، ومنها نستطيع أن نفهم المهمّة العظيمة الثقلية الموكولة إلى هذا المخلوق في ساحة الوجود.
وفي القرآن آيات اُخرى تؤكّد على مكانة الإنسان السامية، وتوضّح أنّ هذا الكائن هو الهدف النهائي من خلق كل موجودات الكون.
(وسخَّر لكم ما في السَّماوات وما في الأرض ) (3)
وثمّة آيات اُخرى تحدثت عن هذا المفهوم بالتفصيل كقوله تعالى (4) .
(وسخَّر لكم الفلك... ) (5) .
(وسخَّر لكم الأنهار ) (6) .
(وسخَّر لكم اللَّيل والنَّهار ) (7) .
(سخَّر لكم البحر... ) (8) .
(وسخَّر لكم الشَّمس والقمر... ) (9) .
وتعود الآية إلى ذكر أدلة التوحيد وتقول: (ثمَّ استوى إلى السَّماء فسوَّاهنَّ سبع سماوات وهو بكلِّ شيء عليمٌ ).
الفعل «استوى» من «الإستواء» وهو التسلط والإحاطة الكاملة والقدرة على الخلق والتدبير، وكلمة «ثم» في الآية لا تعني لزاماً التأخير الزماني، بل تعني أيضاً التأخير في البيان وتوالي في ذكر الحقائق.
▲بحوث
▲1ـ التناسخ أو عودة الأرواح
الآية المذكورة أعلاه من الآيات التي ترفض بوضوح فكرة التناسخ، فالمعتقدون بالتناسخ يؤمنون بأنّ الإنسان يعود بعد الموت ثانية إلى هذه الحياة، بعد أن تحلّ روحه في جسم آخر (ونطفة اُخرى)، ويحيا في هذه الدنيا حياة اُخرى، وقد تتكرر هذه العودة مرّات، وتكرر هذه الحياة يسمى بالتناسخ أو عودة الأرواح.
الآية تصرح بعدم وجود أكثر من حياة واحدة بعد الموت، هي حياة البعث والنشور. وبعبارة اُخرى توضح الآية أنّ للإنسان حياتين ومماتين لا أكثر، وكان الإنسان ميتاً يوم كان جزءاً من الطبيعة غير الحيّة، ثم أحياه الله يوم ولد، ثم يميته، ثم يعيده، ولو كان التناسخ صحيحاً لكان للإنسان أكثر من مماتين وحياتين.
هذا المفهوم مذكور في آيات اُخرى أيضاً، سنشير إليه في موضعه (1) .
فكرة التناسخ إذن مرفوضة قرآنياً، كما أنّه مرفرضة عقلياً، وهي نوع من الرجعية والإنتكاس في قانون التكامل (2) .
جدير بالذكر أنّ هذه الآية لا تشير إلى الحياة البرزخية (الحياة بين الموت والنشور) كما توهم البعض، بل إلى الحياة بعد الموت في هذه الدنيا (إحياء الإنسان بعد تكوّنه من مواد طبيعيّة ميّتة)، ثم الموت بعد هذه الحياة الدنيوية، ثم الحياة الاُخرى، واستمرار المسيرة التكاملية نحو الله.
▲2ـ السّماوات السّبع
كلمة «سماء» تشير إلى جهة عليا، ولها مفهوم واسع ذو مصاديق مختلفة. ولذلك كان لها استعمالات عديدة في القرآن الكريم:
1ـ أطلقت أحياناً على «الجهة العليا» المجاورة للأرض كقوله تعالى: (ألم تركيف ضرب الله مثلا كلمةً طيِّبةً كشجرة طيِّبة أصلها ثابتٌ وفرعها في السَّماء ) (1) .
2ـ وعنى بها القرآن تارة المنطقة البعيدة عن سطح الأرض: (ونزَّلنا من السَّماء ماءً مباركاً ) (2) .
3ـ عبّر القرآن بها في موضع آخر عن (الغلاف الجوي) المحيط بالأرض: (وجعلنا السَّماء سقفاً محفوظاً ) (3) . لأنّ هذا الغلاف يقي الكرة الأرضية من الصخور السماوية (النيازك) التي تتجه إلى الأرض ليلا ونهاراً بفعل جاذبية الأرض، لكن اصطدام هذه الصخور بجوّ الأرض يؤدّي إلى اشتعالها ومن ثم تحوّلها إلى رماد.
4ـ وأراد القرآن بالسماء في موضع آخر (الكرات العليا): (ثمَّ استوى إلى السَّماء وهي دخانٌ ) (4) .
نعود الآن إلى «السماوات السبع» لنرى ما المقصود من هذا العدد. تعددت آراء المفسرين والعلماء المسلمين في ذلك.
1ـ منهم من قال إنّها السّيارات السّبع (5) في اصطلاح الفلكيين القدماء: أي عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل والقمر والشمس.
2ـ ومنهم من قال إنّ المقصود بها هو الطبقات المتراكمة للغلاف الجوي المحيط بالكرة الأرضية.
3ـ ومنهم من قال إنّ العدد (سبعة) لا يراد به هذا العدد المعروف، بل يراد به الكثرة، أي إنّ معنى «السماوات السبع» هو السماوات والكرات الكثيرة في الكون.
ولهذا نظير في كلام العرب وفي القرآن، كقوله تعالى: (ولو أنّما في الأرض من شجرة أقلامٌ والبحر يمدُّه من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) (6) .
وواضح أنّ المقصود بالسبعة في هذه الآية ليس العدد المعروف، لأنّ علم الله لا ينتهي حتى ولو أنّ البحر يمده من بعده الآلاف المؤلفة من الأبحر.
4ـ الأصح في رأينا أن المقصود بالسماوات السبع، هو وجود سبع سماوات بهذا العدد، وتكرر هذه العبارة في آيات الذكر الحكيم يدل على أنّ العدد المذكور في هذهِ الآيات لا يعني الكثرة، بَل يعني العدد الخاص بالذات.
ويستفاد من آيات اُخرى أنّ كل الكرات والسيّارات المشهودة هي جزء من السماء الاُولى، وثمّة ستة عوالم اُخرى خارجة عن نطاق رؤيتنا ووسائلنا العلمية اليوم، وهذه العوالم السبعة هي التي عبّر عنها القرآن بالسماوات السبع.
يقول تعالى: (وزيَّنَّا السَّماء الدُّنيا بمصابيح ) (7) .
ويقول أيضاً: (إنَّا زيَّنَّا السَّماء الدُّنيا بزينة الكواكب ) (8) .
ويتضح من هاتين الآيتين أنّ ما نراه وما يتكون منه عالم الأفلاك هو جزء من السماء الاُولى، وما وراء هذه السماء ست سماوات اُخرى ليس لدينا اليوم معلومات عن تفاصيلها.
نحن نرى اليوم أنّه كلما تقدمت العلوم الناقصة للبشر اكتشفت عجائب ومجاهيل عظيمة، علم الفلك تقدّم إلى مرحلة بعيدة جدّاً في الرصد عن طريق التلسكوبات، ثم توقفت قدرة الرؤية إلى أكثر من ذلك.
أبعد ما اكتشفته دوائر الأرصاد الفلكي العالمية حتى الآن مسافة في الكون تعادل ألف مليون (مليار) سنة ضوئية. والراصدون يعترفون أن أقصى ما اكتشفوه هو بداية الكون لا نهايته، وما يدريك أنّ العلم سيكتشف في المستقبل سماوات وعوامل اُخرى!
من الأفضل أن نسمع هذا الحديث عن لسان مرصد عالمي كبير.
▲3ـ عظمة الكائنات
القائم على المرصد «بالومر» يصف عظمة الكون كالآتي:
«... قبل نصب مرصد بالومر، كان العالم في نظرنا لا يزيد على خمسمائة سنة ضوئية، لكن هذا الناظور وسّع عالمنا إلى ألف مليون سنة ضوئية، واكتشف على أثر ذلك ملايين المجرات الجديدة التي يبعد بعضها عنّا ألف مليون سنة ضوئية، أمّا بعد هذه المسافة فيتراءى لنا فضاء عظيم مهيب مظلم لا نبصر فيه شيئاً، أي إنّ النور لا ينفذ إليه كي يؤثر على صفحة التصوير في المرصد.
ومن دون شك أنّ هذا الفضاء المهيب المظلم يحتوي على مئات الملايين من المجرات التي تحافظ بجاذبيّتها على هذا العالم المرئي.
كل هذا العالم العظيم المرئي الحاوي على مئات آلاف الملايين من المجرات ليس إلاّ جزءاً صغيراً جدّاً من عالم أعظم، ولسنا واثقين من عدم وجود عالم آخر غير هذا العالم الأعظم» (1) .
▲ سورة البقرة / الآية 30 ـ 33
30 ) وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَليفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ
فيها مَنْ يُفْسِدُ فيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
31 ) وَ عَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُوني بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ
32 ) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيمُ
33 ) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
▲التّفسير
▲الإنسان خليفة الله في الأرض
الآيات السابقة ذكرت أن الله سبحانه خلق ما في الأرض جميعاً للإنسان، وفي هذه الآيات تقرير صريح لخلافة الإنسان وقيادته، وتوضيح لمكانته المعنوية التي استحق بها كل هذه المواهب.
في هذه الآيات عرض لخلقة آدم (أبوالبشر)، وفي الآيات 30 إلى 39 تركيز على ثلاث مسائل أساسية هي:
1ـ إخبار الله ملائكته بشأن خلافة الإنسان في الأرض، وما دار في المشهد من حوار.
2ـ أمر الله تعالى ملائكته بإكرام وتعظيم الإنسان الأول، وهذا ما نجده في مواضع عديدة من القرآن الكريم بمناسبات مختلفة.
3ـ شرح وضع آدم وحياته في الجنّة، والحوادث التي أدّت إلى خروجه من الفردوس، ثم توبة آدم، وحياته هو وذريّته في الأرض.
الآيات المذكورة تتحدث عن المرحلة الاُولى، حين شاء الله أن يخلق على ظهر الأرض موجوداً، يكون فيها خليفته، ويحمل أشعة من صفاته، وتسمو مكانته على مكانة الملائكة، وشاء سبحانه أن تكون الأرض ونعمها وما فيها من كنوز ومعادن وإمكانات تحت تصرف هذا الإنسان.
مثل هذا الموجود بحاجة إلى قسط وافر من العقل والشعور والإدراك والكفاءة الخاصّة، كي يستطيع أن يتولى قيادة الموجودات الأرضية.
بهذه المناسبة تقول الآية الاُولى: (وإذ قال ربُّك للملائكة إنّي جاعلٌ في الأرض خليفةً )، والخليفة هو النائب عن الغير، أمّا هذا الغير الذي ينوب الإنسان عنه فاختلفت فيه أقوال المفسرين... .
منهم من قال إنه خليفة الملائكة الذين كانوا يسكنون من قبل على ظهر الأرض، ومنهم من قال إنه خليفة بشر آخرين أو موجودات اُخرى كانت تعيش قبل ذلك على الأرض.
وذهب بعضهم إلى أنّ الخليفة إشارة إلى أنّ كل جيل من البشر يخلف الجيل السابق.
والحق أنّ المقصود بالخليفة هو خليفة الله ونائبه على ظهر الأرض، كما ذهب إلى ذلك كثير من المحققين. لأنّ سؤال الملائكة بشأن هذا الموجود الذي قد يفسد في الأرض ويسفك الدماء يتناسب مع هذا المعنى، لأنّ نيابة الله في الأرض لا تتناسب مع الفساد وسفك الدماء.
مسألة «تعليم الأسماء» لآدم التي سيأتي شرحها، وهكذا سجود الملائكة لآدم من أدلة ما ذهبنا إليه في تفسير معنى الخليفة.
الإمام جعفر بن محمّد الصّادق (عليه السلام) يشير أيضاً إلى هذا المعنى في تفسير هذه الآيات إذ يقول: «إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَّمَ آدَمَ أَسْمَاءَ حُجَجِهِ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ وَهُمْ أرْواحٌ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِؤُنِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بِأَنَّكُمْ أَحَقُّ بِالْخِلاَفَةِ فِي الأَرْضِ لِتَسبِيحِكُمْ وَتَقْديسِكُمْ مِنْ آدَمَ فَقَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالى يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَئَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَقَفُوا عَلَى عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَ اللهِ عَزَّ ذِكْرُهُ فَعَلِمُوا أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِأَنْ يَكُونوا خُلَفَاءَ اللهِ في أرْضِهِ وَحُجَجَهِ عَلى بَرِيَّتِهِ ثُمَّ غَيَّبَهُمْ عَنْ أَبْصَارِهِمْ وَاسْتَعْبَدَهُمْ بِوِلاَيَتِهِمْ وَمَحبَّتِهِمْ وَقَالَ لَهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إنّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ» (1) .
ثم تذكر الآية سؤال الملائكة الذي وجّهوه لربّ العالمين مستفسرين لا معترضين: (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدِّماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدِّس لك )؟
الله سبحانه أجاب الملائكة جواباً مغلقاً اتضح في المراحل التالية: (قال إنّي أعلم ما لاتعلمون ).
الملائكة كانوا عالمين ـ كما يبدو من تساؤلهم ـ أنّ هذا الإنسان موجود يفسد في الأرض ويسفك الدماء، فكيف عرفوا ذلك؟!
قيل إنّ الله سبحانه أوضح للملائكة من قبل على وجه الإجمال مستقبل الإنسان، وقيل إنّ الملائكة فهموا ذلك من خلال عبارة «في الأرض»، لأنّهم علموا أنّ هذا الإنسان يخلق من التراب، والمادة لمحدوديتها هي حتماً مركز للتنافس والنزاع، وهذا العالم المحدود المادي لا يستطيع أن يشبع طبيعة الحرص في الإنسان. وهذه الدنيا لو وضعت بأجمعها في فم الإنسان فقد لا تشبعه، وهذا الوضع ـ إن لم يقترن بالالتزام والشعور بالمسؤولية ـ يؤدّي إلى الفساد وسفك الدماء.
بعض المفسرين ذهب إلى أنّ تنبؤ الملائكة يعود إلى تجربتهم السابقة مع مخلوقات سبقت آدم، وهذه المخلوقات تنازعت وسفكت الدماء وخلفت في الملائكة انطباعاً مرّاً عن موجودات الارض.
هذه التفاسير الثلاثة لا تتعارض مع بعضها، وقد يكون موقف الملائكة من استخلاف آدم ناشئاً عن هذه الأسباب الثلاثة معاً.
الملائكة بيّنوا حقيقة من الحقائق، ولذلك لم ينكر الله عليهم قولهم، بل أشار إلى أنّ ثمّة حقائق اُخرى إلى جانب هذه الحقيقة، حقائق ترتبط بمكانة الإنسان في الوجود; وهذا ما لم تعرفه الملائكة.
الملائكة يعلمون أنّ الهدف من الخلقة هو العبودية والطاعة، وكانوا يرون في أنفسهم مصداقاً كاملا لذلك، فهم في العبادة غارقون. ولذلك فهم ـ أكثر من غيرهم ـ للخلافة لائقون، غير عالمين أن بين عبادة الإنسان المليء بألوان الشهوات، والمحاط بأشكال الوساوس الشيطانية والمغريات الدنيوية وبين عبادتهم، ـ وهم خالون من كل هذه المؤثرات ـ بون شاسع. فأين عبادة هذا الموجود الغارق وسط الأمواج العاتية، من عبادة تلك الموجودات التي تعيش على ساحل آمن؟!
ماذا تعرف الملائكة من ابناء آدم أمثال محمّد (صلى الله عليه وآله) وابراهيم ونوح وموسى وعيسى والأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) وعباد الله الصالحين والشهداء والمضحّون من الرجال والنساء الذين قدّموا وجودهم على مذبح العشق الإلهي، والذين تساوي ساعة من تفكّرهم سنوات متمادية من عبادة الملائكة؟
الجدير بالذكر، إن الملائكة ركنوا في بيان فضلهم إلى ثلاثة اُمور: التسبيح والحمد، والتقديس، أمّا التسبيح والحمد فمعناهما واضح. وهو تنزيه الله عزّ وجلّ من كل نقص والاعتراف له بكل كمال وجمال، أمّا ما هو معنى التقديس؟ البعض يرى أنّه عبارة عن تنزيه الله عزّوجلّ عن كل نقص. وهو معنى التسبيح المتقدم، ولكن آخرين ذهبوا إلى أنّ التقديس من مادة «قدس» أي تطهير الأرض من الفاسدين والمفسدين، أو تطهير النفس من كل رذيلة، أو تطهير الجسم والروح للّه، والشاهد على ذلك كلمة «لك»، في جملة «نقدس لك» لأنّ الملائكة لم يقولوا «نقدسك» بل «نقدس لك»، أي نطهر المجتمع والارض لك.
وفي الحقيقة أنّ مرادهم هو القول بأنّ الهدف إذا كان هو الطاعة والعبودية فنحن على أتمّ الإستعداد، ولو كان هو العبادة فنحن في هذه الحالة دائماً، وإذا كان المقصود هو تطهير النفس أو تطهير الارض فسوف ننفذ هذا الأمر، في حين أن الانسان المادي مضافاً إلى فساده فإنّه يفسد الأرض.
ومن أجل أن تتضح الحقيقة للملائكة أقدم الله سبحانه على هذه التجربة ليعلموا الفرق الشاسع بينهم وبين آدم (عليه السلام).
▲الملائكة في بودقة الإختبار
كان آدم يملك ـ بفضل الله ـ قابلية خارقة لفهم الحقائق. وشاء الله أن ينقل هذه القابلية من مرحلة القوّة إلى مرحلة الفعل، وهذا ما عبر عنه القرآن بقوله: (وعلَّم آدم الأسماء كلَّها ).
اختلف المفسرون في تفسير «تعليم الأسماء»، ومن المؤكّد أنّ المقصود من ذلك ليس هو تعليم الأسماء دون المعاني، فذلك لا يكسب آدم فخراً، بل المقصود هو معاني الأسماء والمفاهيم والمسميات.
هذا العلم بالكون وبأسرار الموجودات وخواصها، كان مفخرة كبيرة لآدم طبعاً.
عن أبي العباس قَال: سألت الإمام الصادق (عليه السلام) عن قولِ الله: وَعلّمَ آدَمَ الأَسماءَ كلها،
ماذا علّمه؟ قال: «الأَرَضِينَ وَالجبال والشعابَ والأوديةَ ثم نظر إلى بساط تحته فقال: وهذا البساط ممّا علّمهُ» (1) .
علم الأسماء إذن لم يكن يشبه «علم المفردات»، بل كان يرتبط بفلسفة الأسماء وأسرارها وكيفياتها وخواصها، والله سبحانه منح آدم هذا العلم ليستطيع أن يستثمر المواهب المادية والمعنوية في الكون على طريق تكامله.
كما منح الله آدم قابلية التسمية، ليستطيع أن يضع للأشياء أسماء، وبذلك يتحدث عن هذه الأشياء بذكر اسمها لا بإحضار عينها، وهذه نعمة كبرى، نفهمها لو عرفنا أنّ علوم البشرية تنقل عن طريق الكتب والمدوّنات، وما كان هذا التدوين مقدوراً لولا وضع الأسماء للأشياء وخواصها.
(ثمَّ عرضهم على الملائكة فقال أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ) وأمام هذا الاختبار تراجع الملائكة لأنّهم لم يملكوا هذه القدرة العلمية التي منحها الله لآدم، (قالوا سبحانك لا علم لنا إلاَّ ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ).
وهكذا أدركت الملائكة تلك القدرة التي يحملها آدم، التي تجعله لائقاً لخلافة الله على الأرض، وفهمت مكانة هذا الكائن في الوجود.
وحان الدور لآدم كي يشرح أسماء الموجودات وأسرارها أمام الملائكة: (قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلمَّا أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السَّماوات والاْرْضوأعْلم ما تبدون وما كنتمْ تكتمون ).
وهنا اتضح للملائكة أنّ هذا الموجود هو وحده اللائق لاستخلاف الأرض.
عبارة (ما كنتم تكتمون ) إشارة إلى أنّ الملائكة كانوا يخفون شيئاً لم يظهروه في أقوالهم. قال بعض المفسرين: إنّها إشارة إلى حالة استكبار إبليس الذي كان يومئذ بين الملائكة، وكان يكتم إصراره على عدم الخضوع لآدم.
ومن المحتمل أيضاً أن تكون العبارة إشارة إلى ما كان يبطنه الملائكة من اعتقاد بأنّهم أليق من غيرهم للخلافة الإلهيّة على الأرض، فهم أشاروا إلى مثل هذا الاعتقاد ولم يصرّحوا به.
▲جواب على سؤالين
ويبقى سؤالان في هذا المجال، الأوّل يدور حول تعليم الله لآدم، كيف تمّ ذلك؟ ولو قُدّر أن يكون هذا التعليم من نصيب الملائكة لنالوا نفس فضيلة آدم، فهل هناك مفخرة يمتلكها آدم ولا تمتلكها الملائكة؟
أمّا بشأن كيفية التعليم فالجواب هو أنّ هذا التعليم تكويني، أي إنّ الله أودع هذا العلم في وجود آدم بالقوّة، ودفعه خلال مدّة قصيرة إلى المرحلة الفعلية.
إطلاق كلمة «تعليم» في القرآن على «التعليم التكويني» ورد في موضع آخر من القرآن، كقوله تعالى: (علّمه البيان ) (1) وواضح أنّ الله سبحانه علّم الإنسان البيان في مدرسة الخلقة، أي منحه الكفاءة والخصائص الفطرية اللازمة للبيان والكلام.
أما الشطر الآخر من هذا السؤال فيتبين جوابه لو علمنا أنّ الملائكة كانت لهم خلقة خاصّة، ما كانت تؤهلهم لتلقي كل هذه العلوم. إنّهم مخلوقون لهدف آخر، لا لهذا الهدف، وهذه الحقيقة فهمها الملائكة وتقبّلوها بعد أن مرّوا بتلك التجربة المذكورة في الآية. ولعلهم اعتقدوا في البداية أنّهم يحملون الكفاءة اللازمة لهذا الهدف، لكن الله بيّن لهم الفرق بين كفاءتهم وكفاءة آدم بتجربة تعليم الأسماء.
أمّا السّؤال الثّاني فيرتبط بالضمير «هم» في قوله تعالى: (ثم عرضهم ) وأسمائهم وباسم الإشارة هؤلاء في الآية. فالمعروف أنّ «هم» و«هؤلاء» يستعملان في العاقل، وهذا لا ينسجم مع تفسير «الأسماء» بأنّهم أسرار الخلقة وفهم خواص جميع الموجودات.
والجواب هو أنّ استعمال الضمير «هم» واسم الإشارة «هؤلاء» لا يختص بالعاقل، بل قد يستعملان في جمع مكوّن من عاقل وغير عاقل، وقد يستعملان في جمع غير عاقل. كقوله تعالى: (رأيتهم لي ساجدين ) (2) والضمير «هم» في الآية يعود على الكواكب والشمس والقمر التي رآها يوسف.
▲ سورة البقرة / الآية 34 ـ 36
34 ) وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لإِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْليسَ أَبى وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرينَ
35 ) وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لاتَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمينَ
36 ) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فيهِ وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حين
▲التّفسير
▲آدم(عليه السلام) في الجنّة
ينتقل القرآن إلى فصل آخر من موضوع عظمة الإنسان، ويقول: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لاِدم فسجدوا إلاَّ إبليس أبى واستكبر وكان مِن الكافِرين ).
يبدو للوهلة الاُولى أنّ مسألة السجود لآدم جاءت بعد تجربة الملائكة المذكورة في الآيات السابقة وبعد تعليم الأسماء، ولكن لو أمعنّا النظر في آيات القرآن الكريم لألفينا أنّ موضوع السجود جاء بعد اكتمال خلقة الإنسان مباشرة، وقبل امتحان الملائكة.
يقول تعالى: (فإذا سوَّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين )، (1) السجود إذن جاء مباشرة بعد نفخ الروح في الإنسان، وهذا المعنى جاء في الآية 72 من سورة ص (2) .
ثمّة دليل آخر على هذه المسألة هو أنّ استجابة الملائكة لأمر الله بالسجود، لو كانت بعد اتضاح مكانة آدم، لما اعتبرت مفخرة للملائكة.
على أي حال، الآية المذكورة تقرير قرآني واضح صريح لشرف الإنسان وعظمة مكانته، فكل الملائكة يؤمرون بالسجود له بعد اكتمال خلقته.
حقاً، إنّ هذا الموجود، اللائق لخلافة الله على الأرض، والمؤهل لهذا الشوط الكبير من التكامل وتربية أبناء عظام كالأنبياء وخاصّة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله)، يستحق كل احترام.
نحن نشعر بالتعظيم والتكريم لمن حوى بعض العلوم وعلم شيئاً من القوانين والمعادلات العلمية، فكيف حال الانسان الأوّل مع كل تلك العلوم والمعارف الزاخرة عن عالم الوجود؟!
▲بحثان
▲1ـ لماذا أبى إبليس؟
«الشّيطان» اسم جنس شامل للشيطان الأوّل ولجميع الشّياطين. أمّا «إبليس» فاسم علم للشيطان الذي وسوس لآدم. وإبليس ـ كما صرح القرآن ـ ما كان من جنس الملائكة وإن كان في صفوفهم، بل كان من طائفة الجن، وهي مخلوقات مادية. قال تعالى: (فسجدوا إلاَّ إبليس كان من الجنِّ ) (1) .
باعثه على الإمتناع عن السجود كبُر وغرور وتعصب خاص استولى عليه حيث اعتقد أنّه أفضل من آدم، ولا ينبغي أن يصدر له أمر بالسجود لآدم، بل ينبغي أن يؤمر آدم بالسجود له، وسيأتي شرح ذلك في تفسير الآية 12 من سورة الأعراف.
كفر إبليس كان يعود إلى نفس السبب أيضاً، فقد اعتقد بعدم صواب الأمر الإلهي، وبذلك لم يعصِ فحسب، بل انحرف عقائدياً. وهكذا ذهبت أدراج الرياح كل عباداته وطاعاته نتيجة كبره وغروره. وهكذا تكون دوماً نتيجة الكبر والغرور.
وعبارة (كان من الكافرين ) تشير إلى أنّ إبليس كان قبل صدور الأمر الإلهي إليه بالسجود، قد انفصل عن مسير الملائكة وطاعة الله، وأسرَّ في نفسه الاستكبار والجحود، لعله عزم في قرارة نفسه أن لا يخضع لو صدرت إليه أوامر بالخضوع والسجود، ومن المحتمل أن تكون عبارة (ما كنتم تكتمون ) إشارة إلى ذلك. وورد هذا المعنى في حديث عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، قال إبْليسُ: «لَئِنْ أَمْرَنِي اللهُ بِالسُّجُودِ لِهَذَا لَعَصَيْتُهُ إلى أَنْ قَالَ: ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالى لِلْمَلاَئِكَةِ: اُسْجُدُوا لاِدَمَ فَسَجَدُوا فَأَخْرَجَ إبْلِيسُ مَا كَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْحَسَدِ فَأَبِى أَنْ يَسْجُدَ» (2) .
▲2ـ هل كان السّجود لله أم لآدم(عليه السلام)؟
لا شك أنّ السجود يعني «العبادة» لله، إذ لا معبود غير الله، وتوحيد العبادة يعني أن لا نعبد إلاّ الله.
من هنا فإنّ الملائكة لم يؤدوا لآدم يعني «سجدة عبادة» قطعاً. بل كان السجود لله من أجل خلق هذا الموجود العجيب. أو كان سجود الملائكة لآدم سجود «خضوع» لا عبادة.
جاء في «عيون الأخبار» عن الإمام علي بن موسى الرض (عليه السلام): «كَانَ سُجُودُهُمْ للهِ تَعَالى عُبُودِيَّةً، وَلاِدَمَ إكْراماً وَطَاعَةً، لِكَونِنَا فِي صُلْبِهِ» .(1)
بعد هذا المشهد ومشهد اختبار الملائكة، اُمر آدم وزوجه أن يسكنا الجنّة، كما جاء في قوله تعالى: (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنَّة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشَّجرة ) (2) .
يستفاد من آيات القرآن أنّ آدم خُلق للعيش على هذه الأرض، لكنّ الله شاء أن يسكنه قبل ذلك الجنّة، وهي روضة خضراء موفورة النعمة في هذا العالم، وخالية من كل ما يزعج آدم.
لعل مرحلة مكوث آدم في الجنّة كانت مرحلة تحضيرية لعدم ممارسة آدم للحياة على الارض وصعوبة تحمّل المشاكل الدنيوية بدون مقدمة، ومن أجل تأهيل آدم لتحمل مسؤوليات المستقبل، ولتفهيمه أهمّية حمل هذه المسؤوليات والتكاليف الإلهيّة في تحقيق سعادته، ولإعطائه صورة عن الشقاء الذي يستتبع اهمال هذه التكاليف، ولتنبيهه بالمحظورات التي سيواجهها على ظهر الأرض.
وكان من الضروري أيضاً أن يعلّم آدم بإمكان العودة إلى الله بعد المعصية. فمعصية الله ـ لا تسدّ إلى الإبد ـ أبواب السعادة أمامه، بل يستطيع أن يرجع ويعاهد الله أن لا يعود لمثلها، وعند ذاك يعود إلى النعم الإلهيّة.
ينبغي أن ينضج آدم (عليه السلام) في هذا الجوّ إلى حد معيّن، وأن يعرف أصدقاءه وأعداءه، ويتعلم كيف يعيش على ظهر الأرض، نعم، كانت هذه مجموعة من التعاليم الضرورية التي تؤهله للحياة على ظهر الأرض.
كانت هذه مقدمات تأهيلية يحتاجها آدم وأبناء آدم في حياتهم الجديدة، ولعل الفترة التي قضاها آدم في الجنّة أن ينهض بمسؤولية الخلافة على الأرض كانت تدريبية أو تمرينية.
وهنا رأى «آدم» نفسه أمام أمر إلهي يقضي بعدم الاقتراب من الشجرة، لكن الشيطان أبى إلاّ أن ينفذ بقسمه في إغواء آدم وذريته، فطفق يوسوس لآدم ويعده وزوجه ـ كما يبدو من سائر آيات القرآن الكريم ـ بالخلود وباتخاذ شكل الملائكة وأقسم أنه لهما من الناصحين. (3)
تقول الآية بعد ذلك: (فأزلَّهما الشَّيطان عنها فأخرجهما ممَّا كانا فيه ) (4) .
نعم. اُخرجا من الجنّة حيث الراحة والهدوءُ وعدم الألم والتعب والعناء، على أثر وسوسة الشيطان.
وصدر لهما الأمر الإلهي بالهبوط (وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدوُّ ولكم في الاْرض مستقرٌّ ومتاعٌ إلى حين ).
وهنا، فهم آدم أنه ظلم نفسه، وأخرج من الجوّ الهادي الملي بنعم الجنّة بسبب استسلامه لوسوسة الشيطان، وهبط في جوّ مفعم بالتعب والمشقة والعناء، مع أنّ آدم كان نبيّاً ومعصوماً، فإنّ الله يؤاخذ الإنبياء بترك الأولى ـ كما سنرى ـ كما يؤاخذ باقي الأفراد على ذنوبهم، وهو عقاب شديد تلقاه آدم جرّاء عصيانه.
▲بحوث
▲1ـ ما هي جنّة آدم(عليه السلام)؟
يبدو أنّ الجنّة التي مكث فيها آدم قبل هبوطه إلى الأرض، لم تكن الجنّة التي وُعد بها المتقون، بل كانت من جنان الدنيا، وصقعاً منعّماً خلاّباً من أصقاع الأرض. ودليلنا على ذلك:
أوّلا: الجنّة الموعودة في القيامة نعمة خالدة، والقرآن ذكر مراراً خلودها، فلا يمكن إذن الخروج منها.
ثانياً: إبليس الملعون ليس له طريق للجنّة، وليس لوسوسته مكان هناك.
ثالثاً: وردت عن أهل البيت (عليهم السلام) روايات تصرّح بذلك.
منها ما روي عن الإمام جعفر بن محمّد الصّادق (عليه السلام) أنه سئل عن جنّة آدم، فقال: «جَنَّةٌ مِنْ جَنَّاتِ الدُّنْيَا، يَطْلَعُ فِيهَا. الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَلَوْ كَانَ مِنْ جِنَانِ الاْخِرَةِ مَا خَرَجَ مِنْهَا أبَداً» .(1)
من هذا يتضح أنّ هبوط آدم ونزوله إلى الأرض لم يكن مكانياً بل مقامياً، أي أنّه هبط من مكانته السامية ومن تلك الجنّة المزدانة.
من المحتمل أيضاً أن تكون هذه الجنّة غير الخالدة في إحدى الكواكب السماوية، وفي بعض الرّوايات الإسلامية إشارة إلى أنّ هذه الجنّة في السماء، (2) غير أنّ من الممكن أن يكون المقصود بالسماء في هذه الرّوايات «المقام الرفيع» لا «المكان المرتفع».
على كل حال، توجد شواهد كثيرة على أنّ هذه الجنّة هي غير جنّة الخلد الموعودة. لأنّ جنّة آدم بداية مسير الإنسان وجنّة الخلد نهايتها، وهذه مقدمة لأعمال الإنسان ومراحل حياته، وتلك نتيجة أعمال الإنسان ومسيرته.
▲2ـ ما هو ذنب آدم؟
المكانة التي ذكرها القرآن لآدم سامية ورفيعة، فهو خليفة الله في الأرض ومعلم الملائكة، وعلى درجة كبيرة من التقوى والمعرفة، وهو الذي سجدت له ملائكة الله المقربين، ومن المؤكّد أنّ آدم هذا لا يصدر عنه ذنب، إضافة إلى أنّه كان نبيّاً، والنبي معصوم.
من هنا يطرح سؤال عن نوع العمل الذي صدر عن آدم، وتوجد لذلك ثلاثة تفسيرات يكمل بعضها الآخر.
1ـ ما إرتكبه آدم كان «تركاً للأولى» أو بعبارة اُخرى كان «ذنباً نسبياً»، ولم يكن «ذنباً مطلقاً».
الذنب المطلق، وهو الذنب الذي يستحق مرتكبه العقاب أياً كان، مثل الشرك والكفر والظلم والعدوان، والذنب النسبي هو الذي لا يليق بمرتكبه أن يفعله لعلوّ منزلة ذلك الشخص، وإن كان إرتكابه مباحاً، بل مستحباً أحياناً من قبل الأفراد العاديين، على سبيل المثال، نحن نؤدّي الصلاة بحضور القلب تارة، وبعدم حضور القلب تارة اُخرى، وهذه الصلاة تتناسب وشأننا، لكن مثل هذه الصلاة لا تليق بأفراد عظام مثل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، صلاة الرّسول ينبغي أن تكون بأجمعها اتصالا عميقاً بالله تعالى، وإن فعل الرّسول غير ذلك فلا يعني أنّه إرتكب محرّماً، بل يعني أنّه ترك الاُولى.
وآدم كان يليق به أن لا يأكل من تلك الشجرة، وإن كان الأكل منها غير محرّم بل «مكروهاً».
2ـ نهي الله لآدم إرشادي، مثل قول الطبيب: لا تأكل الطعام الفلاني فتمرض. والله سبحانه قال لآدم: لا تقرب هذه الشجرة فتخرج من الجنّة، وآدم في أكله من الشجرة خالف نهياً إرشادياً.
3ـ الجنّة التي مكث فيها آدم لم تكن محلا للتكليف، بل كانت دورة اختبارية وتمهيدية لآدم كي يهبط بعدها إلى الأرض، وكان النهي ذا طابع اختياري (1) .
▲3ـ المقارنة بين معارف القرآن والتوراة
أكبر مفاخر آدم وأعظم نقاط قوته التي جعلته زبدة الكون ومسجود الملائكة هي ـ كما يظهر من الآيات ـ تعليمه الأسماء وإطلاعه على حقائق الكون وأسراره.
واضح أنّ آدم خُلق لهذه العلوم، وأبناء آدم ـ إن أرادوا التكامل ـ عليهم أن يستزيدوا من هذه العلوم، وتكاملهم يتناسب مرادفاً مع معلوماتهم عن أسرار الخليفة.
نعم، القرآن يصرّح بأنّ عظمة آدم تكمن في هذه النقطة. ولكن التوراة تذهب إلى أنّ سبب خروج آدم من الجنّة وخطيئته الكبرى هو اتجاهه نحو العلم ومعرفة الصالح والطالح!
جاء في الفصل الثاني من «سفر التكوين» من التوراة: «وَأَخَذَ الرَّبُّ الإلهُ آدَمَ ووَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْن لَيَعْلَمَهَا وَيَحْفَظَهَا. وَأَوْصَى الرَّبُ الإلَهُ آدَمَ قَائِلا مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ آكْلا. وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا. لاَِنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ»
وجاء في الفصل الثالث من التوراة: «وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإلهِ مَاشِياً فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ. فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَإمْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإلهِ فِي وَسْطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ. فَنَادَى الرَّبُّ الإلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ أَيْنَ أَنْتَ. فَقَالَ سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ لاَِنّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأَتُ. فَقَالَ مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَان. هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا. فَقَالَ آدَمُ: الْمَرَأَةُ الَّتي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ....
وَقَالَ الرَّبُّ الإلهُ هُوَ ذَا الإنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِد مِنَّا عَارِفاً الْخَيْرَ وَالشَّرَ، وَالآنَ لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرِةِ الحَيوة أَيْضاً وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إلَى الأَبَدِ. فَأَخْرَجَهُ الرَّبُّ الإلهُ مِنْ جَنَّةِ عَدْن لِيَعْمَلَ الأَرْضَ الَّتي اُخِذَ مِنْهَا. فَطَرَدَ الإنْسَانَ وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْن الْكَرُوبيمَ وَلَهِيبَ سَيْف مُتَقَلَّب لِحَرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيوة»!!
من هذه «الاُسطورة التافهة»، التي تعرضها التوراة الحالية باعتبارها واقعاً تاريخياً يتبين لنا رأي التوراة الحالية في سبب خروج آدم من الجنّة، فهو على رأي هذه الاُسطورة معرفة آدم بالخير والشر، وذنبه الأكبر هو الإتجاه نحو العلم والمعرفة!!
وإن لم يمدّ آدم يدَه إلى «شجرة الخير والشّر» لبقي جاهلا حتى بقبح التعرّي، ولما اُخرج من الجنّة، بل كان فيها خالداً.
فيا عجباً، لِمَ إذاً حزن آدم على خروجه من الجنّة إذا كان خروجه قد اقترن بإكتسابه العلم والمعرفة وبتمييزه بين الخير والشر، إنّها صفقة رابحة تلك التي حصل عليها آدم، فلماذا ندم عليها؟!
ويتضح من ذلك أنّ اُسطورة التوراة تقع في النقطة المقابلة للإتجاه القرآني الذي يرى أن مكانة الإنسان ومقامه وسرّ خلقته تكمن في «تعليمه الأسماء».
أضف إلى ما سبق أنّ هذه الاُسطورة تتضمّن مفاهيم مشينة مخجلة بشأن الله سبحانه وبشأن المخلوقات، كل واحدة منها تثير الدهشة أكثر من غيرها، وهي عبارة عن:
1ـ نسبة الكذب إلى الله، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً (كما جاء في الجملة 17 من الاصحاح الثاني: أما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها: لأنّك يوم تأكل منها موتاً تموت)!
2ـ نسبة البخل إلى الله سبحانه (كما جاء في الجملة 22 من الإصحاح الثالث: وقال الربّ الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر، والآن لعله يمدّ يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل ويحيا إلى الإبد)!.
3ـ إمكان وجود الشريك لله تعالى (كما في العبارة السابقة: قد صار كواحد منّا).
4ـ نسبة الحسد إلى الله (ويستفاد ذلك من العبارة السابقة أيضاً).
5ـ تجسيم الله سبحانه (... وسمعا صوت الربّ الإله ماشياً في الجنّة عند هبوب ريح النهار)!
6ـ نسبة الجهل إلى الله بالحوادث التي تقع قريباً منه (كما تقول هذه التوراة: فاختبأ آدم وامرأته من وجه الربّ الإله في وسط شجر الجنّة. فنادى الربّ الإله آدم وقال له: أين أنت؟!). (1)
(ولابدّ من التأكيد هنا أنّ هذه الخرافة لم تكن في التوراة المنزلة، بل اُضيفت فيما أضيف إلى التوراة).
▲4ـ المقصود من الشّيطان في القرآن
كلمة الشيطان من مادة «شطن» و«الشاطن» هو الخبيث والوضيع، والشيطان تطلق على الموجود المتمرد العاصي، إنساناً كان أو غير إنسان، وتعني أيضاً الروح الشريرة البعيدة عن الحق. وبين كل هذه المعاني قدر مشترك.
والشّيطان اسم جنس عام، وإبليس اسم علم خاص، وبعبارة اُخرى، الشيطان كل موجود مؤذ مغو طاغ متمرّد، إنساناً كان أم غير إنسان ، وإبليس اسم الشيطان الذي أغوى آدم ويتربّص هو وجنده الدوائر بأبناء آدم دوماً.
من مواضع استعمال هذه الكلمة في القرآن يفهم أنّ كلمة الشيطان تطلق على الموجود المؤذي المضر المنحرف الذي يسعى إلى بثّ الفرقة والفساد والاختلاف، مثل قوله تعالى:
(إنَّما يريد الشَّيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء... ) (1) .
وفي استعمال فعل المضارع «يريد» دلالة على استمرار إرادة الشيطان على هذا النحو.
والاستعمال القرآني لكلمة شيطان يشمل حتى أفراد البشر المفسدين المعادين للدعوة الإلهيّة، كقوله تعالى:
(وكذلك جعلنا لكلِّ نبيّ عدوّاً شياطين الاْنْس والْجنِّ ) (2) .
كلمة الشيطان اُطلقت على إبليس أيضاً بسبب فساده وإنحرافه.
والميكروبات المضرّة تشملها كلمة الشيطان أيضاً، كما ورد عن علي أميرالمؤمنين (عليه السلام): «لاَ تَشْرَبُوا الْمَاءَ مِنْ ثُلْمَةِ الاْنَاءِ وَلاَ مِنْ عُرْوَتِهِ، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَقْعُدَ عَلَى الْعُرْوَةِ وَالثُّلْمَةِ» (3) .
وروي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام): «وَلاَ يُشْرَبُ مِن اُذُنِ الْكُوْزِ، وَلاَ مِنْ كَسْرِهِ إنْ كَانَ فِيهِ، فَأِنَّهُ مَشْرَبُ الشَّيَاطِين» (4) .
وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لاَ يُطَوِّلَنَّ أَحَدُكُمْ شَارِبَهُ فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَتَّخِذُهُ مَخْبَئاً يَسْتَتِرُ بِهِ» (5) .
ومن الواضح أننا لا نقصد أنّ معنى كلمة الشيطان هو الميكروب أينما وردت هذه الكلمة، بل نقصد أنّ الكلمة لها معان متعددة، أحد مصاديقها الواضحة «إبليس» وجنده وأعوانه. ومصداقها الآخر أفراد البشر المفسدون المنحرفون، ووردت في مواضع اُخرى بمعنى الميكروبات المؤذية (تأمل بدقّة)!
▲5ـ لماذا خُلق الشيطان؟!
يثار أحياناً سؤال عن سبب خلق هذا الموجود المضل المغوي، وفي الجواب نقول:
أوّلا: لم يخلق الله الشيطان، شيطاناً، والدليل على ذلك وجوده بين ملائكة الله وعلى الفطرة الطاهرة، لكنه بعد تحرره أساء التصرف، وعزم على الطغيان والتمرّد، إنّه إذن خلق طاهراً، وسلك طريق الانحراف مختاراً.
ثانياً: وجود الشيطان لا يسبب ضرراً للأفراد المؤمنين، ولطلاب طريق الحق، في منظار نظام الخليقة، بل إنّه وسيلة لتقدمهم وتكاملهم، إذ إن التطوّر والتقدّم يتم من خلال صراع الأضداد.
بعبارة أوضح: قوى الإنسان وطاقاته الكامنة لا تتأهب ولا تتفجر إلاّ حينما يواجه الإنسان عدواً قوياً، هذا العدوٌ يؤدّي إلى تحريك طاقات الإنسان وبالتالي إلى تقدّمه وتكامله.
الفيلسوف المعاصر «توينبي» يقول: «لم تظهر في العالم حضارة راقية إلاّ بعد تعرّض شعب من الشعوب إلى هجوم خارجي قوي، وهذا الهجوم يؤدّي إلى تفجير النبوغ والكفاءات، لصنع مثل هذه الحضارة».
▲ سورة البقرة / الآية 37 ـ 39
37 ) فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمات فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحيمُ
38 ) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَميعاً فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ
39 ) وَ الَّذينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فيها خالِدُونَ
▲التّفسير
▲عودة آدم(عليه السلام) إلى الله
بعد حادثة وسوسة إبليس، وصدور الأمر الإلهي لآدم بالخروج من الجنّة، فهم آدم أنّه ظلم نفسه، وأنّه اُخرج من ذلك الجوّ الهاديء المنعّم على أثر إغواء الشيطان، ليعيش في جوّ جديد مليء بالتعب والنصب، وهنا أخذ آدم يفكر في تلافي خطئه، فاتجه بكل وجوده إلى بارئه وهو نادم أشدّ الندم.
وأدركته رحمة الله في هذه اللحظات كما تقول الآية (فتلقّى آدم من ربِّه كلمات فتاب عليه إنَّه هو التَّوَّاب الرَّحيم ).
«التوبة» في اللغة بمعنى «العودة»، وهي في التعبير القرآني، بمعنى العودة عن الذنب، إن نُسبت إلى المذنب، وإن نسبت كلمة التوبة إلى الله فتعني عودته سبحانه إلى الرحمة التي كانت مسلوبة عن العبد المذنب. ولذلك فهو تعالى «توّاب» في التعبير القرآني.
بعبارة اُخرى «توبة» العبد عودته إلى الله، لأنّ الذنب فرار من الله والتوبة رجوع إليه. وتوبة الله، إغداق رحمته على عبده الآيب (1) .
صحيح أن آدم لم يرتكب محرّماً، ولكن ترك الأَولى يعتبر معصية منه. ولذلك سرعان ما تدارك الموقف، وعاد إلى خالقه.
وسنتحدث فيما بعد عن المقصود بــ «الكلمات» في الآية.
على أيّ حال، لقد حدث ما لا ينبغي أن يحدث ـ أو ما ينبغي أن يحدث ـ وقُبلت توبة آدم. لكن الأثر الوضعي للهبوط في الأرض لم يتغير، كما يذكر القرآن: (قلنا اهبطوا منها جميعاً فإمَّا يأتينكم منّي هدىً فمن تبع هداي فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون * والَّذين كفروا وكذَّبوا بآياتنا اولئك أصحاب النَّار هم فيها خالدون ).
▲بحوث
▲1 - الكلمات التي تلقاها آدم
تعددت الآراء في تفسير «الكلمات»، التي تلقاها آدم (عليه السلام) من ربّه.
المعروف أنها الكلمات المذكورة في الآية 23 من سورة الأعراف: (قالا ربَّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين ).
وقال آخرون أنّ المقصود من الكلمات هذا الدعاء:
«اَللَّهُمَّ لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، فَاغْفِرْ لِي إنَّكَ خَيْرُ الْغَافِرينَ».
«اَللَّهُمَّ لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَك وَبِحَمْدِكَ، رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، فَارْحَمْنِي إنَّكَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ».
«اَللَّهُمَّ لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، فَتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ».
وهذا ما نقل في رواية عن الإمام محمّد بن علي الباقر (عليه السلام) (1) .
مثل هذه التعابير ذكرها القرآن على لسان يونس وموسى (عليهما السلام). يونس ناجى ربّه فقال: (سبحانك إنِّي كنت من الظَّالمين ) (2) . وموسى أيضاً: (قال ربِّ إنِّي ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له ) (3) .
وفي روايات وردت عن طرق أهل البيت(عليهم السلام) أنّ المقصود من «الكلمات» أسماء أفضل مخلوقات الله وهم: محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ وآدم توسل بهذه الكلمات ليطلب العفو من ربّ العالمين فعفا عنه. (4)
هذه التفاسير الثلاثة لا تتعارض مع بعضها، ولعلّ آدم تلقى من ربّه كل هذه الكلمات، كي يحدث فيه تغيير روحي تام بعد أن يعي حقيقة هذه الكلمات، وليشمله بعد ذلك لطف الله ورحمته.
▲2ـ سبب تكرار جملة (اهْبِطُوا)
الأمر بالهبوط تكرر في الآيتين: 36 و38 من هذه السّورة، أي قبل توبة آدم وحواء وبعدها. للمفسرين رأيان في سبب التكرار، بعضهم قالوا للتأكيد، وآخرون قالوا إنّ موضوع الجملة الاُولى يختلف عن موضوع الجملة الثانية.
والظاهر أنّ الجملة الثانية توضح لآدم مسألة عدم إنتفاء الأمر بالهبوط في الأرض بعد قبول التوبة، وعدم الإنتفاء هذا يعود إمّا إلى أنّ آدم قد خلق منذ البداية لهذا الهدف، أو لأنّ هذا الهبوط أثر وضعي لعمله، وهذا الأثر الوضعي لا يتغير بالتوبة.
▲3ـ من هم المخاطبون في جملة (اهْبِطُوا)؟
الضمير في «اهبطوا» للجمع، بينما عدد المخاطبين إثنان فقط، هما آدم وزوجه، والجمع هنا ناظر إلى النتيجة التي تستتبع هبوط آدم وحواء في الأرض، فأبناؤهما وأجيال البشر بعدهما سيستقرون على هذه المعمورة.
▲سورة البقرة / الآية 40
40 ) يا بَني إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَوْفُوا بِعَهْدي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ إِيّايَ فَارْهَبُونِ
▲التّفسير
▲ذكر النِّعم الإلهيّة
مرّت بنا في الآيات السابقة قصّة خلافة آدم في الأرض، وموقف الملائكة منه، ثم نسيانه العهد الإلهي وهبوطه إلى الأرض، وبعد ذلك توبته.
ومن أحداث قصّة آدم (عليه السلام)، اتضح أن الساحة الكونية تنطوي دوماً على قوتين: قوّة الحق وقوّة الباطل، وهاتان القوتان متقابلتان ومتصارعتان، ومن اتبع الشيطان في هذا الصراع فقد اختار طريق الباطل، ومصيره الإبتعاد عن الجنّة والسّعادة، ومعاناة المصائب والآلام، ومن ثمّ الندم، ومن التزم بأوامر الله ونواهيه وتغلب على وساوس الشيطان وأتباعه، فقد سار على طريق الحق، وابتعد عن نكد العيش وضنكه وآلامه.
لما كانت قصّة بني إسرائيل ابتداءً من تحررهم من السيطرة الفرعونية واستخلافهم في الأرض، ومروراً بنسيان العهد الإلهي، وانتهاءً بسقوطهم في حضيض الانحراف والعذاب والمشقة، تشبه إلى حدّ كبير قصة آدم، بل هي فرع من ذلك الأصل العام، فإنّ الله سبحانه في آية بحثنا وعشرات الآيات الاُخرى التالية، بيّن مقاطع من حياة بني إسرائيل ومصيرهم، لإكمال الدرس التربوي الذي بدأ بقصة آدم.
يوجه القرآن خطابه إلى بني إسرائيل ويقول: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي الَّتي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي اوف بعهدكم وإيَّاي فارهبون ).
الأوامر الثلاثة التي تذكرها الآية الكريمة وهي: تذكّر النعم الإلهيّة، والوفاء بالعهد، والخوف من الله، تشكل المنهج الإلهي الكامل للبشرية.
تذكّر النعم الإلهيّة يحفّز الإنسان للإتجاه نحو معرفة الله سبحانه وشكره. واستشعار العهد الإلهي الذي يستتبع النعم الإلهيّة يدفع الكائن البشري إلى النهوض بمسؤولياته وواجباته، ثم الخوف من الله وحده ـ دون سواه ـ يمنح الإنسان العزم على تحدّي كل العقبات التي تقف بوجه تحقيق أهدافه والالتزام بعهده، لأن التخوف الموهوم من هذا وذاك أهم موانع الالتزام بالعهد الإلهي، وظاهرة الخوف كانت متغلغلة في أعماق نفوس بني إسرائيل نتيجة السيطرة الفرعونية الطّويلة عليهم.
▲بحوث
▲1ـ اليهود في المدينة
يحتل الحديث عن اليهود قسماً هاماً من سورة البقرة، التي هي أوّل سورة نزلت في المدينة كما صرح بذلك بعض العلماء، لأنّ اليهود كانوا أشهر مجموعة من أهل الكتاب في المدينة، وكانوا قبل ظهور النبي (صلى الله عليه وآله) ينتظرون رسولا بشّرت به كتبهم الدينيّة، كما أنّهم كانوا يتمتعون بمكانة اقتصادية مرموقة، ولذلك كله كان لليهود نفوذ عميق في المدينة.
ولمّا ظهر الإسلام، باعتباره الرسالة التي تقف بوجه مصالحهم اللامشروعة وانحرافاتهم وَغَطْرَسَتِهِمْ، فمضافاً إلى عدم إيمانهم به وقفوا بوجه الدعوة، وبدأوا يحوكون ضدها المؤامرات التي لا زالت مستمرة بعد أربعة عشر قرناً من البعثة النبوية المباركة.
الآية المذكورة وآيات تالية أنحت باللائمة الشديدة على اليهود، وهزّت عواطفهم بذكر مقاطع حساسة من تاريخهم، بحيث لو كان لأحدهم قليل من الموضوعية لاستيقظ واتجه نحو الإسلام، كما أنّ هذا السرد لتاريخ اليهود درس مليء بالعبر للمسلمين.
وسنقف في آيات تالية بإذن الله عند بعض الدروس والمواقف من تاريخ اليهود، مثل نجاتهم من فرعون، وانفلاق البحر لهم، وغرق الفرعونيين، وميعاد موسى في جبل الطور، وعبادة بني إسرائيل للعجل في غياب موسى، والأمر بالتوبة وقتل النفس، ونزول النعم الخاصّة الإلهيّة، وأمثالها من الدروس.
▲2ـ ميثاق بني إسرائيل
ميثاق بني إسرائيل الإلهي يتكون من اثني عشر بنداً، عشر منها ذكرت في آيتين متواليتين من هذه السّورة.
(وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلاَّ الله وبالولدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للنَّاس حسناً وأقيموا الصَّلاة وآتوا الزَّكاة... * وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم * ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثمَّ أقررتم وأنتم تشهدون ) (1) .
وبندان ذكرا في الآية الكريمة:
(ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً وقال الله إنِّي معكم لئن أقمتم الصَّلاة وآتيتم الزَّكاة وآمنتم برسلي وعزَّرتموهم... ) (2) .
وهما: الإيمان بالأنبياء ومؤازرتهم.
كانَ بنو إسرائيل قد وُعدوا بالنعيم إن وفّوا بعهودهم، (ولادخلنكم جنَّات تجري من تحتها الاْنهار ) (3) لكنهم نقضوا الميثاق، ولا يزالون حتى اليوم ينقضونه.
وكان نتيجة ذلك التشتيت والتشريد، وسيبقون كذلك ما داموا ناكثين. وإذا رأينا لهم يوماً جولة وضجيجاً بفضل الدعم الإستكباري لهم، فإن هذه الجولة سرعان ما ستخبو إن شاء الله أمام صولة أبناء الإسلام... وها نحن نرى في الاُفق بوادر الصحوة الإسلامية التي تدفع بالشباب أن يتخلوا عن المدارس الفكرية المنحرفة والإتجاهات القومية والعنصرية الكافرة ويقضوا على هذا الضجيج.
▲3ـ وفاء الله بعهده
نعم الله تستتبعها دوماً قيود وشروط، وإلى جانب كل نعمة، مسؤولية وشرط.
عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) في قوله الله عزّ وجلّ: (أوفوا بعهدي ) قال: قال بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) «اُوفِ بِعَهْدِكُمْ اُوفِ لَكُمْ بِالْجَنَّةِ» (1) .
ولا عجب إنْ ورد الإيمان بولاية علي (عليه السلام) في هذا الحديث، باعتباره جزءاً من العهد، لأنّ الإيمان بالأنبياء ومؤازرتهم، من بنود العهد مع بني إسرائيل، ويستتبع ذلك الإيمان بخلفاء الأنبياء باعتبارهم إمتداداً لمسألة القيادة والولاية وهذه المسألة ينبغي تحققها بشكل يتناسب مع زمانها، موسى (عليه السلام) في زمانه كان يتولى مسؤولية القيادة والولاية، والرّسول الخاتم (صلى الله عليه وآله) هو الذي كان يتولى هذه المسؤولية في عصره، ثُمَّ تولاّها في زمن تال علي بن أبي طالب (عليه السلام).
جملة (إيّاي فارهبون ) تأكيد على كسر كل حواجز الخوف القائمة في طريق الوفاء بالعهد الإلهي، وعلى الخوف من الله وحده دون سواه، وهذا الحصر يتضح من تقديم ضمير النصب المنفصل «إيّاي» على جملة «فَارْهَبُونِ».
▲4ـ لماذا سمي اليهود (بني إسرائيل )؟
«إسرائيل» أحد أسماء يعقوب والد يوسف، وفي سبب تسمية يعقوب بهذا الاسم، ذكر المؤرّخون غير المسلمين عللا ممزوجة بالخرافة.
ورد في «قاموس الكتاب المقدس»: «أن إسرائيل تعني الشخص المنتصر على الله»!! ويقول: «وهذه الكلمة لُقِّبَ بها يعقوب بن إسحاق بعد أن صرع الملك الإلهي».
ويقول تحت عنوان «يعقوب»: إنّه أثبت مقاومته واستقامته وإيمانه، وفي هذه الحالة غيّر الله اسمه إلى «إسرائيل»، ووعده أن يكون أباً لكل الطوائف... ثم مات بعد أن هرم، ودفن كما يدفن السلاطين الدنيويون واُطلق اسم يعقوب وإسرائيل على جميع قومه».
ويقول تحت كلمة «إسرائيل»: «لهذا الاسم معان كثيرة، يقصد به أحياناً نسل إسرائيل ونسل يعقوب» (1) .
أمّا علماؤنا كالمفسر المعروف «الطبرسي (رحمه الله)» فيقول في «مجمع البيان»: إنّ إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليه السلام) وإن «اسر» تعني «العبد» و«ئيل» بمعنى الله، فيكون معنى إسرائيل عبد الله.
واضح أن ما تتحدث عنه التوراة من مصارعة بين يعقوب والملك الإلهي، أو بين يعقوب والله، خرافة وسخافة لا تتناسب إطلاقاً مع الكتاب الإلهي، وهي أوضح دليل على تحريف التوراة الموجودة.
▲سورة البقرة / الآية 41 ـ 43
41 ) وَ آمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَ لاتَكُونُوا أَوَّلَ كافِر بِهِ وَ لاتَشْتَرُوا بِآياتي ثَمَناً قَليلاً وَ إِيّايَ فَاتَّقُونِ
42 ) وَ لاتَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
43 ) وَ أَقيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ ارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعينَ
▲سبب النّزول
ذكر بعض المفسرين العظام رواية عن الإمام محمّد بن علي الباقر (عليه السلام): في سبب نزول هذه الآية قال: «كَانَ حَيُّ بن أَخْطَبَ وَكَعْبُ بْنُ أَشْرَفَ وَآخَرُونَ مِنَ الْيَهُودِ، لَهُمْ مَأْكَلَة عَلَى الْيَهُودِ في كُلِّ سَنَة، فَكَرِهُوا بُطْلاَنَهَا بِأَمْرِ النَّبِيّ (صلى الله عليه وآله)، فَحَرَّفُوا لِذَلِكَ آيَات مِنَ التَّوْرَاةِ فِيهَا صِفَتُهُ وَذِكْرُهُ فَذَلِكَ الَّثمَنُ الَّذي اُرِيدَ فِي الاْيَةِ» (1) .
▲التّفسير
▲جشع اليهود
الآيات المذكورة أعلاه تتطرق إلى تسعة من بنود العهد الذي أخذه الله على بني إسرائيل.
يقول تعالى: (وآمنوا بما أنزلت مصدِّقاً لما معكم )، فالقرآن مصدق لما مع اليهود من كتاب، أي أنّ البشائر التي زفّتها التوراة والكتب السماوية الاُخرى بشأن النبي الخاتم، والأوصاف التي ذكرتها لهذا النبي والكتاب السماوي تنطبق على محمّد (صلى الله عليه وآله)، وعلى القرآن المنزل عليه. فلماذا لا تؤمنون به؟!
ثمّ يقول سبحانه: (ولا تكونوا أوَّل كافر به ) أي ـ لا عجب أن يكون المشركون والوثنيون في مكّة ـ كفّاراً بالرسالة، بل العجب في كفركم، بل في كونكم روّاداً للكفر، وسباقين للمعارضة، لأنّكم أهل الكتاب، وكتابكم يحمل بشائر ظهور هذا النبي، وكنتم لذلك تترقبون ظهوره، فما عدى ممّا بدا؟ ولماذا كنتم أول كافر به؟!.
إنّه تعنّتهم الذي لولاه لكانوا أول المؤمنين برسالة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله).
المقطع الثالث من الآية يقول: (ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلا ).
آيات الله، لا ينبغي ـ دون شك ـ معاوضتها، بأي ثمن، قليلا كان أم كثيراً، وفي تعبير هذه الآية إشارة إلى دناءة هذه المجموعة من اليهود، التي تنسى كل التزاماتها من أجل مصالحها التافهة، هذه الفئة، التي كانت قبل البعثة من المبشرين بظهور نبىّ الإسلام (صلى الله عليه وآله)، وبكتابه السماوي، أنكرت بشارات التوراة وحرفتها، حين رأت مصالحها معرّضة للخطر، وعلمت أنّ مكانتها الاجتماعية معرضة للإنهيار عند انكشاف الحقيقة للناس.
في الواقع، لو اُعطيت الدنيا بأجمعها لشخص ثمناً لإنكار آية واحدة من آيات اللّه، لكان ثمناً قليلا، لأنّ هذه الحياة فانية، والحياة الاُخرى هي دار البقاء والخلود. فما بالك بإنسان يفرّط بهذه الآيات الإلهيّة في سبيل مصالحه التافهة؟!
في المقطع الرابع تقول الآية: (وإيَّاي فاتَّقون )، والخطاب موجّه إلى زعماء اليهود الذين يخشون أن ينقطع رزقهم، وأن يثور المتعصبون اليهود ضدّهم، وتطلب منهم أن يخشوا الله وحده، أي أن يخشوا عصيان أوامره سبحانه.
في البند الخامس من هذه الأوامر ينهى الله سبحانه عن خلط الحق بالباطل (ولا تلبسوا الحقَّ بالباطل ).
وفي البند السادس ينهى عن كتمان الحق: (... وتكتموا الحقَّ وأنتم تعلمون ).
كتمان الحق، مثل خلط الحق بالباطل ذنب وجريمة، والآية تقول لهم: قولوا الحق ولو على أنفسكم، ولا تشوهوا وجه الحقيقة بخلطها بالباطل وإن تعرضت مصالحكم الآنيّة للخطر.
البند السابع والثامن والتاسع من هذه الأوامر يبينه قوله تعالى: (وأقيموا الصَّلاة وآتوا الزَّكاة واركعوا مع الرَّاكعين ).
البند الأخير يأمر بالصلاة جماعة، غير أن «الركوع» هو الذي ذكر دون غيره من أجزاء الصلاة، ولعل ذلك يعود إلى أنّ صلاة اليهود كانت خالية من الركوع، تماماً، بينما احتل الركوع مكان الرّكن الأساسي في صلاة المسلمين.
ومن الملفت للنظر أنّ الآية لم تقل «أدّوا الصلاة»، بل قالت: (أقيموا الصَّلاة )، وهذا الحث يحمّل الفرد مسؤولية خلق المجتمع المصلي، ومسؤولية جذب الآخرين نحو الصلاة.
بعض المفسرين قال إن تعبير «أَقيمُوا» إشارة إلى إقامة الصلاة كاملة، وعدم الاكتفاء بالأذكار والأوراد، وأهم أركان كمال الصلاة حضور القلب والفكر لدى الله سبحانه، وتأثير الصلاة على المحتوى الداخلي للإنسان (1) .
هذه الأوامر الأخيرة تتضمن في الحقيقة: أولا بيان إرتباط الفرد بخالقه (الصلاة)، ثمّ إرتباطه بالمخلوق (الزكاة)، وبعد ذلك إرتباط المجموعة البشرية مع بعضها على طريق الله!.
▲بحث
▲هل يؤيّد القرآن ما جاء في التّوراة والإنجيل؟!
في مواضع عديدة يصرّح القرآن بتصديقه لما جاء في الكتب الإلهيّة السابقة، كما جاء في الآية المذكورة: (مصدِّقاً لما معكم ) وكما جاء في الآيتين 89 و101 من سورة البقرة: (مصدِّقٌ لما معهم ). وفي الآية 48 من سورة المائدة: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحقِّ مصدِّقاً لما بين يديه من الكتاب ).
بعض دعاة اليهودية والنصرانية، استدلوا بهذه الآيات لإثبات عدم تحريف التوراة والإنجيل، وقالوا: إن التوراة والإنجيل في عصر نبىّ الإسلام لا يختلفان حتماً عمّا عليه الآن، وإن أصابهما تحريف فهذا التحريف يعود إلى فترة سابقة على ذلك العصر، ولما كان القرآن قد أيّد صحة التوراة والإنجيل الموجودين في عصر نبىّ الإسلام، فعلى المسلمين أن يعترفوا بصحة هذين الكتابين الموجودين بين ظهرانينا اليوم.
الجواب: يؤكد القرآن في مواضع عديدة وجود علائم نبىّ الإسلام ودينه في تلك الكتب المحرفة التي كانت موجودة في أيدي اليهود والنصارى آنذاك، وهذا يعني وجود حقائق في تلك الكتب لم تمتد إليها يد التحريف، ذلك لأنّ التحريف لا يعني تغيير كل نصوص تلك الكتب السماويّة، بل إنّ تلك الكتب كانت تحمل بين طياتها حقائق، ومن تلك الحقائق علامات النبي الخاتم (ولا زالت بعض هذه البشائر مشهودة في الكتب الموجودة الآن).
بعثة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله) وكتابه السماوي تصديق لما جاء في تلك الكتب من علامات، أي تحقيق عملي لِتلك العلامات، وكلمة التصديق بمعنى (التحقيق العملي) وردت في مواضع اُخرى من القرآن الكريم كقوله تعالى لنبيّه إبراهيم (عليه السلام): (قد صدَّقت الرُّؤيا ) (1) .
أي أنّك قد حققت عملياً رؤياك.
وتصرح الآية 157 من سورة الأعراف بأن الرّسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) تحقيق عملي لما يجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل: (الَّذين يتَّبعون الرَّسول النَّبيِّ الاْمِّيَّ الَّذي يجدونه مكْتوباً عندهم في التَّوراة والاْنْجيل... ) (2) .
على أي حال، ليس في الآيات المذكورة دلالة على تصديق جميع محتويات التوراة والإنجيل، بل دلالتها تقتصر على «التصديق العملي» لما جاء في الكتب الموجودة بيد اليهود والنصارى بشأن النبي الخاتم وكتابه، هذا، إلى جانب وجود آيات عديدة في القرآن تتحدث عن تحريف اليهود والنصارى لآيات التوراة والإنجيل، وهو شاهد حيّ صريح على مسألة التحريف.
▲شاهد حيّ آخر
«فخر الإسلام» ـ الذي كان من كبار قساوسة المسيحيين، وتتلمذ عند علمائهم حتى حاز مراتب كبيرة في الدراسات الكنيسة ـ يتحدث في مقدمة كتابه «أنيس الاعلام» عن انتقاله من المسيحية إلى الإسلام فيقول:
«... بعد بحث طويل وعناء كبير وتجوال في المدن، عثرت على قسيس كبير متميز في زهده وتقواه، كان يرجع إليه الكاثوليك بما فيهم سلاطينهم، تعلمت عليه زمناً مذاهب النصارى، وكان له طلاب كثيرون، ولكنه كان ينظر إليّ من بينهم نظرة خاصّة، وكانت كل مفاتيح البيت بيدي، إلاّ مفتاحاً واحداً لغرفة صغيرة، احتفظ به عنده... .
وفي يوم اعتلّت صحة القسيس، فقال لي: قل للطلاب إنّي لا أستطيع التدريس اليوم، حينما جئت الطلاب وجدتهم منهمكين في نقاش حول معنى «فارقليطا» (1) في السريانية، و«پريكلتوس» في اليونانية... واستمر بينهم النقاش، وكلٌّ كان يدلي برأيه... .
بعد أن عدت إلى الاُستاذ سألني عمّا كان يدور بين الطلاب، فأخبرته، فقال لي: وما رأيك؟
قلت: اخترت الرأي الفلاني.
قال القسيس: ما قصّرت في عملك، ولكن الحقّ غير ذلك، لأنّ حقيقة هذا الأمر لا يعلمها إلاّ الراسخون في العلم، وقليل ماهم. أكثرت في الإلحاح عليه أن يوضح لي معنى الكلمة. فبكى بكاءً مرّاً وقال: لم أخف عليك شيئاً... إنّ لفهم معنى هذه الكلمة أثراً كبيراً، ولكنه إن انتشر فسنتعرض للقتل! فإن عاهدتني أن لا تفشيه فسأخبرك... فأقسمت بكل المقدسات أن لا أذكر ذلك لأحد، فقال: إنّه اسم من أسماء نبي المسلمين، ويعني «أحمد» و«محمّد».
ثم أعطاني مفتاح الغرفة وقال: افتح الصندوق الفلاني، وهاتِ الكتابين اللذين فيه، جئت إليه بالكتابين وكانا مكتوبين باليونانية والسريانية على جلد، ويعودان إلى عصر ما قبل الإسلام.
الكتابان ترجما «فارقليطا» بمعنى أحمد ومحمّد، ثم أضاف الاُستاذ: علماء النصارى كانوا مجمعين قبل ظهوره أن «فارقليطا» بمعنى «أحمد ومحمّد»، ولكن بعد ظهور محمّد (صلى الله عليه وآله)، غيّروا هذا المعنى حفظاً لمكانتهم ورئاستهم وأوّلوه، واخترعوا له معنىً آخر لم يكن على الإطلاق هدف صاحب الإنجيل.
سألته عما يقوله بشأن دين النصارى؟ قال: لقد نسخ بمجيء الإسلام، وكرر ذلك ثلاثاً، ثم قلت:
ما هي طريقة النجاة والصراط المستقيم في زماننا هذا؟ قال: إنّما هي باتّباع محمّد (صلى الله عليه وآله).
قلت: وهل التابعون له ناجون؟
قال: إي والله، وكرر ذلك ثلاثاً.
ثم بكى الاُستاذ وبكيت كثيراً ثم قال: إذا أردت الآخرة والنجاة فعليك بدين الحق... وأنا أدعو لك دائماً، شرط أن تكون شاهداً لي يوم القيامة أنّي كنت في الباطن مسلماً، ومن
أتّباع محمّد (صلى الله عليه وآله)... وما من شك أنّ الإسلام هو دين الله اليوم على ظهر الأرض» (2) .
وكما يلاحظ فإنّ هذه الوثيقة الهامة تصرّح بما فعله علماء أهل الكتاب بعد ظهور نبىّ الإسلام (صلى الله عليه وآله) من تحريف لتفسير اسم النبي وعلاماته، تحقيقاً لمصالحهم الشخصية.
▲ سورة البقرة / الآية 44 ـ 46
44 ) أَ تَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
45 ) وَ اسْتَعينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ وَ إِنَّها لَكَبيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعينَ
46 ) الَّذينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ
▲التّفسير
▲ (أتامرون النَّاس بالبرِّ وتنسون أنفسكم )؟!
هذا السّؤال الاستنكاري ـ وإن كان موجهاً إلى بني إسرائيل كما يتبيّن من سياق الآيات السابقة والتالية ـ له حتماً مفهوم واسع يشمل الآخرين أيضاً.
قال «الطّبرسي (رحمه الله)» في «مجمع البيان»: هذه الآية خطاب لعلماء اليهود، وبّخهم الله تعالى على ما كانوا يفعلون من أمر النّاس بالإيمان بمحمّد (صلى الله عليه وآله) وترك أنفسهم في ذلك. (1)
وقال أيضاً: كان علماء اليهود يقولون لأقربائهم من المسلمين اثبتوا على ما أنتم عليه ولا يؤمنون هم. (2)
لذلك كانت الآية الاُولى من الآيات التي يدور حولها بحثنا تحمل توبيخاً لهذا العمل: (أتأمرون النّاس بالبرِّ وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون )؟!
منهج الدعاة إلى الله يقول على أساس العمل أوّلا ثم القول، فالدّاعية إلى الله يبلّغ بعمله قبل قوله، كما جاء في الحديث عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام): «كُونُوا دُعَاةَ النَّاسِ بِأَعْمَالِكُمْ وَلاَ تَكُونُوا دُعَاةً بِأَلْسِنَتِكُمْ» (3) .
التأثير العميق للدعوة العملية يأتي من قدرة مثل هذه الدعوة على فتح منافذ قلب السامع، فالسامع يثق بما يقوله الداعية العامل، ويرى أنّ هذا الداعية مؤمن بما يقول وأن ما يقوله صادر عن القلب، والكلام الصادر عن القلب ينفذ إلى القلب، وأفضل دليل على إيمان القائل بما يقوله، هو العمل بقوله قبل غيره، كما يقول علي (عليه السلام): «أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي وَاللهِ مَا أَحُثُّكُمْ على طَاعَة إلاَّ وأَسْبِقُكُمْ إلَيْهَا، وَلاَ أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَة إلاَّ وَأَتَنَاهَىْ قَبْلَكُمْ عَنْهَا» (4) .
وفي حديث عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام): «مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَصَفَ عَدْلا وَعَمِلَ بِغَيْرِهِ» (5) .
علماء اليهود كانوا يخشون من انهيار مراكز قدرتهم وتفرّق عامّة النّاس عنهم، إن اعترفوا برسالة خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، ولذلك حرّفوا ما ورد بشأن صفات نبي الإسلام في التوراة.
والقرآن يحث على الاستعانة بالصبر والصّلاة للتغلب على الأهواء الشخصية والميول النفسية، فيقول في الآية التالية: (واستعينوا بالصَّبر والصَّلاة ) ثم يؤكّد أنّ هذِهِ الاستعانة ثقيلة لا ينهض بعبئها إلاّ الخاشعون: (وإنَّها لكبيرةٌ إلاَّ على الخاشعين ).
وفي الآية الأخيرة من هذه المجموعة وصف للخاشعين: (الَّذين يظنُّون أنَّهم ملاقوا ربِّهموأنَّهم إليه راجعون ).
كلمة «يَظُنُّونَ» من مادة «ظنّ» وقد تأتي بمعنى اليقين (6) ، وفي هذا الموضع تعني الإيمان واليقين القطعي، لأنّ الإيمان بلقاء الله والرجوع إليه، يحيي في قلب الإنسان حالة الخشوع والخشية والإحساس بالمسؤولية، وهذا أحد آثار تربية الإنسان على الإيمان بالمعاد، حيث تجعل هذه التربية الفرد ماثلا دوماً أمام مشهد المحكمة الكبرى، وتدفعه إلى النهوض بالمسؤولية وإلى الحق والعدل.
ويحتمل أن يكون استعمال «الظن» في الآية للتأكيد، أي أنّ الإنسان لو ظنّ بالآخرة فقط فظنه كاف لأن يصده عن ارتكاب أي ذنب، وهو تقريع لعلماء اليهود وتأكيد على أنّهم لا يمتلكون إيماناً باليوم الآخر حتى على مستوى الظن، فلو ظنوا بالآخرة لأَحسّوا بالمسؤولية، وكفّوا عن هذه التحريفات! (7)
▲بحثان
▲1ـ ما هو لقاء الله؟
عبارة «لقاء الله» وردت مراراً في القرآن الكريم، وتعني بأجمعها الحضور على مسرح القيامة، من البديهي أن المقصود بلقاء الله ليس هو اللقاء الحسّي، كلقاء أفراد البشر مع بعضهم، لأنّ الله ليس بجسم، ولا يحده مكان، ولا يُرى بالعين، بل المقصود مشاهدة آثار قدرة الله وجزائه وعقابه ونعمه وعذابه على ساحة القيامة، كما ذهب إلى ذلك جمع من المفسرين.
أو إنّ المقصود الشهود الباطني والقلبي، لأنّ الإنسان يصل إلى درجة كأنّه يرى الله ببصيرته أمامه، بحيث لا يبقى في نفسه أي شك وترديد.
هذه الحالة قد تحصل للأفراد نتيجة الطّهر والتقوى والعبادة وتهذيب النفس في هذه الدنيا، وفي «نهج البلاغة» نقرأ: أن «ذعلب اليماني» وهو من فضلاء أصحاب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، سأل علياً هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟
أجابه علي: أَفَأَعْبُدُ مَا لاَ أَرى؟!
وحين طلب ذعلب مزيداً من التوضيح قال الإمام: «لاَ تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعَيَانِ، وَلَكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الاْيِمَانِ» (1) .
هذا الشهود الباطني ينجلي للجميع يوم القيامة، ولا يبقى أحد إلاّ وقد آمن إيماناً قاطعاً، لوضوح آثار عظمة الله وقدرته في ذلك اليوم.
▲2 ـ سبيل التغلب على الصعاب
ثمّة منطلقان أساسيان للتغلب على الصعاب والمشاكل، أحدهما داخلي، والآخر خارجي.
أشارت الآية إلى هذين المنطلقين بعبارة «الصبر» و«الصلاة». فالصبر هو حالة الصمود والاستقامة والثبات في مواجهة المشاكل، والصلاة هي وسيلة الإرتباط بالله حيث السندُ القويّ المكين.
كلمة «الصبر» فسّرت في روايات كثيرة بالصوم، (1) لكنها لا تنحصر حتماً، بالصوم الذي هو أحد المصاديق الواضحة البارزة للصبر، لأنّ الإنسان يحصل في ظل هذه العبادة الكبرى على الإرادة القوية والإيمان الراسخ والقدرة على التحكم في الميول والرغبات.
روى بعض المفسّرين في تفسير هذه الآية: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان إذا أحزنه أمر استعان بالصلاة والصوم (2) .
وعن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «مَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ غَمٌّ مِنْ غُمُوم الدُّنْيَا أَنْ يَتَوَضَّأَ ثُمَّ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ فَيَرْكَعَ رَكْعَتَينِ يَدْعُو اللهَ فِيهِمَا، أَمَا سَمِعْتَ اللهَ تَعَالى يَقُولُ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ» (3) .
التوجه إلى الصلاة والتضرّع إلى الله سبحانه يمنح الإنسان طاقة جديدة تجعله قادراً على مواجهة المشاكل.
وفي كتاب «الكافي» عن الصادق (عليه السلام): «كَانَ عَلِيٌّ (عليه السلام) إذَا هَالَهُ أمْرٌ فَزَعَ إلىَ الصّلاَةِ ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الاْيَةَ: وَاسْتَعينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ». (4)
نعم، الصلاة تربط الإنسان بالقدرة اللامتناهية التي لا يقهرها شيء، وهذا الإحساس يبعث في الإنسان قوّة وشهامة على تحدّي المشاكل والصعاب.
▲سورة البقرة / الآية 47 ـ 48
47 ) يا بَني إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمينَ
48 ) وَ اتَّقُوا يَوْماً لاتَجْزي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً وَ لايُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَ لايُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ
▲التّفسير
▲أوهام اليهود
في هذه الآيات خطاب آخر إلى بني إسرائيل فيه تذكير بنعم الله: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي الَّتي أنعمت عليكم ).
هذه النعم سابغة واسعة النطاق، ابتداءً من الهداية والإيمان، وانتهاءً بالنجاة من فرعون ونيل العظمة والاستقلال.
ثم تشير الآية من بين كل هذه النعم إلى نعمة التفضيل على بقية البشر، وهي نعمة مركبة من نعم مختلفة، وتقول: (وأنِّي فضَّلتكم على العالمين ).
لعل البعض تصور أنّ هذا التفضيل صفة أبدية مستمرة على مرّ العصور، لكن دراسة سائر آيات القرآن تبيّن أنّ هذا التفضيل هو تفضيل بني إسرائيل على غيرهم من أفراد عصرهم ومنطقتهم، لا تفضيلا مطلقاً، فالقرآن الكريم يخاطب المسلمين في آية اُخرى ويقول: (كنتم خير امَّة اخرجت للنَّاس... ) (1) .
كما يتحدث القرآن عن وراثة بني إسرائيل للأرض فيقول: (وأورثنا القوم الَّذين كانوا يستضعفون مشارق الاْرض ومغاربها ) (2) .
وواضح أنّ هذه الوراثة لم تكن تشمل آنذاك جميع العالم، والمقصود من الآية مشارق المنطقة التي كانوا يعيشون فيها ومغاربها، من هنا فالتفضيل على العالمين هو تفضيلهم على أفراد منطقتهم.
الآية التالية ترفض أوهام اليهود، التي كانوا يتصورون بموجبها أنّ الأنبياء من أسلافها سوف يشفعون لهم، أو أنّهم قادرون على دفع فدية وبدل عن ذنوبهم، كدفعهم الرشوة في هذه الحياة الدنيا.
القرآن يخاطبهم ويقول: (واتَّقوا يوماً لا تجزي نفسٌ عن نفس شيئاً * ولا يقبل منها شفاعةٌ * ولا يؤخذ منها عدلٌ ولا هم ينصرون ).
الحاكم أو القاضي في تلك المحكمة الإلهيّة، لا يقبل سوى العمل الصالح، كما تقول الآية الكريمة: (يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون * إلاَّ من أتى الله بقلب سليم ) (3) .
إنّ الآية المذكورة من سورة البقرة، تشير في الواقع إلى ما يجري من محاولات في هذه الحياة الدنيا لإنقاذ المذنب من العقاب.
ففي الحياة الدنيا قد يتقدم إنسان لدفع غرامة عن إنسان مذنب لانقاذه من العقاب، أمّا في الآخرة فإنّه: (لا تجزي نفسٌ عن نفس ).
وربّما يلجأ المذنب في هذه الحياة إلى الشفعاء لينقذوه ممّا ينتظره من الجزاء، ويوم القيامة (... لا يقبل منها شفاعة ).
وإذا لم تُوجد الشفاعة، يتقدم الإنسان في الحياة الدنيا بدفع (العدل) وهوبدل الشيء من جنسه، أما في الآخرة فــ (لا يؤخذ منها عدلٌ ).
وإذا لم تنفع الوسائل المذكورة كلها، يستصرخ أصحابه لينصروه ويخلّصوه من الجزاء، وفي الآخرة لا يقوم بإنقاذهم أحد (ولا هم ينصَرونَ ).
القرآن الكريم يؤكد أن الاُصول الحاكمة على قوانين الجزاء يوم القيامة تختلف كليّاً عمّا هو السائد في هذه الحياة، فالسبيل الوحيد للنجاة يوم القيامة، هو الإيمان والتقوى والاستعانة بلطف الباري تعالى.
تاريخ الشرك وتاريخ المنحرفين من أهل الكتاب، مليء بأفكار خرافية تدور حول محور التوسل بمثل الأمور التي ذكرتها الآية الكريمة للفرار من العقاب الاُخروي. صاحب المنار يذكر مثلا، أنّ النّاس في بعض مناطق مصر ـ كانوا يدفعون مبلغاً من المال إلى الذي يتعهد غسل الميت، ويسمون هذا المبلغ اُجرة الإنتقال إلى الجنّة (4) .
وفي تاريخ اليهود نقرأ أنّهم كانوا يقدمون القرابين للتكفير عن ذنوبهم، وإن لم يجدوا قرباناً كبيراً يكتفون بتقديم زوج من الحمام. (5)
وفي التاريخ القديم كانت بعض الأقوام تدفن مع الميت حليّه وأسلحته، ليستفيد منها في الحياة الاُخرى (6) .
▲القرآن ومسألة الشّفاعة
العقاب الإلهي في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا ينزل بساحة الإنسان دون شك من أجل الانتقام. بل إنّ العقوبات الإلهيّة تشكل عنصر الضمان في تنفيذ القوانين، وتؤدّي في النتيجة إلى تقدم الإنسان وتكامله، من هنا يجب الإحتراز عن أي شيء يضعف من قوّة عنصر الضمان هذا، كي لاتنتشر بين النّاس الجرأة على ارتكاب المعاصي والذنوب.
من جهة اُخرى، لا يجوز غلق باب العودة والإصلاح بشكل كامل في وجه المذنبين، بل يجب فسح المجال لإصلاح أنفسهم وللعودة إلى الله وإلى الطهر والتقوى.
«الشفاعة» بمعناها الصحيح تستهدف حفظ هذا التعادل. إنّها وسيلة لعودة المذنبين والملوثين بالخطايا، وبمعناها الخاطئ تشجع على ارتكاب الذنوب.
اُولئك الذين لم يفرقوا بين المعنى الصحيح والخاطيء لمسألة الشفاعة، أنكروا هذه المسألة بشكل كامل، واعتبروها شبيهة بالوساطات التي تقدم إلى السلاطين والحكام الظالمين.
وثمّة مجموعة كالوهابيين استندوا إلى الآية الكريمة: (لا يقبل منها شفاعةٌ ) فأنكروا الشفاعة تماماً، دون الإلتفات إلى سائر الآيات في هذا المجال.
اعتراضات المنكرين لمسألة الشفاعة يمكن تلخيصها بما يلي:
1ـ الاعتقاد بالشفاعة، يضعّف روح السعي والمثابرة في نفس الإنسان.
2ـ الاعتقاد بالشفاعة، انعكاس عن ظروف المجتمعات المتأخرة والإقطاعية.
3ـ الاعتقاد بالشفاعة، يؤدّي إلى التشجيع على ارتكاب الذنوب وترك المسؤوليات.
4ـ الاعتقاد بالشفاعة، نوع من الشرك بالله، وهو معارض للقرآن!
5ـ الاعتقاد بالشفاعة، يعني تغيير أحكام الله وتغيير إرادته وأوامره!
ولكن كل هذه الاعتراضات ناتجة ـ كما سنرى ـ عن الخلط بين الشفاعة بمفهومها القرآني، والشفاعة بمعناها المنحرف الرائج بين الجهلة من النّاس.
ولمّا كانت هذه المسألة في جانبها الإيجابي والسلبي ذات أهمّية بالغة، فعلينا أن ندرسها بالتفصيل من حيث مفهومها وفلسفتها، وإرتباطها بعالم التكوين، وموقعها في القرآن والحديث، وصلته بالتوحيد والشرك، كي يزول كل إبهام يرتبط بالآية المذكورة وسائر الآيات في حقل الشفاعة.
▲1ـ المفهوم الحقيقي للشّفاعة
كلمة «الشفاعة» من «الشفع» بمعنى «الزوج» و«ضم الشيء إلى مثله»، يقابلها «الوتر» بمعنى «الفرد». ثم اُطلقت على انضمام الفرد الأقوى والأشرف إلى الفرد الأضعف لمساعدة هذا الضعيف، ولها في العرف والشرع معنيان متباينان كل التباين:
أ) إنّ الشفاعة لدى السواد تعني أن الشفيع يستفيد من مكانته وشخصيته ونفوذه، لتغيير رأي صاحب قدرة بشأن معاقبة من هم تحت سيطرته.
والشفيع قد يرعب صاحب القدرة هذا، أو قد يستعطفه، أو قد يغير أفكاره بشأن ذنب المجرم واستحقاقه للعقاب... وأمثال هذه الأساليب.
الشفاعة بهذا المعنى هي ـ بعبارة موجزة ـ لا تعني حدوث أي تغيير في المحتوى النفسي والفكري للمجرم أو المتهم، بل إنّ كل التغييرات والتحولات تتوجه نحو الشخص الذي تقدم إليه الشفاعة (تأمل بدقة).
هذا اللون من الشفاعة ليست له مكانة في المفهوم الديني على الإطلاق. لأنّ الله سبحانه وتعالى لا يخطأ حتى يتوسط الشفيع في تغيير رأيه، ولا يحمل تلك العواطف الموجودة في نفس الإنسان كي يمكن إثارة عواطفه، ولا يهاب نفوذ شخص كي ينصاع الأوامره، ولا يدور ثوابه وعقابه حول محور غير محور العدالة.
ب) المفهوم الآخر للشفاعة يقوم على أساس تغيير موقف «المشفوع له». أي أنّ الشخص المشفوع له يوفّر في نفسه الظروف والشروط التي تؤهّله للخروج من وضعه السيّء الموجب للعقاب، وينتقل ـ عن طريق الشفيع إلى وضع مطلوب حَسَن يستحق معه العفو والسماح. والإيمان بهذا النوع من الشفاعة ـ كما سنرى ـ يربّي الإنسان، ويصلح الأفراد المذنبين، ويبعث فيهم الصحوة واليقظة. والشفاعة في الإسلام لها هذا المفهوم السامي.
وسنرى أنّ كل الاعتراضات والإنتقادات والحملات التي توجه إلى مسألة الشفاعة، إنّما تنطلق من فهم الشفاعة بالمعنى الأوّلي المنحرف، ولا تلتفت إلى المعنى الثاني المنطقي المعقول البنّاء.
هذا تفسير مقتضب للونين من ألوان الشفاعة: أحدهما «تخديري»، والآخر «بنّاء».
▲2ـ الشّفاعة في عالم التكوين
التّفسير الصحيح والمنطقي للشفاعة ـ بالمفهوم الذي مرّ بنا ـ له مصاديق كثيرة في عالم التكوين والخلقة، (إضافة إلى عالم التشريع). الطاقات الأقوى في هذا العالم تنضم إلى الأضعف منها لتسيّرها نحو أهداف بنّاءة.
الشمس تشرق والأمطار تتساقط، لتفجّر القوّة الكامنة في البذرة لتحركها نحو الإنبات، ونحو شقّ جسم التربة والخروج إلى الفضاء الذي استمدت البذرة منه طاقات النموّ والتكامل.
هذه الظواهر هي في الحقيقة شفاعة تكوينية على صعيد قيامة الحياة الدنيا، ولو انطلقنا من هذه النماذج الكونية في الشفاعة لفهم الشفاعة على صعيد التشريع، لابتعدنا عن الانحراف، وسنوضّح ذلك قريباً.
▲3ـ مستندات الشفاعة
القرآن الكريم تحدث في ثلاثين موضعاً عن مسألة «الشفاعة» (بهذا اللفظ)، وهناك إشارات اُخرى إلى هذه المسألة دون ذكر لفظها.
يمكن تقسيم آيات الشفاعة في القرآن إلى المجموعات التالية.
المجموعة الاُولى: آيات ترفض الشفاعة بشكل مطلق كقوله تعالى: (انفقوا ممَّا رزقناكم من قبل أن يأتي يومٌ لا بيعٌ فيه ولا خلَّةٌ ولا شفاعةٌ ) (1) ، وكقوله تعالى: (ولا يقبل منها شفاعةٌ ) (2) .
هذه الآيات رفضت كل الطرق المتصورة لانقاذ المجرمين غير الإيمان والعمل الصالح، سواء كان طريق دفع العوض المادي، أو طريق الصداقة والخلة، أو طريق الشفاعة.
ويقول تعالى بشأن بعض المجرمين: (فما تنفعهم شفاعة الشَّافعين ) (3) .
المجموعة الثانية: آيات تحصر الشفاعة بالله تعالى، كقوله سبحانه: (ما لكم من دونه من وليٍّ ولا شفيع ) (4) و (قل لله الشَّفاعة جميعاً ) (5) .
المجموعة الثالثة: آيات تجعل الشفاعة متوقفة على إذن الله تعالى كقوله: (من ذا الَّذي يشفع عنده إلاَّ بإذنه ) (6) ، وقوله (ولا تنفع الشَّفاعة عنده إلاَّ لمن أذن له ). (7)
المجموعة الرابعة: آيات تبين شروطاً خاصّة للمشفوع له. هذه الشروط تتمثل أحياناً في رضا لله سبحانه: (ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى ) (8) .
وإستناداً إلى هذه الآية، شفاعة الشفعاء تشمل فقط اُولئك الذين بلغوا مرتبة «الإرتضاء» أي القبول لدى الله سبحانه وتعالى.
ويتمثل الشرط أحياناً بالعهد عند الله: (لا يملكون الشَّفاعة إلاَّ من اتَّخذ عند الرَّحمن عهداً ) (9) ، والمقصود من هذا العهد الإيمان بالله ورسوله.
ويتحدث القرآن عن سلب صلاحية الإستشفاع عن بعض الأفراد مثل المجرمين، كقوله تعالى: (ما للظَّالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) (10) .
ممّا تقدم يتضح أن اتخاذ العهد الإلهي، والوصول إلى منزلة نيل رضا الله، واجتناب بعض الذنوب مثل الظلم، شروط حتمية للشفاعة.
▲4ـ الشّروط المختلفة للشفاعة
آيات الشفاعة تصرح أن مسألة الشفاعة في مفهوم الإسلام مقيدة بشروط، هذه الشروط تحدد تارة الخطيئة التي يستشفع المذنب لها، وتحدّد تارة اُخرى الشخص المشفوع له، كما تقيد من جهة اُخرى الشفيع، وهذه الشروط بمجموعها تكشف عن المفهوم الحقيقي للشفاعة وعن فلسفتها.
ثمّة ذنوب كالظلم مثلا خارجة عن دائرة الشفاعة حيث يقول القرآن (ما للظَّالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) (1) كما مرّ، ولو فهمنا «الظلم» بمعناه الواسع ـ كما سنرى من خلال الأحاديث ـ فانّ الشفاعة تقتصر حينئذ على المجرمين النادمين السائرين على طريق إصلاح أنفسهم، والشفاعة في هذه الحالة ستكون دعامّة للتوبة وللندم (سنجيب أولئك الذين يتصورون أنّ التائب النادم لا يحتاج إلى الشفاعة).
كما أنّ الشفاعة ـ وطبقاً للآية 28 من سورة الانبياء ـ لا تشمل إلاّ أولئك المرتقين إلى درجة «الإرِتضاء» وإلى درجة الالتزام بالعهد الإلهي كما مرّ أيضاً في الآية 87 من سورة مريم.
الإرتضاء، واتخاذ العهد، يعنيان على المستوى اللغوي (وكذلك ما ورد من الروايات في تفسير هذه الآيات) الإيمان بالله والحساب والميزان والثواب والعقاب، والإعتراف بالحسنات والسيئات، وبما أنزل الله، إيماناً عميقاً في الفكر، ظاهراً في العمل... إيماناً يبعد صاحبه عن صفات الظالمين الذين لا يؤمنون بأيّة قيمة إنسانية، ويدفعه إلى إعادة النظر في منهج حياته.
يقول تعالى: (ولو أنَّهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرَّسول لوجدوا الله توَّاباً رحيماً ) (2) ، هذه الآية تجعل الاستغفار مقدمة لشفاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله).
ويقول: (قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنَّا كنَّا خاطئين * قال سوف استغفر لكم ربِّي إنَّه هو الغفور الرَّحيم ) (3) ، آثار الندم واضحة على إخوة يوسف في طلبهم من أبيهم.
ويقول سبحانه: (ويستغفرون للَّذين آمنوا ربَّنا وسعت كلَّ شيء رحمةً وعلماً فاغفرللَّذين تابوا واتَّبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ) (4) فاستغفار الملائكة وشفاعتهم تقتصر على الأفراد المؤمنين السالكين سبيل الله.
وهنا يطرح أيضاً سؤال بشأن جدوى الشفاعة للأفراد المؤمنين السالكين سبيل الله، وسنجيب على ذلك في دراسة حقيقة الشفاعة.
وبشأن الشفعاء ذكر القرآن لهم شرطاً في قوله تعالى: (إلاَّ من شهد بالحقِّ ) (5) . من هنا فالمشفوع له أيضاً ينبغي أن يسلك طريق الحق في القول والعمل، كي يكون له إرتباط بالشفيع، وهذا الإرتباط الضروري بين الشفيع والمشفوع له يعتبر بدوره عاملا بنّاءاً في تعبئة الطاقات على طريق الحق.
▲5ـ الشّفاعة في الحديث
في الروايات الإسلامية تعابير كثيرة تكمل محتوى الآيات المذكورة وتوضّح ما خفي منها، من ذلك:
1ـ في تفسير «البرهان» عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صلى الله عليه وآله) يَقُولُ: «شَفَاعَتِي لاَِهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ اُمَّتِي...» (1) راوي الحديث ابن أبي عمير يقول: فقُلْتُ لَهُ: يَا بْنَ رَسُولِ الله كَيْفَ تَكُونُ الشَّفَاعَةُ لاَِهْلِ الْكَبَائِر وَاللهُ يَقُولُ (ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى ) وَمَنْ يَرْتَكِبُ الْكَبَائِرَ لاَ يَكُونُ مُرْتَضى بِهِ؟ فَقَالَ: يَا أَبَا أَحْمَدَ مَا مِنْ مُؤْمِن يَرْتَكِبُ ذَنْباً إلاَّ سَاءَهُ ذَلِكَ وَنَدِمَ عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيٌّ (صلى الله عليه وآله) كَفَى بالنَدَم تَوْبَة... وَمَنْ لَمْ يَنْدَمْ عَلىْ ذَنْب يَرْتَكِبُهُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِن وَلَمْ تَجِبْ لَهُ الشَّفَاعَةُ وَكَانَ ظَالِماً والله تَعَالى ذِكْرُهُ يَقُولُ (ما للظَّالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) (2) .
صدر الحديث يتضمن أن الشفاعة تشمل مرتكبي الكبائر، لكن ذيل الحديث يوضح أنّ الشرط الأساسي في قبول الشفاعة هو الإيمان الذي يدفع المجرم إلى مرحلة الندم وجبران ما فات، ويبعده عن الظلم والطغيان والعصيان. (تأمل بدقة).
2ـ في كتاب «الكافي» عن الإمام جعفر بن محمّد الصّادق (عليه السلام) في رسالة كتبها إلى أصحابه قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ عِنْدَ اللهِ فَلْيَطْلُبْ إلَى اللهِ أَنْ يَرْضى عَنْهُ» (3) .
يتبين من سياق الرواية، أنّ كلام الإمام يستهدف إصلاح الخطأ الذي وقع فيه بعض أصحاب الإمام في فهم مسألة الشفاعة: ويرفض بصراحة مفهوم الشفاعة الخاطىء المشجع على إرتكاب الذنوب.
3ـ وعن الصادق (عليه السلام) أيضاً: «إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بَعَثَ اللهُ الْعَالِمَ وَالْعَابِدَ، فَإذَا وَقَفَا بَيْنَ يَدَيِ الله عَزَّ وَجَلَّ قِيلَ لِلْعَابِدِ: إنْطَلِقْ إلَى الْجَنَّةِ، وَقيلَ لِلْعَالِمِ: قِفْ تَشْفَعُ لِلنَّاسِ بِحُسْنِ تَأْدِيبِكَ لَهُمْ» (4) .
في هذا الحديث نجد إرتباطاً بين «تأديب العالم» و«شفاعته لمن أدّبهم» وهذا الإرتباط يوضّح كثيراً من المسائل المبهمة في بحثنا هذا.
أضف إلى ما سبق أن في اختصاص الشفاعة بالعالم وسلبها من العابد، دلالة اُخرى على أنّ الشفاعة في المفهوم الإسلامي ليست معاملةً وعقداً وتلاعباً بالموازين، بل مدرسة للتربية، وتجسيد لما مرّ به الفرد من مراحل تربوية في هذا العالم.
▲6ـ التّأثير المعنوي للشّفاعة
ما ذكرناه من روايات بشأن الشفاعة هو غيض من فيض، فالروايات في هذا المجال كثيرة تبلّغ حدّ التواتر، وإنّما اخترنا منها ما يتناسب مع بحثنا.
النووي الشافعي (1) في شرحه لصحيح مسلم، نقل عن القاضي عيّاض ـ وهو من كبار علماء أهل السنة، ـ أنّ أحاديث الشفاعة متواترة (2) .
ابن تيمية (المتوفّى 728 هـ.) ومحمّد بن عبد الوهّاب (المتوفّى 1206 هـ.)، مع ما لهما من تعصّب ولجاج في مثل هذه الاُمور، يقرّان بتواتر هذه الروايات.
ثمّة كتاب دراسي معروف ومتداول بين «الوهّابية» هو «فتح المجيد» للشيخ عبد الرحمن بن حسن، ينقل عن «ابن القيم» مايلي:
«الرابع: شفاعته في العصاة من أهل التوحيد الذين يدخلون النار بذنوبهم. والأحاديث بها متواترة عن النبي (صلى الله عليه وآله) وقد أجمع عليها الصحابة وأهل السنة قاطبة وبدعوا من أنكرها وصاحوا به من كل جانب ونادوا عليه بالضلال» (3) .
وقبل أن ندرس الآثار الاجتماعية والنفسية لمسألة الشفاعة والإشكاليات الأربع حول فلسفة الشفاعة، نلقي نظرة على الآثار المعنوية لهذه المسألة في إطار آراء الموحّدين المؤمنين بالشفاعة، فمثل هذه النظرة تمهّد السبيل لدراستنا القادمة في حقل الشفاعة ومعطياتها الاجتماعية والنفسية. (4)
اختلف علماء العقائد المسلمون في كيفية التأثير المعنوي للشفاعة. فقال جمع يسمون «الوعيدية»، وهم المؤمنون بخلود مرتكبي الكبائر في جنهم: إنّ الشفاعة ليس لها أثر على إزالة آثار الذنوب، بل تأثيرها يقتصر على زيادة الثواب وعلى التكامل المعنوي.
و«التفضيلية» وهم من يعتقد بعدم خلود مرتكبي الكبائر في جهنم، فيذهبون إلى أنّ الشفاعة تشمل المذنبين، وتؤثر في إسقاط العقاب عنهم.
أما «الخواجة نصير الدين الطوسي (رحمه الله)» فيؤيد كلا الأمرين في كتابه «تجريد الاعتقاد» ويرى وجود كلا الأثرين للشفاعة.
«العلاّمة الحلي (رحمه الله)» شرح عبارة الطوسي في كتابه «كشف المراد» ولم يردّ عليها بل أورد شواهد عليها.
لو أخذنا بنظر الاعتبار ما مرّ بنا بشأن معنى الشفاعة لغوياً ومقارنتها بالشفاعة التكوينيّة، لما ترددنا في صحة ما ذهب إليه المحقق الطوسي.
فمن جهة، ثمّة رواية معروفة عن الإمام الصادق (عليه السلام) هي: «مَا مِنْ أَحَد مِنَ الأَوّلَيِنَ وَالاْخِرِينَ إلاَّ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى شَفَاعَةِ محمّد (صلى الله عليه وآله) يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (5) .
واستناداً إلى هذه الرواية، يحتاج إلى الشفاعة كل النّاس، حتى التائبون المغفور لهم، وفي مثل هذه الحالة لابدّ أن تكون الشفاعة ذات تأثيرين، في الحطّ من الذنوب، وفي علوّ المنزلة.
أمّا الروايات التي تذهب إلى عدم حاجة الصالحين للشفاعة (6) فهي تنفي ذلك النوع من الشفاعة الخاص بالمجرمين والمذنبين.
ومن جهة اُخرى ذكرنا أنّ الشفاعة تعني انضمام الفرد الأشرف والأقوى إلى الفرد الأضعف لمساعدة هذا الضعيف، وهذه المساعدة قد تكون لزيادة نقاط القوّة، وقد تكون لإزالة نقاط الضعف.
في الشفاعة التكوينية نشهد هذين اللونين من الشفاعة في مسيرة حركة التكامل والنمو، فإنّ الكائنات الأضعف تحتاج إلى عوامل أقوى لإزالة عوامل التخريب تارة (كحاجة النباتات إلى نور الشمس لإبادة الآفات)، وتارة اُخرى لزيادة نقاط القوّة وسرعة التطور (كحاجة النباتات إلى نور الشمس من أجل النموّ)، وهكذا الطالب يحتاج إلى الاُستاذ لإصلاح أخطائه من جهة، ولزيادة معلوماته من جهة اُخرى.
كل ذلك يدلّ على أنّ للشفاعة أثرين، ولا تقتصر على دائرة إزالة آثار الذنب والإثم (تأمل بدقّة).
▲7ـ التائبون والشفاعة
ممّا تقدم نفهم أنّ التائبين بحاجة أيضاً إلى الشفاعة مع علمنا بأنّ التوبة وحدها كافية لغفران الذنوب، وذلك لسببين:
1ـ التائبون بحاجة إلى الشفاعة لزيادة مكانتهم المعنوية، ولتقدمهم في مضمار التكامل والإرتقاء، وإن كان الغفران يتحقق بالتوبة.
2ـ ثمّة خطأ وقع فيه كثيرون في فهم التوبة، إذ تصوّروا أنّ التوبة من الذنب قادرة على إرجاع الإنسان إلى حالة ما قبل ارتكاب الذنب، بينما التوبة ليست ـكما ذكرنا في موضعه ـ سوى مرحلة اُولى، إنها كالدواء الذي يقطع عوارض المرض، وانقطاع العوارض لا يعني عودة الإنسان إلى حالته الطبيعية، بل يعني انتقالة إلى حالة نقاهة يحتاج خلالها إلى تقوية بنيته الجسمية، ليعود بعد مدة إلى مرحلة ما قبل المرض.
بعبارة اُخرى: للتوبة مراحل، والندم على الذنب والعزم على التطهر في المستقبل هو المرحلة الاُولى للتوبة، والمرحلة النهائية تتحق حين يعود التائب إلى حالة ما قبل الذنب من كل النواحي. وفي هذه المرحلة تكون شفاعة الشافعين ذات أثر وعطاء.
أفضل شاهد على هذا ما ورد في القرآن وذكرناه من قبل بشأن استغفار الرّسول (صلى الله عليه وآله)للتائبين، وتوبة إخوة يوسف واستغفار يعقوب لهم، وأوضح من كل ذلك استغفار الملائكة للصالحين والمصلحين الوارد في الآيات المذكورة آنفاً. (تأمل بدقّة)!.
▲8ـ فلسفة الشفاعة
مرّ بنا فيما سبق «مفهوم» الشّفاعة و«أسانيدها»، ونستطيع من ذلك أن نفهم بسهولة فلسفة الشفاعة على الصعيد الإجتماعي والنفسي.
وبشكل عام وإنطلاقاً من مفهوم الشفاعة نستطيع أن نتلمس الآثار التالية في المؤمنين بالشفاعة.
«مكافحة روح اليأس» من أهم آثار الشفاعة في نفس المعتقدين بها، مرتكبو الجرائم الكبيرة يعانون من وخز الضمير، كما يشعرون بيأس من عفو الله، ولذلك لا يفكّرون بالعودة ولا بإعادة النظر في طريقة حياتهم الآثمّة، وقد يدفعهم المستقبل المظلم إلى التعنت والطغيان، وإلى التحلل من كل قيد تماماً، كالمريض اليائس من الشفاء الذي يتحلل من أي نظام غذائي، لإعتقاده بعدم جدوى التقيد بنظام.
قلق الضمير الناتج عن هذه الجرائم قد يؤدّي إلى اختلالات نفسية، وإلى تحفيز الشعور بالإنتقام من المجتمع الباعث على تلوّثه، وبذلك يتبدل المذنب إلى عنصر خطر، وإلى مصدر قلق اجتماعي.
الإيمان بالشفاعة يفتح أمام الإنسان نافذة نحو النور، ويبعث فيه الأمل بالعفو والصفح، وهذا الأمل يجعله يسيطر على نفسه، يعيد النظر في مسيرة حياته، بل ويشجعه على تلافي سيئات الماضي.
والإيمان بالشفاعة يحافظ على التعادل النفسي والروحي للمذنب، ويفسح الطريق أمامه إلى أن يتبدل إلى عنصر سالم صالح.
من هنا يمكن القول أن الإهتمام بالشفاعة بمعناها الصحيح عامل رادع بنّاء، قادر أن يجعل من الفرد المجرم المذنب فرداً صالحاً، وانطلاقاً من هذا الفهم نجد أن مختلف قوانين العالم
وضعت فسحة أمل أمام المحكومين بالسجن المؤبّد باحتمال العفو بعد مدّة إن أصلحوا أنفسهم، كي لا يتسرب اليأس إلى نفوسهم بذلك ويتبدّلوا إلى عناصر خطرة داخل السجن أو يصابون باختلالات نفسية.
▲9ـ شروط «توفّر الشفاعة»
الشفاعة بمعناها الصّحيح لها قيود وشروط متعددة الجوانب، كما ذكرنا، من هنا فالمؤمنون بهذا المبدأ لابدّ أن يسعوا لتوفير شروط الشّفاعة كي يشملهم عطاؤها، وأن يجتنبوا الذنوب التي تقضي على كل أمل في الشفاعة كالظلم، وأن يستأنفوا حياة جديدة قائمة على أساس تغيير عميق في أنفسهم وأن يتوبوا من الذنب أو يهمّوا بالتوبة على الأقل من أجل بلوغ درجة «الإرتضاء» واتخاذ «العهد الإلهي» (بالتّفسير المذكور).
عليهم أن يكفّوا عن مخالفة الأحكام والقوانين الإلهيّة، أو يقللوا من هذه المخالفة ما أمكنهم، ويعمّقوا في أنفسهم الإيمان بالله واليوم الآخر.
من جهة اُخرى لابدّ لنيل شفاعة «الشفيع»، أن يسعى الفرد لإيجاد نوع من التشابه والسنخية وإن كان ضعيفاً بينه وبين الشفيع.
وكما أن «الشّفاعة التّكوينية» لا تتمّ إلاّ بوجود نوع من السّنخية والتسليم والاستعداد في الموجود الأضعف، كذلك الشفاعة التشريعية لا تتحقق إلاّ بتوفر مثل هذه القابليّات، (تأمل بدقّة).
وبهذا يتضح بجلاء أنّ الشفاعة بمعناها الصحيح لها دور فعّال في تغيير وضع المجرمين وإصلاحهم.
▲10ـ شبهات حول مسألة الشفاعة
ذكرنا أن بين «الشفاعة» في مفهومها المنحرف و«الشفاعة» في مفهومها الإسلامي الصحيح بوناً شاسعاً، المفهوم الأوّل يقوم على أساس تغيير وجهة نظر «المستشفَع»، والآخر يدور حول محور التغييرات المختلفة في وضع المستشفع له.
واضح أنّ الشفاعة بمفهومها الأول مرفوضة لأنّها تقتل روح السعي والمثابرة في النفوس... وتشجع على ارتكاب الذنوب... وتعتبر انعكاساً عن المجتمعات المتخلّفة والإقطاعية... وتتضمّن أكثر من ذلك نوعاً من الشرك والانحراف عن خط التوحيد.
لا شك أنّ الإنسان المسلم يبتعد عن خط التوحيد لو اعتقد بإمكان تقديم «وساطة» إلى اللّه كما تقدم «الوساطات»، إلى أصحاب النفوذ في هذه الدنيا، لأنّ مثل هذا الفرد قد اعتقد بشكل غير مباشر بإمكان تغيير علم الله! وبإمكان خفاء أمر من اُمور «المستشفِع» على الله! أو بوجود مصدر يمكن أن يطفىء الإنسان به غضب الله أو يكسب به ودّه ورضاه!، أو بحاجة الله إلى مكانة بعض عباده وبسبب احتياجه اليهم يقبل شفاعتهم. أو أنّه تعالى يقبل شفاعتهم بسبب خوفه من نفوذهم!! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
كل هذه المعاني تبعدنا من أصل التوحيد وتؤدّي بنا إلى السقوط في وادي الشرك... إنها المفهوم السلبي للشفاعة والسائد لدى العرف العام.
أمّا الشفاعة بمعناها الصحيح الذي ذكرناه، فلا تنطوي على هذه العيوب، بل إنّها أكثر من ذلك تصلح العيوب، وتعمّق النقاط الإيجابية في الكائن البشري.
هذا النوع من الشفاعة لا يشجع على إرتكاب الذنب، بل يدفع إلى ترك الذنوب.
لا يدعو إلى التقاعس والتماهل، بل يبعث في الإنسان روح الأمل التي يستتبعها عادة تصعيد الإرادة لتلافي أخطاء الماضي.
هذه الشفاعة لا ترتبط بالمجتمعات المتخلّفة، بل هي وسيلة تربوية فعّالة لإصلاح المجرمين والمذنبين والمعتدين.
ليست هذه الشفاعة بشرك، بل هي عين التوحيد والتأكيد على التوجه إلى الله والاستمداد من صفاته وإذنه وأمره.
ولمزيد من التوضيح نتحدث أكثر عن مسألة الشفاعة والتوحيد.
▲11ـ الشفاعة والتوحيد
الفهم الخاطيء لمسألة الشّفاعة آثار اعتراض فئتين على ما بينهما من تضاد.
الفئة الاُولى: اعترضت على الشفاعة من منطلق مادي واعتبرتها عاملاً للتخدير ولإماتة روح السّعي والمثابرة، وقد أجبنا على اعتراضات هذه الفئة فيما سبق.
الفئة الاُخرى: اعترضت على الشفاعة من منطلق السلفية، واعتبرتها شركاً وانحرافاً عن خط التوحيد، ويمثل هذه الفئة «الوهابيون» ومن لفّ لفّهم، والإجابة على اعتراضات الوهابيين وإن كانت تحتاج إلى إطالة وخروج عن طريقة التّفسير إلاّ أنّها ضرورية لأسباب عديدة.
لابدّ من الإلتفات أولا إلى أنّ الحركة الوهّابيّة، التي ظهرت خلال القرنين الأخيرين في الجزيرة العربية على يد «محمّد بن عبد الوهّاب» لم تتجه في أفكارها المتطرفة الجافة إلى معارضة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) فقط، بل اصطدمت بمعظم المسلمين من أهل السنّة أيضاً.
محمّد بن عبد الوهاب (المتوفّي 1206 هـ ) استقى أفكاره من «ابن تيمية» (أحمد بن عبد الحليم الدمشقي المتوفي سنة 728 هـ.)، أي قبل أربعة قرون تقريباً من ظهور الوهّابية، ويعتبر المنظّر لهذه الحركة.
استطاع عبد الوهّاب خلال الأعوام (1160 ـ 1206 هـ ) بالتعاون مع الحكام المحليين أن ينشر دعوته بين القبائل البدوية المتنقّلة في الجزيرة العربية ويبثّ فيهم تعصباً أعمى باسم الدفاع عن التوحيد ومكافحة الشرك، وعبّد البدو والمتعصبين من أتباعه على طريق قمع معارضيه، واستطاع بذلك أن يكتسب قدرة سياسية ويسيطر بشكل مباشر وغير مباشر على الحكم، وأراق من أجل ذلك دماء كثير من المسلمين في أرض الجزيرة العربية وخارجها.
في سنة 1216 هـ (عشر سنوات بعد وفاة مؤسس الحركة الوهّابية) هاجمت جماعة من الوهّابيين مدينة كربلاء قادمة من صحراء الجزيرة العربية، واستغلوا فرصة سفر أهالي المدينة إلى النجف الأشرف بمناسبة عيد الغدير، فدخلوا المدينة وقاموم بتخريب وهدم مرقد سيد الشهداء الحسين بن علي (عليه السلام) وسائر المراقد الشريفة في هذه المدينة، ونهبوا ما فيها من أبواب ذهبية ونفائس، وقتلوا ما يقرب من خمسين شخصاً عند ضريح الحسين (عليه السلام)، وخمسمائة شخص في صحن الروضة المشرفة، كما قتلوا أعداداً كبيرة في سائر أنحاء المدينة، حتى بلغ عدد المقتولين في ذلك الهجوم الوهابي خمسة آلاف إنسان، ولم يسلم منهم حتى الشيوخ والعجائز والأطفال، كما نهبوا كثيراً من البيوت.
في عام 1344 أفتى فقهاء المدينة الخاضعون لجهاز الحكم الوهابي بهدم قبور أئمّة الإسلام وأولياء الله الصالحين، ونفذت هذه الفتوى في اليوم الثامن من شوّال من السنة المذكورة، وهمّ المنفذون أن يهدموا قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أيضاً، لولا تراجعهم أمام صيحات اعتراض المسلمين.
أتباع محمّد بن عبد الوهاب يتميزون على العموم بالخشونة والتصلّب والسطحية واللجاج والبعد عن المنطق والتعقّل وقد حصروا الإسلام ـ عمداً أو غفلة ـ في إطار
مكافحة عدد من الظواهر كالشفاعة وزيارة القبور والتوسل، وبذلك أبعدوا أتباعهم ومن خضع لسيطرتهم عن المسائل الإسلامية الحياتية، وخاصّة فيما يرتبط بالعدالة الاجتماعية، ومكافحة السيطرة الاستعمارية، والتصدي للثقافة الماديّة وللمدارس الإلحادية.
لذلك لا تجد في أوساط الوهابيين حديثاً عن هذه المسائل، بل تسود أجواءهم حالة فظيعة من الغفلة والركود.
نعود إلى رأي هذه الفئة بشأن الشفاعة، هؤلاء يقولون: لا يحق لأحد أن يستشفع برسول الله، وأن يقول: «يا محمّد اشفع لي عند الله» لأنّ الله سبحانه يقول: (وأنَّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ) (1) .
وفي رسالة «كشف الشبهات» لمحمّد بن عبد الوهاب نقرأ مايلي:
«فإن قال إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) أعطي الشفاعة وأطلبه ممّا أعطاه الله. فالجواب أنّ الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا وقال: (فلا تدعوا مع الله أحداً ) وأيضاً فإنّ الشفاعة أعطاها غير النبي، فصح أنّ الملائكة يشفعون والأولياء يشفعون... أتقول أنّ الله أعطاهم الشفاعة فاطلبها منهم؟ فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين» (2) .
ويقول محمّد بن عبد الوهاب في رسالة أربع قواعد ما حاصله: إنّ الخلاص من الشرك يكون بمعرفة أربع قواعد.
الاُولى: انّ الكفار الذين قاتلهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) مقرّون بأنّ الله تعالى هو الخالق الرازق المدبر... لقوله تعالى: (قل من يرزقكم... ) (3) .
الثّانية: إنّهم يقولون ما دعونا الأصنام وتوجهنا إليهم إلاّ لطلب القرب والشفاعة... (ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) (4) .
الثّالثة: إنّه (صلى الله عليه وآله) ظهر على قوم متفرّقين في عبادتهم، فبعضهم يعبد الملائكة، وبعضهم الأنبياء الصالحين، وبعضهم الأشجار والأحجار، وبعضهم الشمس والقمر، فقاتلهم ولم يفرق بينهم.
الرّابعة: إنّ مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين، لأنّ اُولئك يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، هؤلاء شركهم في الحالتين لقوله تعالى: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين... ) (5) (6) .
ومن العجيب أنّ الوهابيين تبلغ بهم الجرأة في تكفير المسلمين بحيث يبيحون نهب أموال المسلم وسفك دمه بسهولة، وقد فعلوا ذلك في تاريخهم مراراً.
يقول الشيخ «سليمان بن لحمان» في كتابه «الهدية السنية»:
«إنّ الكتاب والسنّة دلاّ على أن من جعل الملائكة والأنبياء أو ابن عباس أو أبا طالب أو... وسائط بينهم وبين الله ليشفعوا لهم عند الله لأجل قربهم إلى الله ـ كما يفعل عند الملوك ـ إنّه كافر مشرك حلال الدم والمال! وإن قال أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّداً رسول الله وصلّى وصام»!! (7) .
ومع هذا الإفتاء يتضح حال المسلمين في جميع أقطار العالم الإسلامي الذين يستشفعون بهم، اقتداء بكتاب الله وسنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله).
روح البطش والسفك واللجاجة في هؤلاء لا تخفى على أحد، وهكذا جهلهم بالمسائل الإسلامية والقرآنية.
▲نظرة على منطق الوهابيين في حقل الشفاعة
وهكذا يظهر ممّا نقلنا عن مؤسس الحركة الوهّابية «محمّد بن عبد الوهاب» أنّ اتّهام الوهابيين بالشرك للمؤمنين بالشفاعة يستند إلى مسألتين:
1ـ التشابه بين المؤمنين بشفاعة الأنبياء والصالحين، وبين المشركين في عصر الجاهلية.
2ـ نهي القرآن عن عبادة غير الله وعن دعوة فرد مع الله: (فلا تدعوا مع الله أحداً ) (1) ، والإستشفاع نوع من العبادة.
بالنسبة للمسألة الاُولى ، ارتكبت الوهّابية خطأً فظيعاً، وذلك للأسباب التالية:
أوّلا: القرآن أقرّ منزلة الشفاعة بصراحة لجمع من الأنبياء والصالحين والملائكة كما مرّ، لكنه قيّدها بإذن الله، وليس من المعقول إطلاقاً أن يكون الله قد نهى عن الاستشفاع المشروط بإذن الله بمن قد منحهم هو سبحانه هذه المنزلة.
وصرّح القرآن بطلب إخوة يوسف من أبيهم أن يستغفر لهم، وهكذا صرّح بطلب الصحابة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) أن يستغفر لهم أيضاً.
أليست هذه من المصاديق الواضحة لطلب الشفاعة؟! إنّ الاستشفاع برسول الله (صلى الله عليه وآله)بعبارة: «اشفع لنا عند الله» هي نفسها عبارة اخوة يوسف إذ قالوا لأبيهم: (يا أبانا استغفرلنا ) (2) كيف يجرأ هؤلاء على إلقاء تهمة الشرك على من يؤمن بما يصرّح به القرآن، بل ويستبيحون دمه وماله؟!
لو كان هذا العمل شركاً، فلم لم ينه يعقوب بنيه عن ذلك.
ثانياً: لا يوجد أدنى شبه بين «عبدة الأصنام» و«الموحّدين المؤمنين بالشفاعة بإذن الله»، لأنّ الوثنيين كانوا يعبدون الأصنام ويتخذونها شفعاء، بينما المسلمون المؤمنون بالشفاعة لا تخطر في ذهنهم عبادة الشفعاء، بل يستشفعون بهم إلى الله، وطلب الشفاعة لا إرتباط له بمسألة العبادة كما سنبيّن.
عَبَدة الأصنام كانوا يتعجبون من عبادة الإله الواحد الأحد: (أجعل الاْلهة إلهاً واحداً إنَّ هذا لشيءٌ عجابٌ ) (3) .
الوثنيون كانوا يجعلون الوثن في منزلة الله: (تالله إن كنَّا لفي ضلال مبين * إذ نسوّيكم بربِّ العالمين ) (4) .
الوثنيون كانوا يعتقدون بتأثير الأوثان على حياتهم ومصيرهم ووجودهم، كما تذكر كتب التاريخ، والمسلمون المؤمنون بالشفاعة يعتقدون بانفراد الله في التأثير، ولا يرون لموجود آخر غير الله استقلالا في التأثير.
والمقارنة بين الرؤيتين مقارنة جاهلة مجافية للمنطق.
أما بشأن المسألة الثانية، علينا أوّلا أن نفهم معنى «العبادة» لو فسّرنا العبادة بأنّها كل لون من ألوان الخضوع والإحترام، لكان ذلك يعني حرمة الاحترام والخضوع لأحد غير الله، وهذا ما لا يقرّه مسلم، ولو فسّرنا العبادة أنها كل ألوان الطلب، فهذا يعني أنّ التقدم بالطلب من أية جهة هو شرك، وهذا يخالف ضروريات العقل والدين، كما أنّ العبادة لا يمكن فهمها على أنّها كل لون من ألوان اتباع فرد لفرد آخر، فاتباع الأفراد لمسؤوليهم ورؤسائهم في المؤسسات والتنظيمات الاجتماعية من اُولى ضروريات الحياة البشرية، كما أنّ اتّباع الأنبياء وأئمّة الدين من الواجبات الحتمية للمتدينين.
من هنا فالعبادة لا تعني كل ذلك، بل هي الحدّ الأعلى للخضوع والتواضع المعبّرين عن الإرتباط المطلق والتسليم بلا منازع للمعبود، وإيكال كل عواقب الاُمور إليه.
وهل في طلب الشفاعة من الشفعاء أثر من الآثار المذكورة للعبادة.
أمّا بشأن النهي عن دعوة أحد سوى الله فلا يعني النهي عن نداء الأفراد، كأن نقول: يا عليّ ويا حسن ويا أحمد، ولا يعني النهي عن الإستعانة بالأفراد، لأنّ التعاون أحد الأركان الأساسية للحياة الاجتماعية وقد عمل به الأنبياء والأولياء كافة، ولم يرفضه الوهابيون أنفسهم.
أمّا الأمر الذي يمكن الإعتراض عليه فهو ما أوضحه «ابن تيمية» في رسالة «زيارة القبور» إذ قال ما حاصله: «مطلوب العبد إن كان ممّا لا يقدر عليه إلاّ الله فسائله من المخلوق مشرك من جنس عبّاد الملائكة والتماثيل ومن اتّخذ المسيح واُمّه إلهين، مثل أن يقول لمخلوق حي أو ميت: اغفر ذنبي أو انصرني على عدوي أو اشف مريضي أو عافني أو عاف أهلي أو دابتي، أو يطلب منه وفاء دينه من غير جهة معينة أو غير ذلك.
وإن كان ممّا يقدر عليه العبد فيجوز طلبه منه في حال دون حال، فإنّ مسألة المخلوق قد تكون جائزة وقد تكون منهياً عنها قال الله تعالى: (فإذا فرغت فانصب * وإلى ربّك فارغب ) (5) وأوصى النبي (صلى الله عليه وآله) ابن عباس: إذا سألت فاسئل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. وأوصى طائفة من أصحابه أن لا يسألوا النّاس شيئاً، فكان سوط أحدهم يسقط من كفه فلا يقول لأحد ناولني إياه. وقال: فهذه المنهي عنها، والجائزة طلب دعاء المؤمن لأخيه» (6) .
نحن أيضاً نقول: من الشرك أن يطلب الإنسان من أحد شيئاً يختص به الخالق، ومن الشرك أن يتجه الإنسان في ذلك الطلب إلى فرد يعتبره قادراً بشكل مستقل عن تلبية ذلك الطلب، أمّا إذا طلب الإنسان من أحد شفاعة منحها له الله، فما ذلك بشرك، بل هو عين الإيمان والتوحيد، ويشهد على ذلك كلمة «مع» في قوله تعالى: (فلا تدعوا مع الله أحداً ) (7) التي تفيد أن المنهي عنه هو دعوة شخص نعتبره في منزلة الله، ونعتبره مصدراً مستقلا في التأثير. (تأمل بدقّة).
هدفنا من التأكيد على هذا الموضوع، هو أن ما اعتراه من مسخ وتحريف وفّر الفرصة لأعداء الدين كي يطعنوا في المقدسات الدينية، كما أدّى إلى ظهور تفسيرات واستنتاجات خاطئة لدى بعض المجموعات الإسلامية، ممّا جرّ بدوره إلى تفرقة صفوف المسلمين.
والفهم الصحيح للشفاعة يؤدّي كما رأينا إلى سموّ أخلاق المجتمع وتكاملها، وإلى إصلاح الأفراد الفاسدين، كما يؤدّي إليه قطع دابر الطعّانين، وإلى إحلال الوحدة بين المسلمين.
نأمل من العلماء والمفكرين الإسلاميين أن يتعمّقوا في تحليل هذه المسألة قرآنياً ومنطقياً، كي يسدّوا الطريق أمام طعن أعداء الإسلام ويساهموا في رصّ الصفوف.
▲ سورة البقرة / الآية 49
49 ) وَ إِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَ في ذالِكُم بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظيمٌ
▲التّفسير
▲نعمة الحرية
في هذه الآية إشارة إلى نعمة كبيرة اُخرى، منَّ بها الله سبحانه على بني إسرائيل، وهي نعمة تحريرهم من براثن الظالمين: (وإذ نجَّيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبِّحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاءٌ من ربكم عظيمٌ ).
القرآن يعبّر عن العذاب الذي أنزله فرعون ببني إسرائيل بفعل (يسومونكم ) من «سام» التي تعني في الأصل الذهاب في ابتغاء الشيء، واستعمال هذا الفعل بصيغة المضارع يشير إلى استمرار العذاب، وإلى أنّ بني إسرائيل كانوا دوماً تحت التعذيب من قبل الفراعنة.
والقرآن عبّر بكلمة «البلاء» عمّا كان ينزل ببني إسرائيل من عذاب يتمثل في قتل الذكور واستخدام الإناث لخدمة آل فرعون، واستثمار طاقات بني إسرائيل لخدمة الأقباط وإشباع رغبات ونزوات المستكبرين.
والبلاء يعني الإمتحان، فالحوادث والمصائب التي نزلت ببني إسرائيل كانت بمثابة الامتحان لهم، كما قد يأتي البلاء بمعنى العقاب، لأن بني إسرائيل سبق لهم أن كفروا بنعمة ربّهم، فكان ما أصابهم من آل فرعون عقاباً على كفرانهم.
وذكر بعض المفسرين معنى ثالثاً للبلاء، وهو النعمة، وبذلك يكون البلاء العظيم يعني النعمة العظيمة، والمقصود منها نعمة النجاة من آل فرعون (1) .
على كل حال، يوم نجاة بني إسرائيل من آل فرعون يوم تاريخي مهم، ركّز عليه القرآن في مواضع عديدة ولنا وقفات اُخرى عند هذا الحدث الكبير.
من الملفت للنظر أن القرآن يسمّي ذبح الأبناء واستحياء النساء عذاباً، ولو عرفنا أن استحياء النساء يعني استبقاءهنّ، وتركهنّ أحياء، لإتّضح لنا أنّ القرآن يشير إلى أنّ مثل هذا الاستبقاء المذل هو عذاب أيضاً مثل عذاب القتل، وهذا المعنى يشير إليه الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) اذ يقول: «فَالْمَوتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَقْهُورينَ وَالْحَيَاةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرينَ» (2) .
عملية الإماتة كانت شاملة للذكور والإناث مع اختلاف في ممارسة هذه العملية، وفي عالمنا المعاصر يمارس طواغيت الأرض عملية الإماتة أيضاً بأساليب اُخرى، وذلك عن طريق قتل روح الرجولة في الذكور، ودفع الإناث إلى مستنقع إشباع الشهوات.
من المفسرين من ذهب إلى أن سبب قتل أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم، يعود إلى رؤيا عرضت لفرعون في منامه، ولكن السبب ليس الرؤيا وحدها ـ كما سنبيّن ذلك في تفسير الآية الرابعة من سورة القصص ـ بل أيضاً خوف الفرعونيين من اشتداد قوّة بني إسرائيل وتشكيلهم خطراً على سلطة آل فرعون.
▲ سورة البقرة / الآية 50
50 ) وَ إِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَ أَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
▲التّفسير
▲النّجاة من آل فرعون
الآية السابقة أشارت إلى نجاة بني إسرائيل من براثن الفرعونيين، وهذه الآية توضح طريقة النجاة، (وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ).
قضية غرق آل فرعون في البحر ونجاة بني إسرائيل وردت في سور عديدة مثل سورة الأعراف الآية 136. وسورة الأنفال، الآية 54. وسورة الإسراء الآية 103. والشعراء الآية 63 و66. والزخرف، 55. والدخان، الآية 17 وما بعدها.
في هذه السور ذكرت كل تفاصيل الحادث، أمّا هذه الآية فاكتفت بالإشارة إلى هذه النعمة الإلهيّة في معرض دعوة بني إسرائيل إلى قبور الرسالة الخاتمة (1) .
حادثة الإنقاذ باختصار حدثت بعد عدم استجابة فرعون وقومه لدعوة موسى (عليه السلام) مع كل ما شاهدوه منه من معجزات. إذ ذاك اُمر أن يخرج مع بني إسرائيل في منتصف الليل من مصر، وعند وصولهم النيل، علموا أنّ فرعون وجيشه يلاحقونهم، فاعترى، بني إسرائيل خوف واضطراب شديد، فالبحر أمامهم والعدوّ وراءهم، وفي هذه اللحظات الحساسة، اُمر موسى أن يضرب البحر بعصاه، فانشقت فيه طرق متعدّدة عبر منها بنو إسرائيل، بينما التحم الماء حينما كان آل فرعون في وسطه، فغرقوا جميعاً ونجا بنو إسرائيل، وهم ينظرون إلى هلاك أعدائهم.
الهدف من تذكير بني إسرائيل بهذا الحدث الذي بدأ بخوف شديد وانتهى بانتصار ساحق، هو دفعهم للشكر وللسير على طريق الرسالة الإلهيّة المتملثة في دين النبي الخاتم.
كما أنّه تذكير للبشرية بالامداد الإلهي الذي يشمل كل اُمّة سائرة بجد وإخلاص على طريق الله.
▲سورة البقرة / الآية 51 ـ 54
51 ) وَ إِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ
52 ) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذالِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
53 ) وَ إِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ الْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
54 ) وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحيمُ
▲التّفسير
▲أكبر إنحرافات بني إسرائيل
في هذه الآيات الأربع، تأكيد على مقطع آخر من تاريخ بني إسرائيل، وعلى أكبر انحراف اُصيبوا به في تاريخهم الطويل، وهو الانحراف عن مبدأ التوحيد، والإتجاه إلى عبادة العجل، وهذا التأكيد تذكير لهم بما لحقهم من زيغ نتيجة إغواء الغاوين، وتحذير لهم من تكرر هذه التجربة في مواجهة الدين الخاتم: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلةً ) وهي ليالي افتراق موسى عن قومه، (ثمَّ اتَّخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ).
شرح هذا المقطع من تاريخ بني إسرائيل سيأتي في سورة الأعراف الآية 142 وما بعدها، وفي سورة طه الآية 86 وما بعدها.
وخلاصته، إن موسى (عليه السلام) بعد نجاة بني إسرائيل من قبضة الفراعنة اُمر بالذهاب إلى جبل الطور مدة ثلاثين ليلة لتسلم ألواح التوراة، ثم مُدّت هذه الليالي إلى أربعين ليلة من أجل اختبار قومه، واستغل السامريّ الدّجال هذه الفرصة، فجمع ما كان لدى بني إسرائيل من ذهب الفراعنة ومجوهراتهم، وصنع منها عجلا له صوت خاص، ودعا بني إسرائيل لعبادته، فأتبعه أكثر بني إسرائيل، وبقي هارون ـ أخو موسى وخليفته ـ مع أقلية من القوم
على دين التوحيد، وحاول هؤلاء الموحّدون الوقوف بوجه هذا الانحراف فلم يفلحوا، وأوشك المنحرفون أن يقضوا على حياة هارون أيضاً.
بعد أنّ عاد موسى من جبل الطور تألم كثيراً لما رآه من قومه، ووبّخهم بشدّة فثاب بنو إسرائيل إلى رشدهم، وأدركوا خطأهم وطلبوا التوبة، فجاءهم أمر السماء بتوبة ليس لها نظير، سنذكرها فيما يلي.
في الآية التالية يقول سبحانه: (ثمَّ عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون ).
وبعد إشارة إلى ما جاء بني إسرائيل من هداية تشريعية: (وإذ آتينا موسى الكتابو الفرقان لعلكم تهتدون ).
كلمتا «الكتاب» و«الفرقان» قد تشيران كلاهما إلى التوراة، وقد يكون المقصود من «الكتاب» التوراة و«الفرقان» ما قدمه موسى من معاجز بإذن الله، لأنّ الفرقان يعني في الأصل ما يفرّق بين الحق والباطل.
ثم يشير القرآن إلى طريقة التوبة المطروحة على بني إسرائيل: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتِّخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خيرٌ لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنَّه هو التَّوَّاب الرَّحيم ).
و«البارئ» هو الخالق، وفي الكلمة إشارة إلى أن هذا الأمر الإلهي بالتوبة الشديدة صادر عمّن خلقكم، وعمّن هو أعرف بما يضرّكم وينفعكم.
▲ذنب عظيم وتوبة فريدة
لا شك أن عبادة عجل السامري لم تكن مسألة هينة، لأن بني إسرائيل شاهدوا ما شاهدوا من آيات الله ومعجزات نبيّهم موسى (عليه السلام)، ثم نسوا ذلك دفعة، وخلال فترة قصيرة من غياب النبي إنحرفوا تماماً عن مبدأ التوحيد وعن الدين الإلهي.
كان لابدّ من اقتلاع جذور هذه الظاهرة الخطرة، كي لا تعود إلى الظهور ثانية خاصّة بعد وفاة صاحب الرسالة.
ومن هنا كانت الأوامر الإلهية بالتوبة شديدة لم يسبق لها نظير في تاريخ الأنبياء، وتقضي هذه الأوامر أن تقترن التوبة بإعدام جماعي لعدد كبير من المذنبين، على أيديهم أنفسهم.
طريقة تنفيذ هذا الإعدام لا تقل شدة عن الإعدام نفسه، فقد صدرت الأوامر الإلهيّة أن
يقتل المذنبون بعضهم بعضاً، وفي ذلك عذابان للمذنب: عذاب قتل الأصدقاء والمعارف على يديه، وما ينزل به ـ هو نفسه ـ من عذاب القتل.
وجاء في الأخبار أنّ موسى أمر في ليلة ظلماء كل الجانحين إلى عبادة العجل، أن يغتسلوا ويرتدوا الأكفان ويعملوا السيف بعضهم في البعض الآخر. (1)
السؤال: ولعلك تسأل عن السبب في قساوة هذه التوبة ولماذا لم يقبل الله تعالى منهم التوبة دون إراقة للدماء؟
الجواب: إنّ السبب في شدّة هذا الحكم ـ كما ذكرنا ـ يعود إلى عظمة الذنب الذي إرتكبوه بعد كل ما شاهدوه من آيات ومعاجز، وإلى أنّ هذا الذنب يهدّد وجود الدعوة ومستقبلها لأنّ اُصول ومبادئ جميع الأديان السماوية يمكن اختزالها في التوحيد، فلو تزلزل هذا الأصل فإنّ ذلك يعني انهيار جميع اللبنات الفوقية والمباني الحضارية للدين، فلو تساهل موسى (عليه السلام) مع ظاهرة عبادة العجل، لأمكن أن تبقى سُنّة في الأجيال القادمة، خاصّة وأن بني إسرائيل كانوا على مرّ التاريخ قوماً متعنتين لجوجين.
ولابدّ إذن من عقاب صارم يبقى رادعاً للأجيال التالية عن السقوط في هاوية الشرك.
ولعل في عبارة قوله تعالى: (ذلكم خيرٌ لكم ) إشارة إلى هذا المعنى.
▲التّفسير
▲طلب عجيب!
هاتان الآيتان تذكّران بني إسرائيل بنعمة إلهيّة اُخرى، كما توضحان في الوقت نفسه روح اللجاج والعناد في هؤلاء القوم، وتبيان ما نزل بهم من عقاب إلهي، وما شملهم الله به من رحمة بعد ذلك العقاب.
تقول الآية الاُولى: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتَّى نرى الله جهرةً ).
هذا الطلب قد ينم عن جهل بني إسرائيل، لأنّ إدراك الإنسان الجاهل لا يتعدّى حواسه. ولذلك يرمي إلى أن يرى الله بعينه.
أو قد يحكي هذا الطلب عن ظاهرة لجاج القوم وعنادهم التي يتميزون بها دوماً.
على أي حال، طلب بنو إسرائيل من نبيّهم بصراحة أن يروا الله جهرة، وجعلوا ذلك شرطاً لإيمانهم.
عندئذ شاء الله سبحانه أن يرى هؤلاء ظاهرة من خلقه لا يطيقون رؤيتها، ليفهموا أنّ عينهم الظاهرة هذه لا تطيق رؤية كثير من مخلوقات الله، فما بالك برؤية الله سبحانة نزلت الصاعقة على الجبل وصحبها برق شديد ورعد مهيب وزلزال مروع، فتركهم، على الأرض صرعى من شدة الخوف (فأخذتكم الصَّاعقة وأنتم تنظرون ).
اغتم موسى لما حدث بشدّة، لأنّ هلاك سبعين نفراً من كبار بني إسرائيل، قد يوفّر الفرصة للمغامرين من أبناء القوم أن يثيروا ضجّة بوجه نبيّهم، لذلك تضرّع موسى إلى الله أن يعيدهم إلى الحياة، فقبل طلبه وعادوا إلى الحياة: (ثمَّ بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ).
هذا باختصار شرح الواقعة، وسيأتي تفصيلها في سورة الأعراف، الآية 155، وسورة النساء، الآية 153.
هذه القصة تبين من جانب آخر ما عاناه الأنبياء من مشاكل كبرى على طريق دعوتهم. كان قومهم يطلبون منهم معاجز خاصّة، وكان العناد يبلغ ببعض الأقوام حدّاً يطلبون فيه أن يروا الله جهرة، شرطاً لإيمانهم، وحينما يواجه هذا الطلب غير المنطقي بجواب إلهي مناسب حاسم تحدث للنّبي مشكلة اُخرى، ولولا لطف الله وتثبيته لما كان بالإمكان المقاومة تجاه كل هذا العناد.
هذه الآية تشير ضمناً إلى إمكان «الرجعة»، أي الرجوع إلى هذه الحياة الدنيا بعد الموت، لأنّ وقوعها في مورد يدل على إمكان الوقوع في موارد اُخرى.
ولكن عدد من مفسري أهل السنّة أوّلوا «الموت» في هذه الآية إلى غير المعنى الظاهر لعدم رغبتهم في قبول «الرجعة». (1)
▲ سورة البقرة / الآية 57
57 ) وَ ظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
▲التّفسير
▲النّعم المتنوعة
بعد أن نجا بنو إسرائيل من الفرعونييّن، تذكر الآيات 20 ـ 22 من سورة المائدة، أنّ بني إسرائيل اُمروا لأن يتجهوا إلى أرض فلسطين المقدسة، لكن هؤلاء عصوا هذا الأمر، وأصروا على عدم الذهاب مادام فيها قوم جبارون (العمالقة)، وأكثر من ذلك تركوا أمر مواجهة هؤلاء الظالمين لموسى وحده قائلين له: (فاذهب أنت وربُّك فقاتلا إنَّا ههنا قاعدون ) (1) .
تألّم موسى لهذا الموقف ودعا ربّه (قال ربِّ إنِّي لا أملك إلاَّ نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ) (2) فكتب عليهم التيه أربعين عاماً في صحراء سيناء.
مجموعة من التائهين ندمت على ما فعلته أشد الندم، وتضرعت إلى الله، فشمل الله سبحانه بني إسرائيل ثانية برحمته، وأنزل عليهم نعمه التي تشير الآية إلى بعضها: (وظلَّلنا عليكم الغمام ).
والظّل له أهمّية الكبرى لمن يطوي الصحراء طيلة النهار وتحت حرارة الشمس اللاّفحة، خاصّة أنّ مثل هذا الظّل لا يضيّق الفضاء على الإنسان ولا يمنع عنه هبوب النسيم.
يبدو أنّ الغمام الذي تشير إليه الآية الكريمة، ليس من النوع العابر الذي يظهر عادة في سماء الصحراء، ولا يلبث أن يتفرق ويزول، بل هو من نوع خاص تفضل به الله على بني إسرائيل ليستظلوا به بالقدر الكافي.
وإضافة إلى الظل فانّ الله سبحانه وفّر لبني إسرائيل بعد تيههم الطعام الذي كانوا في أمسّ الحاجة إليه خلال أربعين عاماً خلت من ضياعهم: (وأنزلنا عليكم المنَّ والسَّلوى كلوا من طيِّبات ما رزقناكم ).
لكن هؤلاء عادوا إلى الكفران: (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ). وسنشرح «المن» و«السلوى» في البحوث الآتية.
▲بحوث
▲1ـ الحياة الجديدة بعد التحرر
الاُمّة التي تتحرر بعد عصر من الذّل والاستضعاف والاستعباد، لا تستطيع أن تتخلى تماماً عن حالتها النفسية والثقافية الموروثة عن عصر الطاغوت، ولابدّ من فترة برزخية تمرّ بها كي تكون قادرة على إقامة حكم الله في الأرض، وفق معايير إلهيّة بعيدة عن مؤثرات عصر الطاغوت.
وسواء امتدت هذه الفترة البرزخية أربعين عاماً كما حدث لبني إسرائيل، أو أقل أو أكثر، فهي فترة عقاب إلهي هدفها التزكية والإصلاح والبناء لأنّ مجازاة الله ليست لها جنبة انتقامية.
ولابدّ أن يبقى بنو اسرائيل فترة أربعين عاماً من «التيه» في الصحراء ليتربّى جيل جديد حامل لصفات توحيدية ثورية، ومؤهل لإقامة الحكم الإلهي في الأرض المقدّسة.
▲2ـ المنّ والسّلوى
تعددت أقوال المفسرين في معنى هاتين الكلمتين، ولا حاجة إلى استعراضها جميعاً، بل نكتفي بذكر معناهما اللغوي، ثم نذكر تفسيراً واحداً لهما هو في اعتقادنا أوضح التفاسير وأقربها إلى الفهم القرآني.
«المنّ» شيء كالطلّ فيه حلاوة يسقط من الشجر (1) أو بعبارة اُخرى هو عصارة شجر ذات طعم حلو، وقيل طعم حلو ممزوج بالحموضة.
و«السّلوى» يعني التسلّي، وقال بعض اللغويين وجمع من المفسرين إنّه «طائر».
وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله): «إن الكماة من المنّ». (2)
وذهب البعض إلى أنّ «المنّ» هو جميع ما أنعم الله تعالى على بني إسرائيل ومنّ عليهم. و«السّلوى» هي جميع المواهب والملكات النفسانية التي توجب لهم التسلية والهدوء النفسي.
وهو مع مخالفته لرأي معظم المفسرين، يخالف ظاهر الآية حيث تقول: (كلوا من طيِّبات ما رزقناكم ) وفي هذا التعبير دلالة واضحة على أنّ المنّ والسلوى نوعان من الطعام، وهذه العبارة وردت كذلك في الآية 160 من سورة الأعراف.
وتذكر التوراة أنّ «المنَّ» حبٌّ يشبه بذر الكزبرة يتساقط على الأرض ليلا، وكان بنو إسرائيل يجمعونه ويصنعون منه خبزاً ذا طعم خاص.
وثمّة احتمال آخر هو أنّ الأمطار الغزيرة النافعة التي هطلت بفضل الله على تلك الصحراء أثرت على أشجار تلك المنطقة فأفرزت عصارة حلوة استفاد منها بنو إسرائيل.
واحتمل بعضهم أن يكون «المنّ» نوعاً من العسل الطبيعي حصل عليه بنو إسرائيل في الجبال والمرتفعات المحيطة بصحراء التيه. وهذا التّفسير يؤيد ما ورد من شروح على العهدين (التوراة والإنجيل) حيث جاء: «الأراضي المقدسة معروفة بكثرة أنواع الأوراد والأزهار، ومن هنا فإن مجاميع النحل تبني خلاياها في أخاديد الصخور وعلى أغصان الأشجار وثنايا بيوت النّاس، بحيث يستطيع أفقر النّاس أن يتناول العسل» (3) .
بشأن «السلوى» قال بعض المفسرين إنه العسل، وأجمع الباقون على أنّه نوع من الطير، كان يأتي على شكل أسراب كبيرة إلى تلك الأرض، وكان بنو إسرائيل يتغذون من لحومها.
في النصوص المسيحية تأييد لهذا الرأي حيث ورد في تفسير على العهدين ما يلي: «إعلم أنّ السلوى تتحرك بمجموعات كبيرة من أفريقيا، فتتجه إلى الشمال، وفي جزيرة كابري وحدها يصطاد من هذا الطائر 16 ألفاً في الفصل الواحد... هذا الطائر يجتاز طريق بحر القلزم، وخليج العقبة والسويس، ويدخل شبه جزيرة سيناء. وبعد دخوله لا يستطيع أن يطير في إرتفاعات شاهقة لشدّة ما لاقاه من تعب وعناء في الطريق، فيطير على إرتفاع منخفض ولذلك يمكن اصطياده بسهولة... وورد ذكر ذلك في سفر الخروج وسفر الأعداء من التوراة» (4) .
يستفاد من هذا النص أن المقصود بالسلوى طير خاص سمين يشبه الحمام معروف في تلك الأرض.
شاء الله بفضله ومنّه أن يكثر هذا الطير في صحراء سيناء آنئذ لسدّ حاجة بني إسرائيل من اللحوم، ولم تكن هذه الكثرة من الطير طبيعية في تلك المنطقة.
▲3ـ لماذا قالت الآية (أَنْزَلْنَا )؟
عبرت الآية الكريمة عن نعمة تقديم المن والسلوى بالإنزال، وليس الإنزال دائماً إرسال الشيء من مكان عال، كقوله تعالى: (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) (1) .
واضح أنّ الأنعام لم تهبط من السماء، من هنا فالإنزال في مثل هذه المواضع:
إمّا أن يكون «نزولا مقامياً» أي نزولا من مقام أسمى إلى مقام أدنى.
أو أن يكون من «الإنزال» بمعنى الضّيافة، يقال أنزلت فلاناً: أي أضفته، والنزل (على وزن رُسُل) ما يُعدّ للنازل من الزاد، ومنه قوله تعالى: (فنزلٌ من حميم ) (2) وقوله سبحانه: (خالدين فيها نزلا من عند الله ) (3) .
وتعبير «الإنزال» للمنّ والسلوى، قد يشير إلى أنّ بني إسرائيل كانوا ضيوف الله في الأرض، فاستضافهم بالمن والسلوى.
ويحتمل أن يكون الإنزال بمعنى الهبوط من الأعلى لأنّ النعم المذكورة وخاصّة (السلوى) تهبط إلى الأرض من الأعلى.
▲4ـ ما هو الغمام؟
قيل: الغمام والسحاب بمعنى واحد، وقيل الغمام هو السحاب الأبيض، وذكروا في وصفه أنّه أبرد وأرق من السحاب، والغمام في الأصل من الغمّ وهو تغطية الشيء، وسمّي الغمام بهذا الاسم لأنّه يغطي صفحة السماء، وسمّي الهمُّ غماً بهذا الاسم لأنه يحجب القلب (1) .
على أي حال، قد يشير تعبير «الغمام» إلى أنّ بني إسرائيل، كانوا يستفيدون من ظل الغمام إضافة إلى تمتعهم بالنور الكافي لبياض هذه السُّحب.
▲سورة البقرة / الآية 58 ـ 59
58 ) وَ إِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزيدُ الْمُحْسِنينَ
59 ) فَبَدَّلَ الَّذينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذي قيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
▲التّفسير
▲عناد بني إسرائيل
وهنا نصل إلى مقطع جديد من حياة بني إسرائيل، يرتبط بورودهم الأرض المقدسة. تقول الآية الاُولى: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية ) والقرية كل مكان يعيش فيه جمع من النّاس، ويشمل ذلك المدن الكبيرة والصغيرة، خلافاً لمعناها الرائج المعاصر. والمقصود بالقرية هنا بيت المقدس.
ثم تقول الآية: (فكلوا منها حيث شئتم رغداً وادخلوا الباب سجَّداً وقولوا حطَّةٌ ) أي حطّ عنا خطايانا، (نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين ).
كلمة «حطّة» في اللغة، تأتي بمعنى التناثر والمراد منها في هذه الآية الشريفة، إلهنا نطلب منك أن تحطّ ذنوبنا وأوزارنا.
أمرهم الله سبحانه أن يردّدوا من أعماق قلوبهم عبارة الاستغفار المذكورة، ويدخلوا الباب، ويبدو أنّه من أبواب بيت المقدس، (1) وقد يكون هذا سبب تسمية أحد أبواب بيت المقدس «باب الحطة». (2)
والآية تنتهي بعبارة (وسنزيد المحسنين ) أي إنّ المحسنين سينالون المزيد من الأجر آضافة إلى غفران الخطايا.
والقرآن يحدثنا عن عناد مجموعة من بني إسرائيل حتى في ترتيل عبارة الاستغفار، فهؤلاء لم يرددوا العبارة بل بدّلوها بعبارة اُخرى فيها معنى السخرية والاستهزاء، والقرآن يقول عن هؤلاء المعاندين: (فبدَّل الَّذين ظلموا قولا غير الَّذي قيل لهم ) وكانت نتيجة هذا العناد ما يحدثنا عنه كتاب الله حيث يقول: (فأنزلنا على الَّذين ظلموا رجزاً من السَّماء بما كانوا يفسقون ).
و«الرجز» أصله الاضطراب ـ كما يقول الراغب في مفرداته ـ ومنه قيل رجز البعير إذا اضطرب مشيه لضعفه.
ويقول «الطبرسي» في «مجمع البيان»: إنّ الرجز يعني العذاب عند أهل الحجاز، ويروي عن الرّسول (صلى الله عليه وآله) قوله بشأن مرض الطاعون: «إنَّهُ رِجْزٌ عُذّبَ بِهِ بَعضُ الاُْمَمِ قَبْلَكُمْ» (3) (4) .
ومن هنا يتضح سبب تفسير «الرجز» في بعض الروايات أنّه نوع من الطاعون فشا بسرعة بين بني إسرائيل وأهلك جمعاً منهم. (5)
قد يقال إن الطاعون لا ينزل من السماء، لكن هذا التعبير قد يشير إلى حقيقة انتشار هذا المرض عن طريق الهواء الملوّث بميكروب الطاعون الذي هبّ بأمر الله آنذاك في بيئة بني إسرائيل.
يلفت النظر أن من عوارض الطاعون اضطراباً في المشي والكلام، وهذا يتناسب مع أصل معنى «الرجز» تماماً.
ومن الملفت للنظر أيضاً أنّ القرآن يؤكّد أنّ هذا العذاب نزل (على الَّذين ظلموا ) فقط، ولم يشمل جميع بني إسرائيل.
ثم تذكر الآية تأكيداً آخر على سبب نزول العذاب على هذه المجموعة من بني إسرائيل بعبارة: (بما كانوا يفسقون ).
والآية الكريمة بعد ذلك تبين بشكل غير مباشر سنة من سنن الله تعالى، هي أنّ الذنب حينما يتعمق في المجتمع ويصبح عادة اجتماعية، عند ذاك يقترب احتمال نزول العذاب الإلهي.
▲ سورة البقرة / الآية 60
60 ) وَ إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناس مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَ اشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللّهِ وَ لاتَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدينَ
▲التّفسير
▲انفجار العيون في الصّحراء
تذكير آخر بنعمة اُخرى من نعم الله على بني إسرائيل: وهذا التذكير تشير إليه كلمة «إذ» المقصود منها (وَاذكُرُوا إذ)، وهذه النعمة أغدقها الله عليهم، حين كان بنو إسرائيل في أمسّ الحاجة إلى الماء وهم في وسط صحراء قاحلة، فطلب موسى(عليه السلام) من الله عزّ وجلّ الماء: (وإذ استسقى موسى لقومه)، فتقبل الله طلبه، وأمر نبيّه أن يضرب الحجر بعصاه: (فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عين) بعدد قبائل بني إسرائيل.
وكل عين جرت نحو قبيلة بحيث أنّ كل قبيلة كانت تعرف العين التي تخصّها (قد علم كلُّ اناس مشربهم).
كثرت الأقوال في طبيعة الحجر الذي انفجرت منه العيون، وكيفية ضربه بالعصا، والقرآن لا يزيد على ذكر ما سبق.
قال بعض المفسرين: إنّ هذا الحجر كان في ثنايا الجبال المطلة على الصحراء وتدل جملة «انبجست» الواردة في الآية 160 من سورة الاعراف على أنّ المياه جرت قليلة أولا، ثم كثرت حتى ارتوى منها كل قبائل بني إسرائيل مع مواشيهم ودوابهم.
ظاهرة انفجار المياه من الصخور طبيعية، لكن الحادثة هنا مقرونة بالإعجاز كما هو واضح.
ثمّة أقوال تذكر أن ذلك الحجر كان من نوع خاص حمله بنو إسرائيل معهم، ومتى
احتاجوا إلى الماء ضربه موسى بعصاه فيجري منه الماء. وليس في القرآن ما يثبت ذلك، وإن أشارت إليه بعض الروايات.(1)
في الفصل السابع عشر من «سفر الخروج» تذكر التوراة:
فقال الرب لموسى سر قدام الشعب وخذ معك من شيوخ إسرائيل وعصاك التي ضربت بها النهر خذها في يدك واذهب ـ ها أنا أقف أمامك هناك على الصخرة في حوريب فتضرب الصخر فيخرج منها ماء ليشرب الشعب ففعل موسى هكذا أمام عيون شيوخ إسرائيل»(2) .
لقد مَنّ الله على بني إسرائيل بإنزال المنّ والسلوى، وفي هذه المرّة يمنّ عليهم بالماء الذي يعزّ في تلك الصحراء القاحلة، ثم يقول سبحانه لهم: (كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الاْرْض مفْسدين).
وفي هذه العبارة حثّ لهم على ترك العناد وإيذاء الأنبياء، وأن يكون هذا أقل شكرهم لله على هذه النعم.
▲بحوث
▲1ـ الفرق بين العثو والإفساد
نهى الله سبحانه بني إسرائيل عن الفساد بفعل (لا تعثو)، من العثي وهو شدة الفساد، وتشبه في معناها «العيث»، إلاّ أنّ العيث أكثر ما يقال في الفساد الذي يدرك حساً، والعثيّ فيما يدرك حُكم(1) . وبهذا يكون معنى (لا تعثو) هو معنى «المفسدين» ولكنه مع تأكيد أشد.
وقد تشير عبارة النهي بأجمعها إلى حقيقة بدء الفساد من نقطة صغيرة، واتساعها واشتدادها بعد ذلك. أي تبدأ بالفساد وتنتهي بالعثي في الأرض، وهو شدة الفساد واتساعه.
▲2ـ المعاجز في حياة بني إسرائيل
قد تثير مسألة انفجار الماء من الحجر وما شابهها من المعاجز في حياة الأنبياء تساؤلات في ذهن أولئك الذين لم يستوعبوا منطق الإعجاز، ولا نريد هنا أن نتعرض إلى مسألة الإعجاز، لأنها تحتاج إلى بحث مستقل. ونكتفي بالقول: إنّ المعجزة ليست أمراً محالا، وليست استثناءً في قانون العليّة. بل إنّها خرق لما ألفناه واعتدنا عليه، أو بعبارة اُخرى، خرق لما ألفناه في حياتنا اليوميّة من ارتباط بين العلة والمعلول.
وطبيعي أن تغيير مسير العلل والمعلولات ليس بعسير على الله سبحانه، ولو خلق الله هذه العلل والمعلولات منذ البدء بشكل آخر غير ما هي عليه اليوم، لكان هذا الذي نألفه اليوم خارقاً للعادة.
باختصار، خالق عالم الوجود ونظام العليّة حاكم على ما خلق لا محكوم له. وفي حياتنا اليوميّة صور كثيرة للاستثناءات في النظام القائم للعلل والمعلولات، ومسألة الإعجاز لا تشكل أية مشكلة عقلية أو علمية.
▲3ـ الفرق بين الإنفجار والإنبجاس
في الآية المذكورة ورد الفعل «انفجر» ليعبّر عن تدفق الماء من الحجر، بينما ورد الفعل «انبجس» في الآية 160 من سورة الأعراف ليشير إلى نفس الحقيقة مع فارق هو أنّ الأول يفصح عن شدة تدفّق الماء، والثاني عن سيلانه بشكل هادىء.
لعل آية سورة الأعراف تتحدث عن المرحلة الاُولى من ظهور الماء، وجريانه بشكل هادىء لا يثير فزع القوم، ولا يمنعهم من السيطرة عليه، بينما تشير الآية التي نحن في صددها إلى المرحلة النهائية حيث اشتد جريان الماء.
والراغب في مفرداته يفسر الإنبجاس والإنفجار بشكل يتناسب مع ما أشرنا إليه إذ يقول: بجس الماء وانبجس: انفجر، لكن الإنبجاس أكثر ما يقال فيما يخرج من شيء ضيق. والإنفجار يستعمل فيه وفيما يخرج من شيء واسع.
▲ سورة البقرة / الآية 61
61 ) وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعام واحِد فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَ قِثّائِها وَ فُومِها وَ عَدَسِها وَ بَصَلِها قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذي هُوَ أَدْنى بِالَّذي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ وَ بائوُا بِغَضَب مِنَ اللّهِ ذالِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذالِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ
▲التّفسير
▲المطالبة بالأطعمة المتنوعة
بعد أن شرحت الآيات السابقة نِعَم الله على بني إسرائيل، ذكرت هذه الآية صورة من عنادهم وكفرانهم بهذه النعم الكبرى.
تتحدث الآية أولا عن مطالبة بني إسرائيل نبيّهم بأطمعة متنوعة بدل الطعام الواحد (المَنّ وَالسَّلْوى): (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربَّك يخرج لنا ممَّا تنبت الاْرْض منْ بقْلها وقثَّائها وفومها وعدسها وبصله).
فخاطبهم موسى (قال أتستبدلون الَّذي هو أدنى بالَّذي هو خيرٌ إهبطوا مصراً فإنَّ لكم ما سألتم).
ويضيف القرآن: (وضربت عليهم الذِّلَّة والمسكنة وباء وبغضب من الله ذلك بأنَّهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النَّبيّين بغير الحقِّ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون).
▲بحوث
▲1ـ آراء المفسرين في كلمة «مصر»
من المفسرين من قال إنّ المقصود من كلمة «مصر» في الآية الكريمة هو المفهوم العام للمدينة، وقوله سبحانه: (إهبطوا مصراً فإنَّ لكم ما سألتم)، أي إنّكم الآن تعيشون في هذه الصحراء ضمن إطار منهج للاختبار وبناء الذات، وليس هذا مكان الأطعمة المتنوعة، إذهبوا إلى المدن حيث التنوع في المأكولات، ولكن لا يوجد فيها المنهج المذكور.
ويستدل أصحاب هذا الرأي بأنّ بني إسرائيل لم يطلبوا العودة إلى «مصر» موطنهم السابق ولم يعودوا إليه إطلاق(1) .
ومنهم من اختار هذا التّفسير لمصر، وأضاف إليه أن المقصود من قوله تعالى: (إهبطوا...) هو أنّ بقاءكم في الصحراء واقتصاركم على الطعام الواحد يعودان إلى ضعفكم، فكونوا أقوياء، وحاربوا الأعداء، وحرروا من سيطرتهم مدن الشام والأرض المقدّسة، ليتوفر لكم ما شئتم(2) .
وهناك رأي ثالث للمفسرين هو أنّ المقصود من «مصر» البلد المعروف. ويكون المعنى عندئذ: إنّكم في هذه الصحراء الخالية من الأطعمة المتنوعة تملكون الإيمان والحرية والاستقلال، وإن أبيتم إلاّ أن تكون لكم أطعمة متنوعة، فارجعوا إلى مصر حيث الذل والإستعباد، لتأكلوا من فتات موائد الفراعنة، إنّ مشتهيات بطونكم أنستكم ما كنتم تعانون منه من ذل واستعباد، وما حصلتم اليوم عليه من حرية ورفعة وافتخار، وما تتحملونه من حرمان يسير إنّما هو ثمن لحريّتكم(3) .
ويبدو أنّ التّفسير الأول أنسب من التاليين.
▲2ـ التنوع وطبيعة الإنسان
التنوع هو ـ دون شك ـ من متطلبات البشر، وحبّ التنويع خصلة طبيعية في البشر. والإنسان ـ إن استمرّ على تناول طعام معين لمدّة طويلة ـ يمل ذلك الطعام. فلم إذن توجه اللوم والتقريع إلى بني إسرائيل حين طلبوا الخضروات والخيار والثوم والعدس والبصل ليتخلصوا من الطعام الواحد؟!
الجواب يتضح لو علمنا أنّ الحياة الإنسانية تقوم على أساس حقائق هامّة لا يمكن التخلّي عنها، هي الإيمان والطهر والتقوى والتحرّر، وقد تمرّ الجماعة البشرية بمرحلة يتعارض فيها هذا الأساس الهام مع متطلبات الإنسان من الطعام والشراب واللذائذ الاُخرى، وهنا تصبح الجماعة أمام خيارين، إمّا أن تنغمس في اللذات وتترك قيمها وشرفها، أو تضحي بلذّاتها من أجل إنسانيتها وكرامتها.
بنو إسرائيل كانو يعيشون أمام هذين الخيارين.
ولابدّ من الإشارة إلى أنّ حقيقة حبّ التنويع استغلها الطامعون والمستعمرون دوماً، ليدفعوا الشعوب إلى هاوية حياة استهلاكية شهوانية هابطة، يعيش الأفراد فيها بين المعلف والمضجع، ناسين شخصيتهم الإنسانية، وغافلين عن النير الذي يطوّق أعناقهم.
▲3ـ هل «المنّ» و«السلوى» خير الأطعمة؟
حين طلب بنو إسرائيل أطعمة متنوعة جاءهم التقريع بالقول: (أتستبدلون الَّذي هو أدنى بالَّذي هو خيرٌ)؟! أي أتختارون الأدنى وتتركون الأفضل؟! ويبدو أنّ المقصود بالأفضل هنا هو ما لديهم من طعام متمثل بالمن والسلوى، غير أنّ التفضيل الذي يطرحه القرآن هنا يعود إلى الحياة بكل أبعادها، والتقريع يتجه إلى بني إسرائيل لرغبتهم في التنويع مع ما قد يكشف هذا التنويع من ذلّ وهوان.
وعلى صعيد القيمة الغذائية، فإنّ الأطعمة النباتية التي طلبها بنو إسرائيل لها قيمتها الغذائية طبعاً، غير أنّ مقدار الموارد الغذائية النافعة الموجودة في «المن» ـ وهو العسل أو مادة سكرية مقوّية ـ وكذلك في لحوم السلوى يفوق ما في الأطعمة النباتية المذكورة، كما أنّ المن والسلوى أسهل هضماً من الحبوب المذكورة(1) .
ولا بأس من الإشارة إلى أن «الفوم» الذي طلبه بنو إسرائيل فُسِّر بالحنطة مرة وبالثوم مرة اُخرى، ولكلّ من المادتين قيمتها الغذائية، ويرى بعض أن تفسير الفوم بالقمح أصحّ لاستبعاد أن يطلب القوم طعاماً خالياً من القمح(2) .
▲4ـ ذلّة بني إسرائيل ومسكنتهم
تفيد الآية الكريمة أنّ بني إسرائيل (ضربت عليهم الذّلَّة والمسكنة وباءو بغضب من الله)لعاملين:
الأوّل: لكفرهم بآيات الله، وانحرافهم عن خط التوحيد.
الثاني: لقتلهم الأنبياء بغير حق.
ظاهرة الانحراف عن خط التوحيد وظاهرة القسوة والفظاظة، لا زالتا مشهودتين حتى اليوم عند جمع من هؤلاء القوم، ولا زالتا سبباً لشقاوتهم وطيشهم وتعاستهم(1) .
في تفسير الآية 112 من سورة آل عمران تحدثنا بالتفصيل عن مصير اليهود وحياتهم التعيسة، (المجلد الثاني من هذا التّفسير).
▲سورة البقرة / الآية 62
62 ) إِنَّ الَّذينَ آمَنُوا وَ الَّذينَ هادُوا وَ النَّصارى وَ الصّابِئينَ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَ الْيَوْمِ الآْخِرِ وَ عَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ
▲التّفسير
▲القانون العام للنّجاة
بعد عرض لمقاطع من تاريخ بني إسرائيل، تطرح هذه الآية الكريمة مبدأ عاماً في التقييم وفق المعايير الإلهيّة، وهذا المبدأ ينص على أنّ الإيمان والعمل الصالح هما أساس تقييم الأفراد، وليس للتظاهر والتصنّع قيمة في ميزان الله: (إنَّ الَّذين آمنوا والَّذين هادوا والنَّصارى والصّابئين من آمن بالله واليوم الاْخر وعمل صالحاً فلهمْ أجْرهمْ عنْد ربِّهمْ ولا خوْفٌ عليْهمْ ولا همْ يحزنون).
هذه الآية تكررت مع اختلاف يسير في سورة المائدة، الآية 72 وفي سورة الحج الآية 17.
سياق الآية في سورة المائدة يشير إلى أنّ اليهود والنصارى فخِروا بدنيهم، واعتبروا أنفسهم أفضل من الآخرين، وادّعوا بأنّ الجنّة خاصّة بهم دون غيرهم.
ولعل مثل هذا التفاخر صدر عن بعض المسلمين أيضاً، ولذلك نزلت هذه الآية الكريمة لتؤكّد أنّ الإيمان الظاهري لاقيمة له في الميزان الإلهي، سواء في ذلك المسلمون واليهود والنصارى وأتباع الأديان الاُخرى. ولتقول الآية أيضاً: إنّ الأجر عند الله يقوم على أساس الإيمان الحقيقي بالله واليوم الآخر إضافة إلى العمل الصالح، وهذا الأساس هو الباعث الوحيد للسعادة الحقيقة والإبتعاد عن كل خوف وحزن.
▲تساؤل هام!
بعض المضللين اتخذوا من الآية الكريمة التي نحن بصددها وسيلة لبثّ شبهة مفادها أنّ العمل بأي دين من الإديان الإلهيّة له أجر عند الله، وليس من اللازم أن يعتنق اليهودي أو النصراني الإسلام، بل يكفي أن يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحاً.
الجواب: نعلم أن القرآن يفسّر بعضه بعضاً، والكتاب العزيز يقول: (ومن يبتغ غيرالإسلام ديناً فلن يقبل منه)(1) .
كما أن القرآن مليء بالآيات التي تدعو أهل الكتاب إلى اعتناق الدين الجديد، وتلك الشبهة تتعارض مع هذه الآيات. من هنا يلزمنا أن نفهم المعنى الحقيقي للآية الكريمة.
ونذكر تفسيرين لها من أوضح وأنسب ما ذكره المفسرون:
1ـ لو عمل اليهود والنصارى وغيرهم من أتباع الأديان السماوية بما جاء في كتبهم، لآمنوا حتماً بالنّبي(صلى الله عليه وآله)، لأنّ بشارات الظهور وعلائم النبي وصفاته مذكورة في هذه الكتب السماوية، وسيأتي شرح ذلك في تفسير الآية 146 من سورة البقرة.
2ـ هذه الآية تجيب على سؤال عَرَضَ لكثير من المسلمين في بداية ظهور الإسلام، يدور حول مصير آبائهم وأجدادهم الذين لم يدركوا عصر الإسلام، تُرى، هل سيؤاخذون على عدم إسلامهم وإيمانهم؟!
الآية المذكورة نزلت لتقول إن كل اُمّة عملت في عصرها بما جاء به نبيّها من تعاليم السماء وعملت صالحاً; فإنّها ناجية، ولا خوف على أفراد تلك الاُمّة ولا هم يحزنون.
فاليهود المؤمنون العاملون ناجون قبل ظهور المسيح، والمسيحيون المؤمنون العاملون ناجون قبل ظهور نبي الإسلام.
وهذا المعنى مستفاد من سبب نزول هذه الآية كما سيأتي.
▲بحوث
▲1ـ قصّة سلمان الفارسي(رحمه الله)
إكمالا للبحث، لا بأس أن نذكر هنا سبب نزول هذه الآية كما جاء في جامع البيان للطبري:
«كان سلمان من جنديسابور، وكان من أشرافهم، وكان ابن الملك صديقاً له مؤاخياً، لا يقضي واحد منهم أمراً دون صاحبه، وكانا يركبان إلى الصيد معاً، فبينما هما في الصيد، إذ بدا لهما بيت من خباء، فأتياه فإذا هما فيه برجل بين يديه مصحف، يقرأ فيه، وهو يبكي.
سألاه: ما هذا؟
قال: إن كنتما تريدان أن تعلما ما فيه فانزلا، حتى اُعلّمكما. فنزلا إليه.
فقال لهما: هذا كتاب من عند الله، أمر فيه بطاعته، ونهى عن معصيته، فيه أن لا تزني ولا تسرق ولا تأخذ أموال النّاس بالباطل، فقص عليهما ما فيه، وهو الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى.
فوقع في قلوبهما، وتابعاه، فأسلما.
وقال لهما: إنّ ذبيحة قومكما عليكما حرام. فلم يزالا معه كذلك يتعلّمان منه.
ثم اتفق أن كان للملك عيد، فجعل طعاماً، ودعى إليه الأشراف، فأبى ابن الملك أن يحضر الوليمة، فدعاه أبوه فقال له: ما أمرك هذا؟
قال: إنّا لا نأكل من ذبائحكم، إنّكم كفّار لا تحل ذبائحكم.
قال له الملك: من أمرك بهذا؟ فأخبره أنّ الراهب أمر بذلك.
فدعا الراهب فقال: ماذا يقول ابني؟
قال: صدق ابنك.
قال له: لولا أنّ الدم فينا عظيم لقتلتك، ولكن اخرج من أرضنا، فأجّله أجلا.
قال سلمان: فقمنا نبكي عليه، فقال لهما: إن كنتما صادقين فأنا في بيعة في الموصل، مع ستين رجلا نعبد الله فيها، فأتونا فيها، فخرج الراهب، وبقي سلمان وابن الملك، فجعل يقول لابن الملك: إنطلق بنا، وابن الملك يقول: نعم.
وجعل ابن الملك يبيع متاعه يريد الجهاز. فلما أبطأ على سلمان، خرج سلمان حتى أتاهم، فنزل على صاحبه، وهو ربّ البيعة، وكان أهل تلك البيعة من أفضل الرهبان. فكان سلمان معهم يجتهد في العبادة ويتعب نفسه.
قال له الشيخ يوماً: إنّك غلام حدث، تتكلف من العبادة ما لا تطيق، وأنا خائف أن تفتر وتعجز، فارفق بنفسك، وخفف عليها.
قال له سلمان: أرأيت الذي تأمرني به أهو أفضل أو الذي أصنع؟
قال: بل الذي تصنع.
قال: فخلّ عنّي، ثم إنّ صاحب البيعة دعاه، فقال: إنّي رجل أضعف عن عبادة هؤلاء، وأنا أريد أن أتحول من هذه البيعة إلى بيعة اُخرى هم أهون عبادة من هؤلاء، فإن شئت أن تقيم هنا فأقم، وإن شئت أن تنطلق معي فانطلق.
قال له سلمان: أي البيعتين أفضل حالا؟
قال: هذه.
قال سلمان: فأنا أكون في هذه، وأوصى صاحبُ البيعة عالم البيعة بسلمان، فكان سلمان يتعبّد معهم.
ثم إنّ الشيخ العالم عزم أن يأتي بيت المقدس، فقال لسلمان: إنّ أردت أن تنطلق معي فانطلق، وإن شئت أن تقيم فأقم.
فقال له سلمان: أيّهما أفضل أنطلق معك أم أقيم؟
قال: بل تنطلق معي، وانطلقا حتى أتيا بيت المقدس.
فقال الشيخ لسلمان: اُخرج فاطلب العلم، فإنه يحضر هذا المسجد علماء أهل الأرض، فخرج سلمان يسمع منهم، فرجع يوماً حزيناً. فقال له الشيخ: ما لك يا سلمان؟ قال: أرى الخير كله قد ذهب به من كان قبلنا من الأنبياء وأتباعهم، فقال له الشيخ: يا سلمان لا تحزن فإنّه بقي نبىّ ليس من نبىّ بأفضل منه، وهذا زمانه الذي يخرج فيه، ولا أراني أدركه، وأمّا أنت فشاب لعلك تدركه، وهو يخرج في أرض العرب، فإنّ أدركته فآمن به واتّبعه، فقال له سلمان: فأخبرني عن علامته بشيء، قال: نعم، هو مختوم في ظهره بخاتم النّبوة، وهو يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة.
ثم اتفق أن افترق سلمان عن الراهب لدى عودتهما من بيت المقدس، ففقده في الطريق، وبينما هو يبحث عنه إذ رآه رجلان عربيان من بني كلب، فأسراه، وأخذاه معهما إلى المدينة، قال سلمان: فأصابني من الحزن شيء لم يصبني مثله قط، فاشترته امرأة من جهينة، فكان يرعى عليها هو وغلام لها يتراوحان الغنم هذا يوماً وهذا يوماً، فكان سلمان يجمع الدراهم ينتظر خروج محمّد(صلى الله عليه وآله) فبينا هو يرعى يوماً إذ أتاه صاحبه الذي يعقبه فقال: أعلمت أنّه قد قدم اليوم المدينة رجل يزعم أنّه نبىّ؟! فقال له سلمان: أقم في الغنم حتى آتيك، فذهب سلمان إلى المدينة، فنظر إلى النبي(صلى الله عليه وآله) ودار حوله، فلما رآه النبي(صلى الله عليه وآله) عرف ما يريد، فأرسل ثوبه حتى خرج خاتمه، فلما رآه أتاه وكلّمه، ثم انطلق فاشترى طعاماً وجاء به، فقال له
النبي(صلى الله عليه وآله): ما هذا؟ قال سلمان: هذه صدقة. قال: لا حاجة لي بها فأخرجها فليأكل المسلمون، ثُمّ انطلق فاشترى طعاماً، فأتى النبي(صلى الله عليه وآله) فقال: ما هذا؟ قال: هدية. قال: فاقعد، فقعد فأكلا جميعاً منها، فبينا هو يحدثه، إذ ذكر أصحابه فأخبره خبرهم، فقال: كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك، ويشهدون أنّك ستبعث نبيّاً، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم، قال له النبي(صلى الله عليه وآله): يا سلمان هم من أهل النار. فاشتدّ ذلك على سلمان، فأنزل الله سبحانه هذه الآية.(1)
▲2ـ من هم الصّابئون؟
يقول الرّاغب الأصفهاني: الصّابئون قوم كانوا على دين نوح(1) وذكرهم إلى جانب المؤمنين واليهود والنصارى يدل على أنّهم كانوا يدينون بدين سماوي ويؤمنون بالله واليوم الآخر.
واعتبر البعض أنّهم مشركون، وقيل عنهم أنّهم مجوس، وليسوا كذلك، لأنّ القرآن ذكرهم إلى جانب المشركين والمجوس إذ قال: (إنَّ الَّذين آمنوا والَّذين هادوا والصَّابئينو النَّصارى والمجوس والَّذين أشركوا...)(2) .
واختلف المفسّرون وأصحاب الملل والنحل في تشخيص هوية الصابئين، ووجه تسميتهم.
«الشّهرستاني» في «الملل والنحل» يقول: الصابئة من صبأ أي انحرف عن طريق الأنبياء، وهؤلاء قوم انحرفوا عن طريق الحق ودين الأنبياء فهم «صابئة».
ويقول «الفيومي» في «المصباح المنير»: إن «صبأ» تعني الخروج من الدين إلى دين آخر.
وفي معجم (دهخدا) الفارسي: الصابئون جمع صابىء وهي كلمة مشتقة من (ص ـ ب ـ ع) العبرية التي تعني الغوص في الماء (أو التعميد)، وسقطت العين في التعريب، وتسمى هذه الطائفة التي تسكن خوزستان باسم (المغتسلة) لذلك.
دائرة المعارف الفرنسية، في المجلد الرابع، ص 22، ذكرت أن هذه الكلمة عربية وتعني الإنغماس في الماء أو التعميد.
(جسينوس) الألماني يذهب إلى أنّ هذه الكلمة عبرية، ولا يستبعد أن تكون مشتقة من كلمة تعني «النّجم».
صاحب كتاب «كشاف اصطلاح الفنون» يقول: «الصابئون فرقة تعبد الملائكة ويقرءون (الزبور) ويتجهون نحو القبلة».
وجاء في كتاب «التنبيه والإشراف» نقلا عن «الأمثال والحكم» ص 1666: «قبل أن يطرح (زراتشت) دعوة المجوسية على (جشتاسب)، وكان أهل هذه الديار على مذهب (الحنفاء)، وهم الصابئون، وهو دين جاء به (بوذاسب) على عهد (طهمورس)».
سبب اختلاف الآراء حول هذه الطائفة يعود إلى قلة أفرادها وإصرارهم على إخفاء تعاليمهم، وامتناعهم عن الدعوة إلى دينهم، واعتقادهم أنّ دينهم خاص بهم لا عام لكل النّاس، وأنّ نبيّهم مبعوث إليهم لا لغيرهم، ولذلك اُحيطوا بكثير من الغموض واكتنفتهم الأسرار، وهم يتجهون نحو الإنقراض.
الالتزام بتعاليمهم على غاية الصعوبة، ففيها أنواع الأغسال والتعميدات في الشتاء والصيف، ويميلون إلى الإنزواء والإبتعاد عن غير أبناء دينهم ويحرمون تزوّج النساء من غير الصابئين، وكثير منهم اعتنق الإسلام نتيجة اختلاطهم بالمسلمين.
▲3ـ معتقدات الصّابئين
يعتقد الصابئة أنّ أول كتاب مقدّس سماوي نزل على آدم، وبعده على نوح، ثم على سام، ثم على «رام»، ثم على إبراهيم الخليل، ثم على موسى، وأخيراً على يحيى بن زكريا.
كتبهم المقدسة:
1ـ «كيزاربا» ويسمى أيضاً «سدره» أو «صحف» آدم، وفيه آراء حول كيفية بدء الخلق.
2ـ كتاب «أدر أفشادهي» أو «سدرادهي» ويتحدث عن يحيى وتعاليمه ويعتقد الصابئة أنّه موحى إلى يحيى عن طريق جبرائيل.
3ـ كتاب «قلستا» وفيه تعاليم الزّواج والزّوجية، وهذا إلى جانب كتب كثيرة اُخرى يطول ذكرها.
يبدو ممّا سبق أنّ هؤلاء أتباع يحيى بن زكريا، الذي يسميه المسيحيون يحيى المعمّد، أو يوحنا المعمّد(1) .
صاحب كتاب «بلوغ الإرب» له رأي آخر بشأن الصّابئة، يقول:
«هم من يعتقد في الأنواء اعتقاد المنجمين في السيارات حتى لا يتحرك ولا يسكن ولا يسافر ولا يقيم إلاّ بنوء من الأنواء ويقول مطرنا بنوء كذا... (2) .
وهؤلاء كانوا قوم إبراهيم الخليل(عليه السلام) وهو أهل دعوته وكانوا بحرّان، فهي دار الصابئة، وكانوا قسمين: صابئة حنفاء، وصابئة مشركين، والمشركون منهم يعظمون الكواكب السبعة والبروج الاثني عشر، ويصورونها في هياكلهم... ويتخذون لها أصناماً تخصها ويقرّبون لها القرابين.
وطوائف منهم يصومون شهر رمضان ويستقبلون في صلواتهم الكعبة ويعظمون مكّة ويرون الحج إليها ويحرمون الميتة والدم ولحم الخنزير ويحرمون من القرابات في النكاح ما يحرم المسلمون، وعلى هذا المذهب كان جماعة من أعيان الدولة ببغداد منهم هلال بن المحسن الصّابي صاحب الديوان الإنشائي وصاحب الرسائل المشهورة، وكان مع المسلمين ويعبد معهم ويزكي ويحرم المحرمات، وكان النّاس يعجبون من موافقته للمسلمين وليس على دينهم، وأصل دين هؤلاء فيما زعموا أنّهم يأخذون محاسن ديانات العالم ومذاهبهم ويخرجون من قبيح ما هم عليه قولا وعملا، ولهذا سمّوا صابئة، أي خارجين، فقد خرجوا عن تقييدهم بجملة كل دين وتفصيله إلاّ مارأوه فيه من الحق»(3) .
من مجموع ما سبق يتبين أنّ الصابئين كانوا في الأصل أتباع أحد الأنبياء وإن اختلف المحققون في تعيين نبيّهم. وتبيّن أيضاً أنّ عدد هؤلاء قليل وهم في حالة إنقراض.
▲سورة البقرة / الآية 63 ـ 64
63 ) وَ إِذْ أَخَذْنا ميثاقَكُمْ وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّة وَ اذْكُرُوا ما فيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
64 ) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذالِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرينَ
▲التّفسير
▲الإلتزام بالميثاق
هاتان الآيتان تطرحان مسألة أخذ ميثاق بني إسرائيل بشأن العمل بالتوراة، ثمّ نقضهم للميثاق: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطُّور) والطور جبل وسيأتي ذكره. وقلنا لكم: (خذوا ما آتيناكم بقوَّة)، واجعلوا التوراة دوماً نصب أعينكم: (واذكروا ما فيه لعلكم تتَّقون).
لكنكم نقضتم الميثاق وجعلتموه وراء ظهوركم: (ثمَّ تولَّيتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين).
▲بحوث
▲1ـ الميثاق
المقصود من الميثاق في الآية الكريمة هو نفس ما جاء في الآية 40 من هذه السّورة وما سيأتي في الآيتين 83 و84 أيضاً. مواد هذا الميثاق عبارة عن: توحيد الله، والإحسان إلى الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين، والقول الصالح، وإقامة الصلاة، وأداء الزكاة، واجتناب سفك الدماء، هذه المواد وردت في التّوراة كذلك.
من الآية 12 لسورة المائدة يتضح أيضاً أن الله أخذ ميثاق بني إسرائيل أن يؤمنوا بجميع
الأنبياء ويساندوهم، وأن ينفقوا في سبيل الله. وفي هذه الآية ضمان للقوم بدخول الجنّة إن عملوا بهذا الميثاق.
▲2ـ رفع جبل الطّور
أمّا بشأن كيفية رفع جبل الطور في قوله تعالى: (ورفعنا فوقكم الطُّور) يقول الطبرسي عن أبي زيد: حدث هذا حين رجع موسى من الطور، فأتى بالألواح، فقال لقومه: جئتكم بالألواح وفيها التوراة والحلال والحرام فاعملوا بها. قالوا: ومن يقبل قولك؟! فأرسل الله عزّ وجلّ الملائكة حتى نتقوا (رفعوا) الجبل فوق رؤوسهم، فقال موسى(عليه السلام): إن قبلتم ما آتيتكم به وإلاّ أرسلوا الجبل عليكم، فأخذوا التوراة وسجدوا لله تعالى ملاحظين الجبل (أي وهم ينظرون إلى الجبل من طرف خفي)، فمن ثمّ يسجد اليهود على أحد شقي وجوههم».(1)
مضمون هذه الآية ورد مع تفاوت بسيط في الآية 93 من سورة البقرة و154 النساء، و117 الأعراف.
الطبرسي ـ كما ذكرنا ـ وجمع من المفسرين ـ يذهبون إلى أنّ جبل الطور رفع فوق رؤوس بني إسرائيل بأمر الله لايجاد الظل عليهم(2) ، وهناك من يقول إنّ زلزالا شديداً ضرب الجبل، بحيث كان يرى بنو إسرائيل ظل قمة الجبل على رؤوسهم من شدة الإهتزاز، وترقبوا أن يسقط الجبل عليهم، لكن الزلزال هدأ بفضل الله واستقرّ الجبل(3) .
ويحتمل أيضاً أن تكون قد انفصلت من الجبل صخرة عظيمة بأمر الله على أثر زلزال شديد أو صاعقة، ومرّت فوق رؤوسهم في لحظات، فرأوها وتصوروا أنها ستسقط عليهم.
▲3ـ الإلتزام والإرهاب
مسألة رفع الجبل فوق بني إسرائيل لتهديدهم عند أخذ الميثاق تثير سؤالا بشأن إمكان تحقيق الالتزام عن طريق التخويف والإرهاب.
هناك من قال: إنّ رفع الجبل فوقهم لا ينطوي على إرهاب وتخويف أو إكراه، لأن أخذ الميثاق بالإكراه لا قيمة له.
والأصح أن نقول: لا مانع من إرغام الأفراد المعاندين المتمردين على الرضوخ للحق بالقوّة. وهذا الإرغام مؤقت هدفه كسر أنفتهم وعنادهم وغرورهم، ومن ثم دفعهم للفكر الصحيح، كي يؤدّوا واجباتهم بعد ذلك عن إرادة واختيار.
على أي حال، هذا الميثاق يرتبط بالمسائل العملية، لا بالجانب الاعتقادي، فالمعتقدات لا يمكن تغييرها بالإكراه.
▲4ـ جبل الطّور
اختلف المفسرون في المقصود من جبل «الطّور»، منهم من قال: إنّه نفس الجبل الذي اُوحي فيه إلى موسى. وقال آخرون: إنّه اسم جنس بمعنى مطلق «الجبل» لا جبل بعينه. وجاء تعبير (الجبل) بدل كلمة الطور في قوله تعالى: (وإذ نتقنا الجبل فوقهم)(1) .
▲5ـ خذوا تعاليم السّماء بقوّة
خاطب الله سبحانه بني إسرائيل فقال: (خذوا ما آتيناكم بقوَّة) وعن هذه الآية سئل الإمام جعفر بن محمّد الصّادق(عليه السلام) عن المقصود من القوّة في هذه الآية: «أَبِقُوَّة بِالاَْبْدَانِ أَمْ بِقُوَّة فِي الْقُلُوبِ»؟
قَالَ: «بِهِمَا جَميعاً»(1) .
وهذا الأمر الإلهي يتجه إلى كل أتباع الأديان الإلهيّة في كل زمان ومكان، ويطلب منهم أن يتجهزوا بالقوى المادية والقوى المعنوية معاً، لصيانة خط التوحيد وإقامة حاكمية الله في الأرض.
▲سورة البقرة / الآية 65 ـ 66
65 ) وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئينَ
66 ) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَ ما خَلْفَها وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقينَ
▲التّفسير
▲عصاة يوم السبت
هاتان الآيتان الكريمتان تتحدثان ـ كالآيات السابقة ـ عن روح العصيان والتمرد المتغلغلة في اليهود، والتصاقهم الشديد بالمسائل المادية: (ولقد علمتم الَّذين اعتدوا منكم في السَّبت فقلنا لهم كونوا قردةً خاسئين)(1) .
(فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفه) أي جعلناها عبرة لتلك الاُمّة ولأمم تليها (وموعظةً للمتَّقين).
ملخص الحادثة التي تشير إليها الآية: «أنّ الله سبحانه أمر اليهود أن يسبتوا ـ أي أن يقطعوا أعمالهم ـ يوم السبت، وهذا الأمر شمل طبعاً أولئك القاطنين قرب البحر الذين يعيشون على صيد الأسماك، وشاء الله أن يختبر هؤلاء، فكثرت الأسماك يوم السبت قرب الساحل بينما ندرت في بقية الأيّام. طفق هؤلاء يتحايلون لصيد الأسماك يوم السبت. فعاقبهم الله على عصيانهم ومسخهم على هيئة حيوان».
وهل كان هذا المسخ جسمي أم نفسي وأخلاقي؟ وأين كان يسكن هؤلاء القوم؟ وبأية حيلة توسلوا للصيد؟ هذا ما سنجيب عليه وعلى غيره من المسائل المرتبطة بهذا الموضوع في هذا التّفسير، لدى توضيح الآيات 163ـ 166 من سورة الأعراف.
وقوله تعالى: (فقلنا لهم كونوا قردةً خاسئين) إشارة إلى فورية المسخ الذي تمّ بأمر إلهي واحد.
ومن المفيد أن ننقل في هذا المجال رواية عن الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام) في تفسير قوله تعالى (فجعلناها نكالا...) قالا: (لما بين يديه) إي لِمَا مَعَهَا يُنْظَرُ إلَيْهَا مِنَ الْقُرَى (في زمان تلك الاُمّة)، (وما خلفه) نحن (المسلمون) ولنا فيها موعظة(2) .
▲سورة البقرة / الآية 67 ـ 74
67 ) وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلينَ
68 ) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَ لا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذالِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ
69 ) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرينَ
70 ) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَ إِنّا إِنْ شاءَ اللّهُ لَمُهْتَدُونَ
71 ) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثيرُ الأَرْضَ وَ لاتَسْقِي الْحرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فيها قالُوا الآْنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ
72 ) وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فيها وَ اللّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
73 ) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذالِكَ يُحْيِ اللّهُ الْمَوْتى وَ يُريكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
74 ) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذالِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهارُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَ مَا اللّهُ بِغافِل عَمّا تَعْمَلُونَ
▲التّفسير
▲قصّة بقرة بني إسرائيل
هذه الآيات تتحدث بالتفصيل عن حادثة اُخرى من حوادث تاريخ بني إسرائيل، هذا التفصيل لم نألفه في الآيات السابقة، ولعله يعود إلى أنّ هذه الحادثة ذكرت في هذا الموضع ـ
لا غير ـ من القرآن الكريم، وإلى أنّها تتضمّن عِبَراً كثيرة تستوجب هذا التفصيل. من هذه الدروس: لجاج بني إسرائيل وعنادهم، ومستوى إيمانهم بكلام موسى(عليه السلام)، وأهمّ من كل هذا البرهنة على إمكان المعاد.
الحادثة (كما يبيّنها القرآن وكتب التّفسير) على النحو التالي: قتل شخص من بني إسرائيل بشكل غامض، ولم يعرف القاتل.
حدث بين قبائل بني إسرائيل نزاع بشأن هذه الحادثة، كل قبيلة تتهم الاُخرى بالقتل، توجّهوا إلى موسى ليقضي بينهم، فما كانت الأساليب الاعتيادية ممكنة في هذا القضاء، وما كان بالإمكان إهمال هذه المسألة لما سيترتب عليها من فتنة بين بني إسرائيل. لجأ موسى ـ بإذن الله ـ إلى طريقة إعجازية لحل هذه المسألة كما ستوضحها الآيات الكريمة(1) .
يقوله سبحانه في هذه الآيات: (وإذ قال موسى لقومه إنَّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرةً قالوا أتتَّخذنا هزو)؟!
(قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين).
أي إنّ الإستهزاء من عمل الجاهلين، وأنبياء الله مبرّأون من ذلك.
بعد أن أيقنوا جديّة المسألة، (قالوا أدع لنا ربَّك يبيِّن لنا ما هي). وعبارة «ربك» تتكرر في خطاب بني إسرائيل لموسى، وتنطوي على نوع من إساءة الأدب والسخرية، وكأن ربّ موسى غير ربهم!!
موسى(عليه السلام) أجابهم: (قال إنَّه يقول إنَّها بقرةٌ لا فارضٌ(2) ولا بكرٌ عوانٌ بين ذلك) أي إنّها لا كبيرة هرمة ولا صغيرة، بل متوسطة بين الحالتين: (فافعلوا ما تؤمرون).
لكن بني إسرائيل لم يكفوا عن لجاجتهم: (قالوا ادع لنا ربَّك يبيِّن لنا ما لونه)؟
أجابهم موسى: (قال إنَّه يقول إنَّها بقرةٌ صفراء فاقع(3) لونها تسرُّ النَّاظرين) أي إنّها حسنة الصفرة لا يشوبها لون آخر.
ولم يكتف بنو إسرائيل بهذا، بل أصرّوا على لجاجهم، وضيّقوا دائرة انتخاب البقرة على أنفسهم.
عادوا و(قالوا ادع لنا ربَّك يبيِّن لنا ما هي) طالبين بذلك مزيداً من التوضيح، متذرعين بالقول: (إنَّ البقر تشابه علينا وإنَّا إن شاء الله لمهتدون).
أجابهم موسى (قال إنَّه يقول إنَّها بقرةٌ لا ذلولٌ تثير الاْرْض ولا تسْقي الْحرْث) أي ليست من النوع المذلل لحرث الأرض وسقيها.
(مسلَّمةٌ) من العيوب كلها.
(لا شية فيه) أي لا لون فيها من غيرها.
حينئذ: (قالوا الآن جئت بالحق).
(فذبحوها وما كادوا يفعلون) أي أنّهم بعد أن وجدوا بقرة بهذه السمات ذبحوها بالرغم من عدم رغبتهم بذلك.
بعد أن ذكر القرآن تفاصيل القصة، عاد فلخّص الحادث بآيتين: (وإذ قتلتم نفساً فادَّارءتم فيه) أي فاختلفتم في القتل وتدافعتم فيه. (والله مخرجٌ ما كنتم تكتمون).
(فقلنا اضربوه ببعضه) أي اضربوا المقتول ببعض أجزاء البقرة، كي يحيى ويخبركم بقاتله. (كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون).
وبعد هذه الآيات البينات، لم تلن قلوب بني إسرائيل، بل بقيت على قسوتها وغلظتها وجفافها. (ثمَّ قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدُّ قسوةً).
إنّها أشدّ قسوة من الحجارة، لأنّ بعض الحجارة تتفجر منها الأنهار، أو تنبع منها المياه أو تسقط من خوف الله: (وإنَّ من الحجارة لما يتفجَّر منه الاْنْهار وإنَّ منْها لما يشقَّق فيخْرج منه الماء وإنَّ منها لما يهبط من خشية الله).
لكن قلوب بني إسرائيل أشدّ قسوة من الحجارة، فلا تنفجر منها عاطفة ولا علم، ولا تنبع منها قطرة حبّ، ولا تخفق من خوف الله.
والله عالم بما تنطوي عليه القلوب وما تفعله الإيدي: (وما الله بغافل عمَّا تعملون).
▲بحوث
▲1ـ أسئلة كثيرة تافهة
«السّؤال» دون شك مفتاح لحل المشاكل، ووسيلة لإزالة الجهل والإبهام، لكنه مثل بقية الاُمور إن تجاوز حدّه وجاء في غير موضعه فإنّه يدلّ على الانحراف ويؤدّي إلى أضرار، ومن ذلك ما نراه في هذه القصة.
بنو إسرائيل اُمروا أن يذبحوا بقرة. وكان بإمكانهم أن يذبحوا أيّة بقرة شاؤوا، لأنّ الأمر الإلهي لم يحدّد شكل البقرة ونوعها، ولو أراد الله بقرة بعينها لحدّد مواصفاتها حين الأمر. لكن الله أمرهم أن يذبحوا «بقرة» وصيغة التنكير تدل على عدم إرادة التحديد.
هؤلاء المعاندون أبوا إلاّ أن يطرحوا أسئلة متكررة، أملا في تضييع الحقيقة وإخفاء القاتل، وبقوا يصرون على ترددهم في الذبح حتى النهاية، وهذا ما تشير إليه عبارة: (فذبحوها وما كادوا يفعلون).
وفي الآيات ما يشير إلى أن مجموعة من بني إسرائيل ـ على الأقل ـ كانت تعرف القاتل، وقد يكون القتل قد تمّ بمؤامرة بين هؤلاء الأفراد، لكنهم كانوا يكتمون الأمر، ولهذا يقول سبحانه: (والله مخرجٌ ما كنتم تكتمون).
أضف إلى ما سبق أنّ أهل العناد واللجاج يكثرون دائماً من الجدل والاحتجاج على كل شيء.
وثمّة قرائن في الآيات توضح أن هؤلاء القوم لم تكن لهم معرفة كاملة بالله ولا بالنّبي المرسل إليهم، لذلك قالوا له بعد كل أسئلتهم: (الآن جئت بالحقِّ)، وكأنّ ما جاء به حتى ذلك الوقت كان باطلا!!
والملاحظ أنّ الله سبحانه ضيّق عليهم دائرة الإنتخاب، واشتد بذلك عليهم التكليف كلّما زادوا في أسئلتهم، لأنّهم مستحقون لمثل هذا العقاب، ولذلك نرى في الأثر حثّ على السكوت عمّا سكتت عنه تعاليم السماء ففي ذلك حكمة،(1) عن النبي(صلى الله عليه وآله): «أَنَّهُمْ اُمِرُوا بِأَدْنى بَقَرَة وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا شَدَّدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ شَدَّدَ الله عَلَيْهِمْ»(2) .
▲2ـ مدلول هذه الأوصاف
كان تكليف بني إسرائيل ـ كما ذكرنا ـ مطلقاً غير مقيّد بمواصفات معيّنة، لكن لجاج هؤلاء ضيّق عليهم الدائرة وغيّر عليهم حكم التكليف(1) .
إلى جانب هذه الحقيقة، ثمّة حقيقة اجتماعية قد يمكن استنتاجها من الأوصاف التي ذكرت للبقرة.
يبدو أن القرآن يريد أن يبين أنّ البقرة التي كتب لها أن تحيي فرداً ميّتاً ينبغي أن لا تكون «ذلولا» أي تأبى التسليم والخضوع الأعمى، كما أنّها ذات لون واحد خالص لا تشوبه ألوان اُخرى.
وهذا يعني أنّ القائد الذي يستهدف إحياء المجتمع ينبغي أوّلا أن يكون متحرراً من تأثيرات الضغوط الاجتماعية التي يمارسها أصحاب الثروة والجاه والقوّة، وأن يستسلم لله وحده دون أن تأخذه في ذلك لومة لائم، كما أن القائد يجب أن يكون مبرّءاً من أي لون غير اللون التوحيدي، ومثل هؤلاء الأفراد فقط يستطيعون أن يعالجوا اُمور النّاس باتزان واعتدال ويبعثوا في قلوب وأفكار اُمّتهم الخصب والحياة.
أما المنشدّ بنير الدنيا والخاضع لها والمشوب بالألوان والأهواء فلا يستطيع أن يحيي القلوب الميتة، ولا يقدر أن ينهض بدور الإحياء.
▲3ـ ما هو دافع القتل؟
تذكر كتب التاريخ والتّفسير أن دافع القتل في هذه الحادثة إمّا المال، أو الزّواج.
من المفسرين من قال إنّ ثرياً من بني إسرائيل لم يكن له وارث سوى ابن عمه، فطال عمر هذا الثري ولم يطق الوارث مزيداً من الإنتظار، فقتله خفية ليحصل على أمواله، وألقى جسده في الطريق، ثم بدأ بالصراخ والعويل، وشكا الأمر إلى موسى.(1)
وقال آخرون: إنّ القاتل أراد أن يتزوج من ابنة القتيل، فرفض ذلك، وزوّج ابنته إلى أحد أخيار بني إسرائيل. فقعد له وقتله، ثم شكا القاتل الأمر إلى موسى.(2)
ومن الممكن أن تشير القصة إلى حقيقة هي: إنّ كل المفاسد والجرائم مصدرها في الغالب أمران: الطمع في المال، والطمع في الجنس.
▲4ـ العِبر في هذه القصّة
هذه القصة لها دلالات على قدرة الله اللامتناهية، وكذلك على مسألة المعاد، ولذلك وردت في الآية 73 عبارة (كذلك يحي الله الموتى) إشارة إلى مسألة المعاد، وعبارة (ويريكم آياته) تأكيد على قدرة الله وعظمته.
إضافة إلى ماسبق، هذه القصة تتحدث عن سنّة من سنن الله تعالى، وهي أنّ الاُمّة تستوجب غضب الله حين تصرّ على عنادها ولجاجها واستهتارها بكل شيء.
العبارات التي وردت على لسان بني إسرائيل في هذه القصة توضّح أنّ هؤلاء القوم بلغوا الذروة في إهانة النبي، بل وبلغت بهم الجرأة إلى إساءة الأدب تجاه ربّ العالمين.
في البداية قالوا لنبيّهم: (أتتَّخذنا هزو)؟ وبذلك اتهموا نبيّهم بارتكاب ذنب الاستهزاء بالآخرين.
وفي مواضع عديدة خاطبوه بعبارة (ادع لنا ربَّك)، وكأن ربّ موسى غير ربّهم، مع أنّ موسى قد قال لهم: (إنَّ الله يأمركم).
وقالوا له أيضاً: (ادع لنا ربَّك يبيِّن لنا ما هي إنَّ البقر تشابه علينا وإنَّا إن شاء الله لمهتدون)ويعنون بذلك أنّ كلام موسى أدّى إلى ضلالهم في تشخيص البقرة، ثمّ يخاطبوه في النهاية: (الآن جئت بالحقِّ).
هذه التعبيرات تدل على جهل هؤلاء القوم وتعنّتهم وغرورهم ولجاجهم.
وهذه القصة من جهة اُخرى تعلّمنا أننا ينبغي أن لا نتزمّت ولا نتشدّد في الاُمور كي لا يتشدّد الله معنا.
ولعل انتخاب البقرة للذبح يستهدف غسل أدمغة هؤلاء القوم من فكرة عبادة العجل.
▲5ـ الإحسان إلى الأب
يذكر المفسرون أنّ البقرة التي ذكرت الآيات مواصفاتها، كانت وحيدة لا تشاركها بقرة اُخرى في ذلك، ولذلك اضطر القوم إلى شرائها بثمن باهظ.
ويقولون: إنّ هذه البقرة كانت ملكاً لشاب صالح على غاية البّر بوالده، هذا الرجل واتته سابقاً فرصة صفقة مربحة، كان عليه أن يدفع فيها الثمن نقداً، وكانت النقود في صندوق مغلق مفتاحه تحت وسادة والده، حين جاء الرجل ليأخذ المفتاح وجد والده نائماً، فأبى إيقاظه وازعاجه، ففضّل أن يترك الصفقة على أن يوقظ والده.
وقال بعض المفسرين: «كان البائع على استعداد لأن يبيع بضاعته بسبعين ألفاً نقداً، ولكن الرجل أبى أن يوقظ والده واقترح شراء تلك البضاعة بثمانين ألفاً على أن يدفع المبلغ بعد استيقاظ والده، وأخيراً لم تتم صفقة المعاملة، ولذا أراد الله تعالى تعويضه على ايثاره هذا بمعاملة اُخرى وفيرة الربح.
وقالوا أيضاً: بعد أن استيقظ الوالد وعلمه بالأمر، أهدى لولده البقرة المذكورة، فدرّت عليه ربحاً عظيم(1) ».
وإلى هذه القصّة يشير رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذ يقول: «اُنْظُروا إلَى البّر مَا بَلَغَ بَأَهْلِهِ»(2) .
▲سورة البقرة / الآية 75 ـ 77
75 ) أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَ قَدْ كانَ فَريقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ
76 ) وَ إِذا لَقُوا الَّذينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَ إِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْض قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
77 ) أَ وَ لا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ
▲سبب النّزول
روي عن الإمام أبي جعفر محمّد بن علي الباقر(عليه السلام) أنّه قال: «كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِ لَيْسُوا مِنَ الْمُعَانِدِينَ الْمُتَوطِئِينَ، إذَا لَقُوا الْمُسْلِمِينَ حَدَّثُوهُمْ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ مَنْ صِفَةِ محمّد، فَنَهَاهُمْ كُبَراؤُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالُوا: لاَ تُخْبِرُوهُمْ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ صَفَةِ محمّد فَيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ فَنَزَلَتْ هذِهِ الآية»(1) .
▲التّفسير
▲لا أمل في هؤلاء
كان سياق الآيات السابقة يتجه نحو سرد تاريخ بني إسرائيل، وفي هاتين الآيتين يتجه الخطاب نحو المسلمين ويقول لهم: لا تعقدوا الآمال على هداية هؤلاء اليهود، فهم مصّرون على تحريف الحقائق ونكران ما عقلوه (أفتطمعون أن يومنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام الله ثمَّ يحرِّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون)!
وهذه عظة للمسلمين، ودفع لما قد يعتريهم من يأس نتيجة عدم استطاعتهم إقناع اليهود وجذبهم إلى الدين الجديد.
الآيتان الكريمتان توضحان أن السبب في عدم استسلام هؤلاء القوم أمام المعجزة القرآنية وسائر المعاجز النبوية الاُخرى، إنّما يعود لعناد متأصل في هؤلاء ورثوه عن آبائهم الذين سمعوا كلام الله عند جبل الطور، ثم ما لبثوا أن حرّفوه بعد عودتهم.
من عبارة (وقد كان فريقٌ منهم...) نفهم أنّ بني إسرائيل لم يكونوا بأجمعهم محرفين، بل إنّ فريقاً منهم ـ ومن المحتمل أن يشكل عددهم أكثرية بني إسرائيل ـ كانوا هم المحرفين.
ورد في أسباب النّزول أن مجموعة من بني إسرائيل حين عادوا من جبل الطور قالوا: «سمعنا أنّ الله قال لموسى: إعملوا بأوامري قدر استطاعتكم، واتركوها متى تعذر عليكم العمل بها»! وكان ذلك أول تحريف في بني إسرائيل.
على أي حال، كان من المتوقع أن يكون اليهود أول من يؤمن بالرسالة الإسلامية بعد إعلانها لأنّهم أهل كتاب (خلافاً للمشركين)، ولأنّهم قرأوا صفات النبي(صلى الله عليه وآله) في كتبهم، لكن القرآن يوجه أنظار المسلمين إلى سوء السابقة لدى هؤلاء القوم، ويوضح لهم أنّ الانحراف النفسي يدفع إلى الإعراض عن الحقيقة، مهما كانت هذه الحقيقة واضحة بيّنة.
الآية التّالية تلقي الضوء على حقيقة مُرّة اُخرى بشأن هذه الزمرة المنافقة وتقول: (وإذا لقوا الَّذين آمنوا قالوا آمنَّا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدِّثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجّوكم به عند ربكم أفلا تعقلون)؟!
من المحتمل أيضاً أن تتحدث هذه الآية في صدرها عن المنافقين من اليهود الذين يتظاهرون بالإيمان لدى لقائهم بالمسلمين، ويبرزون إنكارهم عند لقائهم بأصحابهم، بل يلومون أولئك اليهود الذين يكشفون للمسلمين عمّا في التوراة من أسرار.
هذه الآية ـ على أي حال ـ تأييد للآية السابقة، التي نهت المسلمين عن عقد الأمل على إيمان مثل هؤلاء القوم.
عبارة (بما فتح الله عليكم) قد تعني الميثاق الإلهي الذي كان محفوظاً لدى بني إسرائيل. وقد تشير إلى الأسرار الإلهيّة المرتبطة بالشريعة الجديدة.
ويتضح من الآية أنّ إيمان هذه الفئة المنافقة من اليهود، كان ضعيفاً إلى درجة أنّهم تصوروا الله مثل إنسان عاديّ، وظنوا أنهم إذا أخفوا شيئاً عن المسلمين فسيخفى عن الله أيضاً.
لذلك تقول الآية التالية بصراحة: (أو لايعلمون أنَّ الله يعلم مايسرُّون وما يعلنون)؟!
▲سورة البقرة / الآية 78 ـ 79
78 ) وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لايَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ
79 ) فَوَيْلٌ لِلَّذينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْديهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَليلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْديهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ
▲سبب النّزول
عمد جمع من علماء اليهود إلى تغيير صفات نبىّ الإسلام في التوراة من أجل صيانة مصالحهم، واستمرار الأموال التي كانت تتدفق عليهم سنوياً من جَهَلَة اليهود. فعند ظهور النبي(صلى الله عليه وآله) غيّروا ما ذكر من صفاته في التوراة وأبدلوها بصفات اُخرى على العكس منها، كي يموّهوا الأمر على الاُميين الذين كانوا قد سمعوا من قبل بصفات النبي في التوراة، فمتى ما سألوا علماءهم عن هذا النبي الجديد قرؤوا لهم الآيات المحرّفة من التوراة لإقناعهم بهذه الطريقة.(1)
▲التّفسير
▲خطّة اليهود في استغلال الجهلة!
بعد الحديث عن إنحرافات اليهود في الآيات السابقة قسّمت هاتان الآيتان اليهود إلى مجموعتين: اُميين وعلماء ماكرين، (هناك طبعاً أقلّية من علمائهم آمنت والتحقت بصفوف المسلمين).
عن المجموعة الاُولى يقول تعالى: (ومنهم امِّيُّون لا يعلمون الكتاب إلاَّ أمانيَّ وإن هم إلاَّ يظنُّون).
والاُميّون جمع اُمّيّ، والاُمّيّ غير الدارس، وسمّوا بذلك لأنّهم في معلوماتهم كما ولدتهم اُمهاتهم، أو لشدّة تعلق اُمّهاتهم بهم، صعب عليهنّ فراقهم جهلا، ومنعنهم من الذهاب إلى المدرسة(1) .
والأماني جمع اُمنية، ولعل الآية تشير هنا إلى الإمتيازات الموهومة التي كان ينسبها اليهود لأنفسهم، كقولهم: (نحن أبناء الله وأحبَّاؤه)(2) ، وكقولهم: (لن تمسَّنا النَّار إلاّ أيَّاماً معدودات)(3) .
ومن المحتمل أيضاً أن يكون المقصود من الأماني الآيات المحرفة التي كان علماء اليهود يشيعونها بين الاُميين من الناس، وهذا المعنى ينسجم أكثر مع قوله تعالى: (لايعلمون الكتاب إلاَّ أ مانيِّ).
وعلى أي حال عبارة: (إن هم إلاَّ يظنُّون) دلالة واضحة على بطلان اتّباع الظن في فهم اُصول الدين ومعرفة مدرسة الوحي، ولابدّ من التتبع والتحقيق في هذا الأمر.
ثمّة مجموعة اُخرى من العلماء كانت تحرف الحقائق لتحقيق مصالحها، وإلى هؤلاء يشير القرآن: (فويلٌ للَّذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثمَّ يقولون هذا من عند الله...).
(فويلٌ لهم ممَّا كتبت أيديهم...).
(وويلٌ لهم ممَّا يكسبون).
ومن العبارة الأخيرة نفهم الهدف الدنيء لهؤلاء، وكذلك عاقبتهم الوخيمة.
وقد أورد بعض المفسرين حديثاً عن الإمام الصادق(عليه السلام) في تفسير هذه الآية حديث فيه ملاحظات هامة:
قال رجل للصادق(عليه السلام): إذا كان هؤلاء العوام من اليهود لا يعرفون الكتاب إلاّ بما يسمعونه من علمائهم، فكيف ذمّهم بتقليدهم والقبول من علمائهم؟ وهل عوام اليهود إلاّ كعوامنا، يقلّدون علماءهم ـ إلى أن قال ـ فقال(عليه السلام): «بين عوامنا وعوام اليهود فرق من جهة، وتسوية من جهة، أمّا من حيث الاستواء فإنّ اللّه ذمّ عوامنا بتقليدهم علماءهم، كما ذمّ عوامهم، وأمّا من حيث افترقوا فإنّ عوام اليهود كانوا قدعرفوا علماءهم بالكذب الصراح، وأكل الحرام، والرشاء وتغيير الأحكام، واضطرّوا بقلوبهم إلى أنّ من فعل ذلك فهو فاسق، لايجوز أن يصدّق على الله، ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله، فلذلك ذمّهم، وكذلك عوامنا إذا عرفوا من علمائهم الفسق الظاهر، والعصبيّة الشديدة، والتكالب على الدُنيا وحرامها، فمن قلّد مثل هؤلاء فهو مثل اليهود الذين ذمّهم الله بالتقليد لفسقة علمائهم، فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه، وذلك لايكون إلاّ بعض فقهاء الشيعة لا كلّهم، فإنَّ من ركب من القبائح والفواحش مراكب علماء العامّة، فلا تقبلوا منهم عنّا شيئاً، ولاكرامة، وإنمّا كثر التخليط فيما يتحمّل عنّا أهل البيت لذلك، لأنَّ الفسقة يتحمّلون عنّا فيحرّفونه بأسره لجهلهم، ويضعون الأشياء على غير وجهها لقلّة معرفتهم وآخرون يتعمّدون الكذب علينا»(4) .
واضح أنّ هذا الحديث لا يدور حول التقليد التعبدي في الأحكام، بل يشير إلى اتّباع العلماء من أجل تعلم اُصول الدين، لأنّ الحديث يتناول معرفة النبي، وهذه المعرفة من اُصول الدين، ولا يجوز فيها التقليد التعبدي.
▲سورة البقرة / الآية 80 ـ 81
80 ) وَ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
81 ) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فيها خالِدُونَ
▲التّفسير
▲غرور وادعاء فارغ
يشير القرآن الكريم هنا إلى واحدة من إدّعاءات اليهود الدالة على غرورهم، هذا الغرور الذي يشكل الأساس لكثير من انحرافات هؤلاء القوم:
(وقالوا لن تمسَّنا النَّار إلاَّ أيَّاماً معدودةً)، ثم تجيبهم الآية بأسلوب مُفحِم: (قل أتَّخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون).
اعتقاد اليهود بأنّهم شعب الله المختار، وأنّ عنصرهم متفوق على سائر الأجناس البشرية، وأنّ مذنبيهم لن يدخلوا جهنم سوى أيّام قليلة ليتنعّموا بعدها بالجنّة، من مظاهر أنانية هؤلاء واستفحال ذاتياتهم.
إدعاء اليهود المذكور في الآية الكريمة لا ينسجم مع أي منطق، إذ لا يمكن أن يكون بين أفراد البشر أي تفاوت في نيل الثواب والعقاب أمام الله سبحانه وتعالى.
بِمَ استحق اليهود أن يكونوا مستثنين من القانون العام للعقاب الإلهي؟!
الآية الكريمة تدحض مزاعمهم بدليل منطقي، وتفهمهم أن مزاعمهم هذه إمّا أن تكون قائمة على أساس عهد لهم اتخذوه عند اللّه، ولا يوجد مثل هذا العهد، أو أن تكون من افترائهم الكذب على الله.
ثمّ تبيّن الآية الكريمة التّالية قانوناً عاماً يقوم على أساس المنطق وتقول: (بلى من كسب سيئةً و أحاطت به خطيئته فاولئك أصحاب النَّارهم فيها خالدون).
وهذا القانون عام يشمل المذنبين من كل فئة وقوم.
وبشأن المؤمنين الأتقياء، فهناك قانون عام شامل تبيّنه الآية التالية: (والّذين آمنوا وعملوا الصَّالحات اولئك أصحاب الجنَّة هم فيها خالدون).
▲بحوث
▲1ـ كسب السيئة
الكسب والإكتساب: الحصول على الشيء عن إرادة واختيار، من هنا عبارة (بلى من كسب سيِّئةً) إشارة إلى اُولئك الذين يرتكبون الذنوب عن علم وانتخاب، وتعبير الآية بكلمة «كَسَبَ» قد يكون إشارة إلى المحاسبة الخاطئة العاجلة التي يرتكب المذنب على أساسها ذنبه ظاناً أنّه يكسب بارتكاب الذنب نفعاً، ويتحمل بتركه خسارة! وإلى مثل هؤلاء المذنبين تشير آية كريمة ستأتي بعد عدد من الآيات إذ يقول سبحانه: (اولئك الَّذين اشتروا الحياة الدُّنيا بالاْخرة فلا يخفَّف عنْهم الْعذاب ولا همْ ينْصرون).
▲2ـ إحاطة الخطيئة
الخطيئة تستعمل غالباً في الذنوب التي لا يرتكبها صاحبها عن عمد، لكنها وردت في هذه الآية بمعنى الذنوب الكبيرة(1) ، أو بمعنى آثار الذنب في قلب الإنسان وروحه(2) .
مفهوم إحاطة الخطيئة يعني إنغماس الفرد في الذنب إلى درجة يصبح ذلك الفرد سجين ذنبه.
بعبارة أوضح، الذنوب الكبيرة والصغيرة تبدأ على شكل «فعل» ثم تتحول إلى «حالة» ومع الاستمرار والإصرار تتحول إلى «ملَكة». وعند اشتدادها تغمر وجود الإنسان وتصبح عين وجوده، عندئذ لا تجدي مع هذا الفرد موعظة ولا يؤثر فيه توجيه ولا نصح، إذ أنه عَمِلَ عن اختيار على قلب ماهيته فمثلهم مثل دودة القز التي تلف حولها من نسيج الحرير حتى تمسي سجينة عملها.
الآية الكريمة تتحدث عن خلود مثل هؤلاء الأفراد في النار، وهذا يعني أنّ هؤلاء يغادرون الدنيا وهم مشركون. لأنّ الشرك هو الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله سبحانه: (إنَّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)(3) .
▲3ـ عنصرية اليهود
نفهم من الآيات الكريمة أنّ روح التمييز العنصري لدى اليهود، التي هي مبعث كثير من مشاكل الساحة العالمية اليوم، كانت راسخة لدى اليهود منذ تلك الأيّام. وكانوا يعتقدون بوجود تفوّق وامتياز لعنصر بني إسرائيل على سائر الأجناس البشرية الاُخرى، ولا زالت هذه الذهنية سائدة لدى هؤلاء القوم بعد مرور آلاف السنين على أسلافهم الذين يتحدث عنهم القرآن الكريم، وهذا التعصب العنصري هو الأساس الذي تقوم عليه الدولة الصهيونية الغاصبة اليوم.
هؤلاء يعتقدون بأنّ عنصرهم متميز عن سائر البشر لا في هذه الدنيا فحسب، بل في الآخرة أيضاً، حيث لا ينال المجرم منهم ـ على رأيهم ـ سوى عقوبة خفيفة قصيرة، وهذه التصورات المغلوطة هي التي دفعتهم إلى أن يرتكبوا ألوان الجرائم والموبقات(1) .
▲سورة البقرة / الآية 82 ـ 86
82 ) وَ الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فيها خالِدُونَ
83 ) وَ إِذْ أَخَذْنا ميثاقَ بَني إِسْرائيلَ لاتَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ ذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكينِ وَ قُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً وَ أَقيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاّ قَليلاً مِنْكُمْ وَ أَنْتُمْ مُعْرِضُونَ
84 ) وَ إِذْ أَخَذْنا ميثاقَكُمْ لاتَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَ لاتُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
85 ) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَ تُخْرِجُونَ فَريقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْض فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذالِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَ مَا اللّهُ بِغافِل عَمّا تَعْمَلُونَ
86 ) أُولئِكَ الَّذينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالآْخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ
▲التّفسير
▲النّاكثون
تقدم ذكر ميثاق بني إسرائيل، ولكن الآيات السابقة لم تتعرض إلى تفاصيل هذا الميثاق على النحو المذكور في هذه الآيات. يشير سبحانه في هذه الآيات إلى مواد هذا الميثاق، وهي بأجمعها ـ أو معظمها ـ من المبادىء الثابتة في الأديان الإلهيّة، وموجودة بشكل من
الأشكال في كل الأديان السماوية.
القرآن يندّد في هذه الآيات بشدّة باليهود لنقضهم هذه العهود، ويتوعدهم نتيجة لهذا النقض بالخزي في الحياة الدنيا والعذاب في الآخرة.
بنود هذا العهد الذي أقرّ به بنو إسرائيل:
1ـ التوحيد وإخلاص العبودية لله: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلاَّ الله).
2ـ الإحسان إلى الوالدين: (وبالوالدين إحسان).
3ـ الإحسان إلى الأقارب واليتامى والفقراء: (وذي القربى واليتامى والمساكين).
4ـ التعامل الصحيح مع الآخرين: (وقولوا للنَّاس حسن).
5ـ إقامة الصلاة: (وأقيموا الصَّلاة).
6ـ إيتاء الزكاة: (وآتوا الزَّكاة).
ثم تذكر الآية الكريمة نقض القوم للميثاق وعدم وفائهم بالعهد: (ثمَّ تولَّيتم إلاّ قليلا منكمو أنتم معرضون).
7ـ عدم سفك الدماء: (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم).
8ـ عدم إخراج بني جلدتكم من ديارهم: (ولا تخرجون أنفسكم من دياركم).
9ـ إفداء الأسرى، أي بذل المال لتحريرهم من الأسر (وهذا البند نفهمه من عبارة (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)، وسيأتي ذكرها).
ثم تذكر الآية إقرار القوم بالميثاق: (ثمَّ أقررتم وأنتم تشهدون).
ثم يتعرض القرآن إلى نقض بني إسرائيل للميثاق، بقتل بعضهم وتشريد بعضهم الآخر: (ثمَّ أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم). ويشير القرآن إلى تعاون بعضهم ضد البعض الآخر. (تظاهرون عليهم بالاْثم والْعدْوان).
ثم يشير إلى تناقض هؤلاء في مواقفهم، إذيحاربون بني جلدتهم ويخرجونهم من ديارهم، ثم يفدونهم إن وقعوا في الأسر: (وإن يأتوكم اسارى تفادوهم وهو محرَّمٌ عليكم إخراجهم).
فهم يفادونهم استناداً إلى أوامر التوراة، بينما يشردونهم ويقتلونهم خلافاً لما أخذ الله عليهم من ميثاق: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)؟!
ومن الطبيعي أن يكون هذا الانحراف سبباً لانحطاط الإنسان في الدنيا والآخرة:
(فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلاَّ خزيٌ في الحياة الدُّنيا ويوم القيامة يردُّون إلى أشدِّ العذاب).
وإنحرافات أيّة اُمة من الاُمم لابدّ أن تعود عليها بالنتائج الوخيمة، ذلك لأنّ الله سبحانه وتعالى أحصاها عليهم بدقّة: (وما الله بغافل عمَّا تعملون).
الآية الأخيرة تشير إلى تخبط بني إسرائيل وتناقضهم في مواقفهم، والمصير الطبيعي الذي ينتظرهم نتيجة لذلك: (اولئك الَّذين اشتروا الحياة الدُّنيا بالآخرة فلا يخفَّف عنهم العذاب ولا هم ينصرون).
▲بحوث
▲1ـ إشارة تأريخية
في الآيات إشارة لتناقض بني إسرائيل في مواقف بعضهم من البعض الآخر. قيل في ذلك: «كان بنو إسرائيل إذا استضعف قوم قوماً أخرجوهم من ديارهم، وقد اُخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، واُخذ عليهم الميثاق إنّ أسر بعضهم بعضاً أن يفادوهم، فأخرجوهم من ديارهم ثم فادوهم، فآمنوا بالفداء ففدوا وكفروا بالإخراج من الديار فأخرجوهم».
وروي في المعنيّ بهذه الآية: «أنّ قريظة والنضير كانا أخوين كالأوس والخزرج فافترقوا فكانت النضير مع الخزرج وكانت قريظة مع الأوس، فإذا اقتتلوا عاونت كل فرقة حلفاءها، فإذا وضعت الحرب أوزارها فدوا اُسراها تصديقاً لما في التوراة، والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان لا يعرفون جنّة ولا ناراً ولا قيامة ولا كتاباً، فأنبأ الله تعالى اليهود بما فعلوه»(1) .
وهكذا سقط اليهود وغيرهم من أهل العناد في مثل هذه التناقضات في حياتهم لانحرافهم عن خط العبودية التّامة لله تعالى.
▲2ـ الإزدواجية في الالتزام
مرّ بنا أن القرآن الكريم يوبّخ اليهود بشدّة على التزامهم ببعض الأحكام الإلهيّة وتركهم لبعضها الآخر، وينذرهم بخزي الدنيا وبعذاب الآخرة وخاصّة في عملهم بالأحكام الجزئية، ومخالفتهم لأهم الاحكام الشرعية، أي قانون حرمة إراقة الدماء، وتهجير من يشاركهم في العقيدة من ديارهم وأوطانهم.
هؤلاء في الواقع التزموا بالأحكام التي تنسجم مع مصالحهم الدنيوية من الأحكام، أمّا حين تقتضي مصلحتهم أن يريقوا دم الآخرين ويستضعفوهم، فلا يألون جهداً في إرتكاب كل ذلك مخالفين بذلك أهم أحكام ربّ العالمين. التزامهم بفداء الأسرى لاينطلق من روح تعبدّية، بل من روح مصلحية ترى أنّ من مصلحتها أن تفدي الأسرى اليوم، كي تُفدى هي حين تقع بالأسر في المستقبل.
العمل بالأحكام المنسجمة مع مصالح الإنسان الدنيوية، ليس دلالة على طاعة الله وعبادته، لأنّ الدافع لم يكن الإستجابة إلى دعوة الله بقدر ما كان إستجابة لنداء الذات والمصالح الذاتية، روح الطاعة تبرز لدى التزام الإنسان بما لا ينسجم مع مصالحه الآنيّة الذاتية. وهذا هو المعيار الذي يميّز به المؤمن عن العاصي، فالإزدواجية في الالتزام بأحكام الله تعالى، تدلّ على روح العصيان، بل أحياناً على عدم الإيمان وبعبارة اُخرى، إنّ الإيمان يظهر أثره فيما لو كان القانون على خلاف مصالح الفرد ومع ذلك يلتزم به الفرد، وإلاّ فانّ العمل بالأحكام الشرعية، إذا اتفقت مع المصالح الشخصيّة لايعتبر افتخاراً ولا علامة على الإيمان ولهذا يمكن تمييز المؤمنين عن المنافقين من هذا الطريق فالمؤمنون يلتزمون بجميع الأحكام، والمنافقون يذهبون إلى التبعيض.
ومصير هذه الاُمّة ـ بالتعبير القرآني ـ الخزي في الدنيا وأشدّ العذاب في الآخرة... ولا خزي أكبر من سقوط هذه الاُمّة السائرة على خط الإزدواجية بيد الغزاة الأجانب، وهبوطها في مستنقع الذلة على الساحة العالمية.
هذه السنّة الكونية لا تقتصر على بني إسرائيل، بل هي سارية في كل زمان ومكان، وتشملنا نحن المسلمين أيضاً، وما أكثر الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض في مجتمعاتنا اليوم! وما أشقى هؤلاء في الدنيا والآخرة!
▲3ـ منهج البقاء وعوامل السقوط
الآيات الكريمة في معرض حديثها عن بني إسرائيل تطرح سنناً كونية في بقاء الشعوب وانحطاطها.
أهم عامل لبقاء الاُمّة ورفعتها وعزتها في المنظار القرآني، اعتماد الاُمّة على قوّة الله وقدرته الأبدية وخضوعها له وحده دون سواه وخشيته وحده دون غيره: (لا تعبدون إلاَّ الله).
ومن عوامل البقاء أيضاً التلاحم الاجتماعي بين أفراد الاُمّة، وهذا ما يعبّر عنه القرآن بالإحسان إلى الوالدين باعتبارهما أقرب أفراد المجتمع إلى الإنسان، ثم الإحسان إلى ذي القربى، ثم بعد ذلك إلى عامّة أفراد المجتمع من الفقراء والمساكين وغيرهم من النّاس.
إزالة التمييز الطبقي ورفع الهوّة السحيقة الفاصلة بين الأغنياء والفقراء في المجتمع، عن طريق إيتاء الزكاة، ومن عوامل بقاء المجتمع أيضاً ورفعته.
أما عوامل السقوط فهي عبارة عن تفكّك البنية الاجتماعية، ونشوب النزاعات والحروب الداخلية بين أفراد المجتمع، واستضعاف بعضهم بعضاً. (لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم...).
ثم الإزدواجية في الالتزام بأحكام الله تعالى عامل هام من عوامل السقوط، يدفع بالأفراد لأن يتحركوا حول محور مصالحهم الآنيّة الذاتية الضيقة، فيلتزموا بالقوانين التي تحفظ لهم منافعهم الشخصية، ويتركوا القوانين النافعة للمجتمع (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض).
هذه هي الأسباب والعلل في تكامل وانحطاط الامم والحضارات في منظور القرآن.
▲سورة البقرة / الآية 87 ـ 88
87 ) وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ قَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَ آتَيْنا عيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لاتَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَريقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَريقاً تَقْتُلُونَ
88 ) وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَليلاً ما يُؤْمِنُونَ
▲التّفسير
▲القلوب المغلّفة
الحديث في هاتين الآيتين عن بني إسرائيل، وإن كانت المفاهيم والمعايير التي تطرحها الآيتان عامّة وشاملة.
تقول الآية الاُولى: (ولقد آتينا موسى الكتاب) ثم تذكر بعثة الأنبياء بعد موسى مثل داود وسليمان ويوشع وزكريا ويحيى...(وقفَّينا من بعده بالرُّسل)، وتشير إلى بعثة عيسى (وآتينا عيسى ابن مريم البيِّنات وأيَّدناه بروح القدس)، لكن تعامل بني إسرائيل كان مع كل هؤلاء الأنبياء قائماً على أساس نزعات هوى النفس (أفكلَّما جاءكم رسولٌ بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم)؟! وكان موقفهم إمّا اغتيال شخصية النبي أو شخص النبي: (ففريقاً كذَّبتم وفريقاً تقتلون)، لو كان اغتيال الشخصية كافياً لتحقيق أهدافهم الدنيئة اكتفوا بذلك، وإن لم يكن كافياً سفكوا دمه!!
ذكرنا في تفسير الآيات السابقة عند حديثنا عن الإزدواجية في الالتزام بالاحكام الإلهيّة أنّ معيار الإيمان والتسليم هو الالتزام بما لا تهوى النفس، لأنّ كل أصحاب الأهواء مستسلمون لما ينسجم مع ميولهم وأهوائهم.
ومن جانب آخر يستفاد من الآية أنّ القادة الإلهيين لم يكونوا يأبهون بمعارضة أصحاب الأهواء، وهذا هو شأن القائد لمنهج الحق. ولو انساقوا وراء أهواء الآخرين لما كانوا قادة لطلاّب صراط الحق، بل أتباع لطلاب الدنيا.
الآية التالية تذكر ما كانوا يقولونه باستهزاء مقابل دعوة الأنبياء لهم أو دعوة النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله): (وقالوا: قلوبنا غلفٌ) والغلف جمع أغلف أي مغلّف.
نعم، إنّها كذلك مغلّفة وبعيدة عن نفوذ النور الإلهي إليها، لأنّ أصحابها لعنوا بعد التمادي في الكفر: (بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون).
قد تشير الآية إلى اليهود الذين كذّبوا الأنبياء وقتلوهم، وقد تشير إلى اليهود المعاصرين للنّبي الخاتم(صلى الله عليه وآله) ممّن وقف بوجه الرسالة. لكنها على أي حال تبين حقيقة هامّة هي: إنّ الإنغماس في الأهواء يبعد الفرد عن الله، ويسدل الحجب على قلبه، فلا تكاد الحقيقة تجد لها طريقاً إلى نفسه.
▲بحوث
▲1ـ رسالة الأنبياء في مسيرة التاريخ
ذكرنا أنّ أصحاب الأهواء المنحرفين كانوا يقفون دوماً بوجه دعوة الأنبياء، لأنّها كانت تهدد مصالحهم الآنيّة التافهة، وتحريف الرسالات الإلهيّة أحد السبل التي انتهجها هؤلاء المنحرفون لمحاربة الدعوة، لذلك كان لابدّ من توالي الرسل ـ على مرّ التاريخ ـ لمواصلة بقاء خط النّبوة على الأرض، ولإتمام الحجة على البشرية، قال سبحانه: (ثمَّ أرسلنا رسلنا تترا كلَّ ما جاء امَّةً رسولها كذَّبوه فاتبعنا بعضهم بعض)(1) .
هذا المفهوم عبّر عنه أمير المؤمنين علي(عليه السلام) بقوله: «فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ وَوَاتَرَ إلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُول»(2) .
هدف بعثة الأنبياء على مرّ العصور التاريخية إذن هو تذكير البشر بنعم الله سبحانه، ودعوتهم إلى الالتزام بميثاق الفطرة، وإحياء دعوات الأنبياء السابقين.
هنا يثار سؤال حول سبب ختم النّبوة بنبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله)، وسنجيب عليه إن شاء الله في تفسير الآية 40 من سورة الأحزاب.
▲2ـ ما هو روح القدس؟
للمفسرين آراء مختلفة في معنى روح القدس:
1ـ قالوا إنّه جبرائيل، فيكون معنى الآية على هذا إنّ الله أيّد عيسى بجبرائيل. وشاهدهم على ذلك قوله تعالى: (قل نزَّله روح القدس من ربِّك بالحقِّ)(1) .
ووجه تسمية جبرائيل بروح القدس، هو أنّ جبرائيل ملك، والجانب الروحي في الملائكة أمر واضح، وإطلاق كلمة «الروح» عليهم متناسب مع طبيعتهم، وإضافة الروح إلى «القُدسِ» إشارة إلى طهر هذا الملك وقداسته الفائقة.
2ـ وقيل: إنّ «روح القدس» هو القوّة الغيبية التي أيّدت عيسى(عليه السلام)، وبهذه القوّة الخفية الإلهيّة كان عيسى يحيي الموتى.
هذه القوّة الغيبية موجودة طبعاً بشكل أضعف في جميع المؤمنين على اختلاف درجة إيمانهم، وهذا الإمداد الإلهي هو الذي يعين الإنسان في أداء الطاعات وتحمل الصعاب، ويقيه من السقوط في الذنوب والزلات، من هنا ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قوله لحسان: «لَنْ يَزَالَ مَعَكَ رُوحُ الْقُدُسِ مَا ذَبَبْتَ عَنَّا»(2) وقول بعض أئمّة أهل البيت لشاعر قرأ أبياتاً ملتزمة: «إنَّمَا نَفَثَ رُوحُ الْقُدُسِ عَلى لِسَانِكَ».(3)
3ـ ومن المفسرين من قال إنّ روح القدس هو «الإنجيل»(4) ويبدو أنّ التّفسيرين السابقين أقرب إلى المعنى.
▲3ـ مفهوم «روح القدس» لدى المسيحيين
ورد في قاموس الكتاب المقدّس: «إنّ روح القدس هو الأقنوم الثالث من الأقانيم الثلاثة الإلهيّة، ويقال له (الروح)، لأنّه مبدع الحياة، ويسمى مقدساً لأنّ من أعماله تقديس قلوب المؤمنين، ولما له من علاقة بالله والمسيح يسمى أيضاً (روح الله) و(روح المسيح)».
وورد أيضاً في هذا القاموس تفسير آخر هو: «أمّا روح القدس الذي يؤنسنا فهو الذي يحثّنا دوماً إلى قبول وفهم الإستقامة والإيمان والطاعة، ويحيي الأشخاص الذين ماتوا في الذنوب والخطايا، ويطهّرهم وينزههم ويجعلهم لائقين لتمجيد حضرة واجب الوجود».
وكما يلاحظ، إنّ عبارات قاموس الكتاب المقدس أشارت إلى معنيين لروح القدس: الأول، إنّ روح القدس أحد الأرباب الثلاثة، وهذه هي عقيدة التثليث، وهي عقيدة شرك بالله ومرفوضة، والثاني يشبه التّفسير الثاني المذكور أعلاه.
▲4ـ قلوب غافلة محجوبة
كان اليهود في المدينة يقفون بوجه الدعوة، ويمتنعون عن قبولها، ويتذرّعون لذلك بمختلف الحجج، والآية التي نحن بصددها تشير إلى واحدة من ذرائعهم.
(وقالوا قلوبنا غلفٌ) ولا ينفذ إليها قول!!
كانوا يقولون ذلك عن استهزاء، غير أنّ القرآن أيّد مقالتهم، فبكفرهم ونفاقهم اُسدل على قلوبهم حجب من الظلمات والذنوب، وابتعدوا عن رحمة الله، (فقليلا مايؤمنون).
وهذه مسألة تطرحها آية اُخرى من قوله تعالى: (وقولهم قلوبنا غلفٌ بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلاّ قليل)(1) .
▲سورة البقرة / الآية 89 ـ 90
89 ) وَ لَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكافِرينَ
90 ) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَبائُوا بِغَضَب عَلى غَضَب وَ لِلْكافِرينَ عَذابٌ مُهينٌ
▲سبب النّزول
روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: «كَانَتِ الْيَهُودُ تَجِدُ في كُتُبِهَا أَنَّ مُهاجَرَ (مكان هجرة) محمّد رَسول الله(صلى الله عليه وآله) ما بين (جبلي) عَيْر وَاُحد، فخرجوا يطلبون الموضع، فمرّوا بجبل يقال له حداد، فقالوا: حداد واُحد سواء، فتفرّقوا عنده، فنزل بعضهم بتيماء وبعضهم بفدك وبعضهم بخيبر، فاشتاق الذين بتيماء إلى بعض أخوانهم، فمرّ بهم أعرابي من قيس فتكاروا منه (أي استأجروا إبله) وقال لهم: أمرّ بكم ما بين عَيْر واُحد، (فعلموا أنهم أصابوا ضالّتهم) فقالوا له: إذا مررت بهما فآذنّا (أخبرنا) بهما، فلما توسط بهم أرض المدينة، قال: ذلك عَير، وهذا اُحد، فنزلوا عن ظهر إبله، وقالوا: قد أصبنا بغيتنا فلا حاجة بنا إلى إبلك، فاذهب حيث شئت، وكتبوا إلى إخوانهم الذين بفدك وخيبر أنا قد أصبنا الموضع فهلمّوا إلينا، فكتبوا إليهم أنّا قد استقرت بنا الدار واتخذنا بها الأموال، وما أقربنا منكم، فإن كان ذلك فما أسرعنا إليكم، واتخذوا بأرض المدينة أموالا فلما كثرت أموالهم بلغ ذلك تُبّعاً فغزاهم، فتحصنوا منه، فحاصرهم ثمّ أمّنهم، فنزلوا عليه، فقال لهم: إنّي قد استطبت بلادكم، ولا أراني إلاّ مقيماً فيكم. فقالوا له: ليس لك ذلك، إنّها مهاجر نبي، وليس ذلك لأحد حتى يكون ذلك، فقال لهم: فإنّي مخلف فيكم من اُسرتي من إذا كان ذلك ساعده ونصره، فخلف حين تراهم الأوس والخزرج، فلما كثروا بها كانوا يتناولون أموال اليهود، فكانت اليهود تقول لهم: أما لو بعث محمّد لنخرجنكم من ديارنا
وأموالنا، فلما بعث الله محمّد(صلى الله عليه وآله) آمنت به الأنصار وكفرت به اليهود، وهو قوله تعالى:(وكانوا من قبل يستفتحون على الَّذين كفروا...) إلى آخر الآية»(1) .
نعم، هذه الفئة التي كانت تبحث بولع شديد عن منطلق البعثة المحمّدية، لتكون أول من تؤمن برسول الله(صلى الله عليه وآله)، وكانت تفتخر أمام الأوس والخزرج بأنّها ستكون من خاصّة صحابة النبي المبعوث، فإذا هي تقف ـ بسبب لجاجها وعنادها ـ إلى جانب أعداء النبي، بينما التف حول الرّسول من كان بعيداً عن هذه الأجواء.
▲التّفسير
▲كفروا بمَا دعوا النّاس اليه
هذه الآيات تتحدث أيضاً عن اليهود ومواقفهم، هؤلاء ـ كما ورد في أسباب النّزول ـ هاجروا ليتخذوا من يثرب سكناً بعد أن وجدوا فيها ما يشير إلى أنّها أرض الرّسول المرتقب، وبقوا فيها ينتظرون بفارغ الصبر النبي الذي بشّرت به التوراة، كما كانوا ينتظرون الفتح والنصر على الذين كفروا تحت لواء هذا النبي، لكنهم مع كل ذلك أعرضوا عن الرّسول وعن الرسالة: (ولمّا جاءهم كتابٌ من عند الله مصدّقٌ لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الَّذين كفروا فلمَّا جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين).
وهكذا تستطيع الأهواء والمصالح الشخصية أن تقف بوجه طالب الحقيقة، مهما كان الفرد عاشقاً لهذه الحقيقة وتوّاقاً للوصول إليها فيتركها ويعرض عنها، بل تستطيع الأهواء أيضاً أن تحوّل هذا الفرد إلى عدوّ لدود لهذه الحقيقة.
ما أشدّ خسارة هؤلاء اليهود، تركوا أوطانهم وهاموا في الأرض بحثاً عن علامات أرض الرسالة، ثم ها هم خسروا كل شيء، وباعوا أنفسهم بأسوأ ثمن: (بئسما اشتروا به أنفسهم).
لقد ضيعوا كل شيء وكأنهم أرادوا أن يكون النبي الموعود من بني إسرائيل، ولهذا تألّموا من نزول القرآن على غيرهم، بل ممن شاءه الله: (أن يكفروا بما أنزل الله بغياً أن ينزِّل الله من فضله على من يشاء من عباده).
ولذلك شملهم غضب الله المتوالي: (فباءو بغضب على غضب وللكافرين عذابٌ مهينٌ).
▲بحثان
▲1ـ صفقة خاسرة
إنّه لخسران عظيم أن تتهيّاً للإنسان كل سبل الهداية ثم يعرض عنها لاُمور تافهة، واليهود المعاصرون للنّبي الخاتم(صلى الله عليه وآله) هم من اُولئك، توفّرت لهم كل هذه السبل، بل تحركوا زمناً يبتغون مصدر هذه الهداية، وعثروا بعد جهد على مبتغاهم حين حطّوا رحالهم بين «العير» و«اُحد» انتظاراً للنّبي الموعود، ثم إذا هم يخسرون كل شيء، حين علموا أنّ هذا النبي المبعوث ليس من بني إسرائيل، أو أنه لا يحقق مصالحهم الشخصية.
ما أكبر الخسارة حين يبيع الإنسان نفسه بهذا الشكل ويشتري بها غضب الله عزّوجلّ! بينما ليس لوجود الإنسان ثمن إلاَّ الجنّة كما يقول أمير المؤمنين علي(عليه السلام): «إنَّهُ لَيْسَ لاَِنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إلاَّ الْجَنَّةَ فَلا تَبيعُوهَا إلاَّ بِهَا» .(1)
عبارة «اشتراء النفس» أي بيعها توحي أنّ الإتجاه نحو طريق الضلال بيعٌ للنفس، وكأن الكافر يبيع شخصيته الإنسانية، لأنّ الكفر يهدم قيمة الإنسان من الأساس، وبعبارة اُخرى إنّه يكون كالعبيد الذين باعوا أنفسهم فأمسوا اسرى بيد الآخرين... أجل إنّهم أسرى الأهواء وعبيد الشيطان.
▲2ـ غضب على غضب
القرآن الكريم قال عن بني إسرائيل حين تاهوا في صحراء سيناء بأنَّهُمْ (وباءو بغضب من الله) بسبب كفرهم بآيات اللّه وقتلهم الأنبياء وفي سورة آل عمران الآية 112، ورد هذا المعنى أيضاً وأنّ اليهود بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء باءوا بغضب من الله تعالى. وهذا هو الغضب الاول.
وهؤلاء أحفادهم من اليهود المعاصرين للبعثة المحمّدية ساروا على طريق أسلافهم في الكفر بالرسالة، وزادوا على ذلك بوقوفهم بوجه الرّسول وتآمرهم على الدعوة ولذلك قال عنهم «فباءو بغضب على غضب».
و«باءُو» بمعنى رجعوا ـ وأقاموا في المكان ـ وهنا تعني استحقاقهم لعذاب الله، فكأنّهم عادوا وهم محمّلون بهذا الغضب الإلهي، أو كأنهم اتخذوا موقفاً يغضب الله.
هؤلاء القوم كانوا يعيشون على أمل ظهور النبي المنقذ، قبل دعوة موسى وقبل دعوة النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله)، وكان موقفهم من الرّسولين الكريمين واحداً، هو النكول والإعراض، واستحقوا غضب الله وسخطه مرّة بعد اُخرى.
▲ سورة البقرة / الآية 91 ـ 93
91 ) وَ إِذا قيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ يَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ
92 ) وَ لَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ
93 ) وَ إِذْ أَخَذْنا ميثاقَكُمْ وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّة وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَ عَصَيْنا وَ أُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ
▲التّفسير
▲العصبية القومية لدى اليهود
يشير القرآن مرّة اُخرى إلى عصبية اليهود القومية ويقول:
(وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما انزل علينا ويكفرون بما وراءه).
فهم لم يؤمنوا بالإنجيل ولا بالقرآن، بل إنّهم يدورون حول محور العنصرية والمصلحية، فيجرأون على رفض الدعوة التي جاءت تصديقاً لما معهم في التوراة (وهو الحقُّ مصدِّقاً لما معهم).
ويكشف القرآن زيف ادعائهم مرة اُخرى حين يقول لهم: (قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) هؤلاء يدّعون أنّهم يؤمنون بما أنزل عليهم، فهل التوراة تبيح لهم قتل الأنبياء؟!
وهذا الذي يقوله بنو إسرائيل: (نؤمن بما انزل علين) ينطلق من روح ذاتية فردية أو فئوية، وهي تخالف روح التوحيد. فالتوحيد يستهدف القضاءَ على كل المحاور الذاتية في
حركة الإنسان ومواقفه، وتكريس نشاطات الفرد حول محور العبودية لله لا غير.
بعبارة اُخرى، لو كان الإنصياع للأوامر الإلهيّة متوقفاً على نزولها عليهم، فهو الشرك لا الإيمان، وهو الكفر لا الإسلام، ومثل هذا الإنصياع ليس بدليل على الإيمان قط.
وعبارة (ما أنزل الله) تحمل مفهوم نفي كل ذاتية بشرية في الرسالة، بما في ذلك ذات النبي المرسل، فلم تتضمن العبارة اسم محمّد وعيسى وموسى عليهم أفضل الصلاة والسلام، بل التأكيد على الإيمان بما أنزل الله تعالى.
ويعرض القرآن وثيقة اُخرى لإدانة اليهود ولكشف زيف إدعائهم فيقول: (ولقد جاءكم موسى بالبيِّنات ثمَّ اتَّخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون).
ما هذا الانحراف نحو عبادة العجل بعد أن جاءتكم البينات إن كنتم في إيمانكم صادقين؟! لو كنتم آمنتم به حقّاً، فَلِمَ تبدّل إيمانكم إلى كفر عند غياب موسى وذهابه إلى جبل الطور، وبذلك ظلمتم أنفسكم ومجتمعكم والأجيال المتعاقبة بعدكم؟!
في الآية الثالثة يطرح القرآن وثيقة إدانة اُخرى، فيشير إلى مسألة ميثاق جبل الطور ويقول: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطُّور خذوا ما آتيناكم بقوَّة واسمعوا قالوا سمعنا وعصين).
وما كان عصيانهم إلاّ عن انغماس في حبّ الدنيا الذي تمثّل في حبّ عجل السّامري الذّهبي: (واشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم) ولذا نسوا الله عزّ وجلّ؟! كيف يجتمع الإيمان بالله مع قتل انبيائه وعبادة العجل ونقض العهود والمواثيق الإلهيّة المؤكّدة؟! أجل (قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين)(1) .
▲بحثان
1ـ عبارة (قالوا سمعنا وعصين) ليست حكاية عمّا قالوه بألسنتهم، بل حسب الظاهر هي تعبير عن واقع عملي لهؤلاء القوم، وكناية رائعة عن إنحرافهم.
2ـ عبارة (واشربوا في قلوبهم العجل) هي أيضاً كناية رائعة تعبّر عن وضع هذه الجماعة.
والإشراب له معنيان كما ورد في المفردات: الإحكام كقولك «أشربت البعير» إذا شددت رقبته بالحبل. وكذلك الإرواء، ويكون المعنى على الوجهين أنّ حبّ العجل قد غمر قلوب بني إسرائيل واستحكم في أنفسهم.
والعبارة توحي أيضاً ما يصدر عن هؤلاء القوم من انحراف، إنّما هو ظاهرة طبيعية ناتجة عن تغلغل روح الشرك في قلوبهم، والقلوب التي اُشربت الشرك لا يصدر عنها إلاّ القتل والإنكار والخيانة.
وتتبيّن أهمّية الموضوع أكثر لو طالعنا مقدار ما أكدت عليه الديانة اليهودية من تقبيح لعملية القتل ونهي عنها فقد جاء في قاموس الكتاب المقدس، ص 678: «القتل العمدي وتقبيحه كان على درجة من الأهمّية لدى بني إسرائيل، بحيث لا تبرأ ذمّة القاتل له لولجأ إلى الأماكن المقدّسة، بل لابدّ إنزال عقوبة القصاص به بأيّ حال من الأحوال».
هذا هو معنى قتل الإنسان في نظر التوراة، فما بالك بقتل الأنبياء؟
▲سورة البقرة / الآية 94 ـ 96
94 ) قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآْخِرَةُ عِنْدَ اللّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ
95 ) وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ وَ اللّهُ عَليمٌ بِالظّالِمينَ
96 ) وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياة وَ مِنَ الَّذينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَة وَ ما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَ اللّهُ بَصيرٌ بِما يَعْمَلُونَ
▲التّفسير
▲فئة مغرورة
يبدو من تاريخ اليهود ـ مضافاً لما أخبر القرآن عنه ـ أنّ هؤلاء القوم كانوا يعتبرون أنفسهم فئة متميزة في العنصر، ومتفوقة على سائر الأجناس البشرية، وكانوا يعتقدون أن الجنّة خلقت لهم لا لسواهم، وأنّ نار جهنم لن تمسّهم، وأنّهم أبناء الله وخاصته، وأنّهم يحملون جميع الفضائل والمحاسن.
هذا الغرور الأرعن تعكسه كثير من آيات الذكر الحكيم الآية 18 من سورة المائدة تقول عن لسانهم: (نحن أبناء الله وأحبَّاؤه).وفي الآية111 من سورة البقرة نرى إدعاءً آخر لهم: (وقالوا لن يدخل الجنَّة إلاَّ من كان هوداً أو نصارى)، وهكذا في الآية 80 من سورة البقرة: (وقالوا لن تمسَّنا النَّار إلاَّ أيّاماً معدودةً).
هذه التصورات الموهومة كانت تدفعهم من جهة إلى الظلم والجريمة والطغيان، وتبعث فيهم ـ من جهة اُخرى ـ الغرور والتكبّر والإستعلاء.
والقرآن الكريم يجيب هؤلاء القوم جواباً دامغاً إذ يقول: (قل إن كانت لكم الدَّار الآخرة عند الله خالصةً من دون النَّاس فتمنَّوا الموت إن كنتم صادقين).
ألا تحبّون رحمة الله وجواره ونيل النعيم الخالد في الجنان؟ ألا يحب الحبيب لقاء حبيبه؟!
لقد كان اليهود يهدفون من كلامهم هذا وأنّ الجنّة خالصة لنا دون سائر النّاس: أو أنّ النّار لاتمسّنا إلاّ أيّاماً معدودات ـ إلى توهين إيمان المسلمين وتخدير عقائدهم.
لماذا تفرون من الموت، وكل ما في الآخرة من نعيم هو لكم كما تدّعون؟! لماذا هذا الإلتصاق بالأرض وبالمصالح الذاتية الفردية، إن كنتم مؤمنين بالآخرة وبنعيمها حقّاً؟!
بهذا الشكل فضح القرآن اُكذوبة هؤلاء وبيّن زيف إدعائهم.
في الآية التّالية تأكيد على ما سبق بشأن ابتعاد القوم عن الموت: (ولن يتمنَّوه أبداً بما قدَّمت أيديهم والله عليمٌ بالظَّالمين).
هؤلاء يعلمون ما في ملفّ أعمالهم من وثاق سوداء ومن صحائف إدانة، والله عليم بكل ذلك، ولذلك فهم لا يتمنون الموت، لأنّه بداية حياة يحاسبون فيها على كل أعمالهم.
الآية الأخيرة تذكر انشداد هؤلاء بالأرض وحرصهم الشديد على المال والمتاع: (ولتجدنَّهم أحرص النّاس على حياة) وتذكر الآية أن حرصهم هذا يفوق حرص الذين أشركوا: (ومن الَّذين أشركو).
المشركون ينبغي أن يكونوا أحرص من غيرهم على جمع المال والمتاع، لكن هؤلاء من أصحاب الإدعاءات الفارغة، بلغوا من الحرص ما لم يبلّغه المشركون.
وبلغ شغفهم بالدنيا أنّه (يودُّ أحدهم لو يعمَّر ألف سنة) لجمع مزيد من متاع الدنيا، أو خوفاً من عقاب الآخرة! لكن هذا العمر الذي يتمناه كل واحد منهم لا يبعده عن العذاب، ولا يغيّر من مصيره شيئاً (وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمَّر) إذ كل شيء محصى لدى الله، ولا يعزب عن عمله شيء (والله بصيرٌ بما يعملون).
▲بحوث
▲1ـ ما المقصود من الأعوام الألف؟
المقصود من الأعوام الألف في قوله تعالى: (يودُّ أحدهم لويعمَّر ألف سنة) ليس هذا العدد المعروف، بل يعني العمر الطويل المديد، فهو ليس للتعدد، بل للتكثير.
وذهب بعض المفسرين إلى أنّ العرب لم تكن تعرف أنذاك عدداً أكبر من الألف، ولم
يكن لما يزيد على الألف اسم عند العرب، ولذلك كان أبلغ تعبير عن الكثرة!(1) .
▲2ـ لماذا وردت كلمة الحياة نكرة؟
تنكير الحياة في تعبير الآية (ولتجدنَّهم أحرص النَّاس على حياة) تفيد ـ كما ذهب إلى ذلك جمع من المفسرين ـ الإستهانة والتحقير، أي إنّ هؤلاء حريصون حتى على أتفه حياة وأرخصها وأشقاها، ويفضلونها على الآخرة(1) .
▲3ـ إفرازات العنصرية
كان التعصّب العنصري وراء كثير من الحروب والمآسي التي حدثت على الساحة البشرية خلال جميع عصور التاريخ، وفي عصرنا الحديث كان التعصب العرقي الألماني عاملا فعالا في إشعال لظى الحربين العالميتين الاُولى والثانية.
واليهود يحتلّون دون شك مكان الصدارة بين العنصريين المتعصبين على مرّ التاريخ، وها هي دويلتهم المسماة بإسرائيل اُقيمت على أساس هذه العنصرية المقيتة، وما يرتكبه هذا الكيان العنصري الصهيوني من جرائم فظيعة إنما هو استمرار لجرائمه التاريخية الناشئة عن عنصريته البغيضة.
لقد دفعتهم عنصريتهم لأن يحتكروا حتّى تعاليم موسى، ويزيلوا عنصر الدعوة من دينهم، كي لايعتنق تعاليمهم أحد غيرهم.
وهذه النزعة الأنانية هي التي جعلت هؤلاء القوم منبوذين ممقوتين من قبل كل شعوب العالم.
التعصب العنصري شعبة من الشرك، ولذلك حاربه الإسلام بشدّة، مؤكداً أنّ كل أبناء البشر من أب واحد واُمّ واحدة، ولا تمايز إلاّ بالتقوى والعمل الصالح.
▲4ـ عوامل الخوف من الموت
أكثر النّاس يخافون من الموت، وخوفهم هذا يعود إلى عاملين:
1ـ الخوف من الفناء والعدم، فالذين لا يؤمنون بالآخرة لا يرون بعد هذه الحياة استمرار لحياتهم، ومن الطبيعي أن يخاف الإنسان من الفناء، وهذا الخوف يلاحق هؤلاء حتى في أسعد لحظات حياتهم فيحوّلها إلى علقم في أفواههم.
2ـ الخوف من العقاب، ومثل هذا الخوف يلاحق المذنبين المؤمنين بالآخرة، فيخافون أن يحين حينهم وهم مثقلون بالآثام والأوزار، فينالوا جزاءهم، ولذلك يودّون أن تتأخّر ساعة انتقالهم إلى العالم الآخر.
الأنبياء العظام أحيوا في القلوب الإيمان باليوم الآخر، وبذلك أبعدوا شبح الفناء والإنعدام من الأذهان، وبيّنوا أن الموت انتقال إلى حياة أبدية خالدة منعّمة.
من جهة اُخرى دعا الأنبياء إلى العمل الصالح، كي يبتعد الإنسان عن الخوف من العقاب، ولكي يزول عن القلوب والأذهان كل خوف من الموت.
▲سورة البقرة / الآية 97 ـ 98
97 ) قُلْ مَنْ كانَ عَدُوّاً لِجِبْريلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ هُدىً وَ بُشْرى لِلْمُؤْمِنينَ
98 ) مَنْ كانَ عَدُوّاً لِلّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْريلَ وَ ميكالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرينَ
▲سبب النّزول
روي عن ابن عباس أن سبب نزول هذه الآية، ما روي أن ابن صوريا وجماعة من يهود أهل فدك، لما قدم النبي(صلى الله عليه وآله) المدينة، سألوه أسئلة، وكان رسول الله يجيبهم وهم يصدّقون جوابه، من ذلك أنّهم قالوا له: يا محمّد كيف نومك؟ فقد اُخبرنا عن نوم النبي الذي يأتي في أواخر الزمان، فقال: تنام عيناي وقلبي يقظان، قالوا: صدقت يا محمّد... ثم قال له ابن صوريا: خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك واتبعتك: أيّ ملك يأتيك بما يُنزل الله عليك؟ قال: جبريل. قال ابن صوريا: ذاك عدونا ينزل بالقتال والشدة والحرب، وميكائيل ينزل باليسر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك لآمنّا بك!!(1) .
▲التّفسير
▲قومٌ جَدِلون
سبب نزول الآية الكريمة يبيّن طبيعة العناد واللجاج والجدل في اليهود، إبتداءً من زمان موسى(عليه السلام) ومروراً بعصر خاتم الأنبياء وحتى يومنا هذا يعرضون عن الحقّ بألوان الحجج الواهية.
حجّتهم في هذا الموضع المذكور في الآية ثقل التكاليف التي يأتي بها جبرائيل، وعداؤهم لهذا الملك، ورغبتهم في أن يكون ميكائيل أميناً للوحي!! وكأن الملائكة هم مصدر الاحكام الإلهيّة! والقرآن الكريم يصرّح بأنّ الملائكة ينفّذون أوامر الله ولا ينحرفون عن طاعته: (لا يعصون الله ما أمرهم)(1) .
القرآن يجيب عن ذريعة هؤلاء: (قل من كان عدوّاً لجبريل فإنَّه نزَّله على قلبك بإذن الله) وما جاء به جبرائيل يصدّق ما نزل في الكتب السماوية السابقة: (مصدقاً لما بين يديه) وهو إضافة إلى كل هذا: (وهدىً وبشرى للمؤمنين).
فالجواب في هذه الآية ينطوي على ثلاث شعب:
أوّلا: إنّ جبريل لا يأتي بشيء من عنده، بل ما يأتي به هو (بإذن الله).
ثانياً: ما جاء به جبريل تصدّقه الكتب السماوية السابقة، لانطباقه على العلامات والدلالات المذكورة في تلك الكتب.
ثالثاً: محتوى ما جاء به جبرائيل يدلّ على أصالته وحقّانيته.
الآية التالية تؤكد نفس هذا الموضوع تأكيداً مقروناً بالتهديد وتقول: (من كان عدوّاً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإنَّ الله عدوٌ للكافرين)(2) مشيرة بذلك إلى أنّ موقف الإنسان من الله وملائكته ورسله ومن جبرائيل وميكائيل، لا يقبل التفكيك، وأنّ الموقف المعادي من أحدهم هو معاداة للآخرين(3) .
وبعبارة اُخرى: الأوامر الإلهيّة الباعثة على تكامل الإنسان، تنزل عن طريق الملائكة على الرسل، وإن كان بين مهمات الملائكة اختلاف، فذلك يعود إلى تقسيم المسؤوليات لا إلى التناقض بين المهمات، واتخاذ موقف معاد من أحدهم هو عداء لله سبحانه.
▲جِبْرِيل وَمِيكَال
ورد اسم جبريل ثلاث مرات، واسم ميكال مرة واحدة في القرآن الكريم،(1) ويستفاد من الآيات أنّهما ملكان مقرّبان من ملائكة الله تعالى. قيل: إنّ اسم جبرائيل عبري يعني «رجل الله» أو «قوّة الله» (جبر: تعني الرجل أو القوّة، وئيل: بمعنى الله).
هذه الآيات الكريمة تعرّف جبريل أنّه رسول الوحي الإلهي إلى النبي، ومنزّل القرآن على قلبه، ولواسطة الوحي اسم آخر في الآية 102 من سورة النحل هو: (روح القدس) أمّا الآية 191 من سورة الشعراء فتسميه (الرُّوح الأمين)، ويصرّح المفسرون أنّ المقصود من روح المقدس والروح الأمين، هو جبرائيل.
وهناك أحاديث تدور حول ظهور جبرائيل بصور متعددة لدى نزوله على النبي، وكان في المدينة ينزل على صورة (دحية الكلبي) وهو رجل جميل الطلعة.(2)
يستفاد من سورة النجم أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) شاهد جبرائيل مرّتين على هيئته الأصلية(3) .
ذكرت المصادر الإسلامية أسماء أربعة من الملائكة المقربين هم: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وأعظمهم مرتبة جبرائيل.
وفي كتب اليهود ورد ذكر جبريل وميكال، ومن ذلك ما ورد في كتاب دانيال حيث وصف جبرائيل بأنّه الغالب لرئيس الشياطين، ووصف ميكائيل بأنّه حامي قوم بني إسرائيل(4) .
ذكر بعض المحققين أنّ المصادر اليهودية خالية من الدلالة على خصومة جبرائيل لهؤلاء القوم، وهذا يؤيد أنّ إدعاءات اليهود بشأن موقفهم من جبرائيل، لم يكن إلاّ ذريعة للتنصل من الإسلام إذ لا يوجد في مصادرهم الدينية ما يشير إلى وجود مثل هذه العداوة بينهم وبين جبرائيل.
▲سورة البقرة / الآية 99 ـ 101
99 ) وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آيات بَيِّنات وَ ما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ
100 ) أَ وَ كُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَريقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لايُؤْمِنُونَ
101 ) وَ لَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَريقٌ مِنَ الَّذينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لايَعْلَمُونَ
▲سبب النّزول
قال ابن عباس: إنّ ابن صوريا ـ وهو من أحبار اليهود ـ قال لرسول الله(صلى الله عليه وآله): يا محمّد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك لها، فأنزل الله هذه الآية.(1)
▲التّفسير
▲الناكثون من اليهود
الآية الاُولى تشير إلى الآيات والعلامات والدلائل الكافية الواضحة التي توفرت لدى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وتؤكّد أنّ المعرضين عن هذه الآيات البينات أدركوا في الواقع حقّانية الدعوة، لكنهم هبّوا للمعارضة مدفوعين بأغراضهم الشخصية: (ولقد أنزلنا إليك آيات بيِّنات وما يكفر بها إلاَّ الفاسقون).
التفكير في آيات القرآن ينير الطريق لكل طالب حق منصف، وبمطالعة هذه الآيات يمكن فهم صدق دعوة نبىّ الإسلام(صلى الله عليه وآله)، وعظمة القرآن.
لكن هذه الحقيقة الواضحة لا يفهمها الذين انطفأ نور قلوبهم بسبب الذنوب، من هنا نرى الفاسقين الملوّثين بالخطايا يعرضون عن الإيمان بالرسالة.
ثم يتطرق القرآن إلى صفة مجموعة من اليهود، وهي صفة النكول ونقض العهود والمواثيق، وكأنّها صفة تاريخية تلازمهم على مرّ العصور (أو كلَّما عاهدوا عهداً نبذه فريقٌ منهم بل أكثرهم لا يؤمنون).
لقد أخذ الله ميثاقهم في جانب الطور أن يعملوا بالتوراة لكنهم نقضوا الميثاق، وأخذ منهم الميثاق أن يؤمنوا بالنّبي الخاتم المذكور عندهم في التوراة فلم يؤمنوا به.
يهود «بني النضير» و«بني قريضة» عقدوا الميثاق مع النبي لدى هجرته المباركة إلى المدينة أن لا يتآمروا مع أعدائه، لكنهم نقضوا العهد، وتعاونوا مع مشركي مكّة في حرب الأحزاب ضد المسلمين.
وهذه الخصلة في هذا الفريق من اليهود نجدها اليوم متجسدةً في الصهيونية العالمية التي تضع كل المواثيق والقرارات والمعاهدات الدولية تحت قدميها، متى ما تعرّضت مصالحها للخطر.
الآية الأخيرة تؤكّد بصراحة أكثر على هذا الموضوع: (ولمّا جاءهم رسولٌ من عند الله مصدقٌ لما معهم نبذ فريقٌ من الّذين اوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنَّهم لا يعلمون).
كان أحبار اليهود يبشّرون النّاس قبل البعثة النبوية بالرّسول الموعود ويذكرون لهم علاماته وصفاته، فلمّا بعث نبىّ الإسلام، أعرضوا عمّا جاء في كتابهم، وكأنّهم لم يروا ولم يقرأوا ما ذكرته التوراة في هذا المجال.
هذه هي النتيجة الطبيعية للأفراد الغارقين في ذاتياتهم، هؤلاء ـ حتى في دعوتهم إلى حقيقة من الحقائق ـ لا يتجرّدون عن ذاتياتهم، فإن وصلوا إلى تلك الحقيقة ووجدوها لاتنسجم مع أهوائهم، أعرضوا عنها ونبذوها وراء ظهروهم.
▲بحوث
1ـ واضح أن تعبير «النُّزول» أو «الإنْزَالِ» بشأن القرآن الكريم لا يعني الإنتقال المكاني من الأعلى إلى الاسفل وأن الله مثلا في السماء وأنزل القرآن إلى الارض، بل التعبير يشير إلى علو مكانة ربّ العالمين.
2ـ كلمة «فاسق» من مادة «فسق» وتعني خروج النّواة من الرطب، فقد تسقط الرطبة من النخلة، وتنفصل عنها النّواة، ويقال عن هذا الإنفصال في العربية «فسقت النواة»، ثم
اُطلقت الكلمة على كل انفصال عن خط طاعة الله، وعن طريق العبودية.
فكما أن النّواة تفسق إذا نزعت لباسها الحلو المفيد المغذّي، كذلك الفاسق ينزع عنه بفسقه كل قيمه وشخصيّته الإنسانية.
3ـ القرآن في حديثه عن اليهود لا يوبّخ الجميع بسبب ذنوب الأكثرية، بل يستعمل كلمات مثل «فريق» «أكثر» ليصون حق الأقلية المؤمنة المتقية، وطريقة القرآن هذه في حديثه عن الاُمم درس لنا كي لا نحيد في أحاديثنا ومواقفنا عن الحقّ والحقيقة.
▲سورة البقرة / الآية 102 ـ 103
102 ) وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَ لكِنَّ الشَّياطينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَد حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاتَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ وَ يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الآْخِرَةِ مِنْ خَلاق وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
103 ) وَ لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
▲التّفسير
▲سليمان وسحرة بابل
يفهم من الأحاديث أنّ مجموعة من النّاس مارست السحر في عصر النبي سليمان(عليه السلام)، فأمر سليمان بجمع كل أوراقهم وكتاباتهم، واحتفظ بها في مكان خاص. (لعل الإحتفاظ بها يعود إلى إمكان الاستفادة منها في إبطال سحر السحرة).
بعد وفاة سليمان عمدت جماعة إلى إخراج هذه الكتابات، وبدأوا بنشر السحر وتعليمه، واستغلت فئة هذه الفرصة فأشاعت أنّ سليمان لم يكن نبيّاً أصلا، بل كان يسيطر على مُلكه ويأتي بالاُمور الخارقة للعادة عن طريق السحر!
مجموعة من بني إسرائيل سارت مع هذه الموجة ولجأت إلى السحر، وتركت التوراة.
عندما ظهر النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله)، وجاءت آيات القرآن مؤيدة لنبوّة سليمان، قال بعض أحبار
اليهود: ألا تعجبون من محمّد يقول: سليمان نبىّ وهو ساحر!
وجاءت الآية ترد على مزاعم هؤلاء وتنفي هذه التّهمة الكبرى عن سليمان(عليه السلام)(1) .
الآية الاُولى إذن تكشف فضيحة اُخرى من فضائح اليهود وهي إتهامهم لنبىّ الله بالسحر والشعوذة، تقول الآية عن هؤلاء القوم: (واتَّبعوا ما تتلوا الشَّياطين على ملك سليمـان).
والضمير في «وَاتَّبِعُوا» قد يعود إلى المعاصرين للنبىّ، أو إلى اُولئك اليهود المعاصرين لسليمان، أو لكلا الفريقين.
والمقصود بكلمة «الشَّيَاطِينَ» قد يكون الطغاة من البشر أو من الجن أو من كليهما.
ثم تؤكد الآية على نفي الكفر عن سليمان: (وما كفر سليمـان).
فسليمان(عليه السلام) لم يلجأ إلى السحر، ولم يحقق أهدافه عن طريق الشعوذة: (ولكنَّ الشَّياطين كفروا يعلِّمون النَّاس السِّحر).
هؤلاء اليهود لم يستغلّوا ما تعلّموه من سحر الشياطين فحسب، بل أساؤوا الاستفادة أيضاً من تعليمات هاروت وماروت: (وما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت)(2) .
هاروت وماروت ملكان إلهيّان جاءا إلى النّاس في وقت راج السحر بينهم وابتلوا بالسحرة والمشعوذين، وكان هدفهما تعليم النّاس سبل إبطال السحر، وكما أنّ إحباط مفعول القنبلة يحتاج إلى فهم لطريقة فعل القنبلة، كذلك كانت عملية إحباط السحر تتطلب تعليم النّاس اُصول السحر، ولكنهما كانا يقرنان هذا التعليم بالتحذير من السقوط في الفتنة بعد تعلم السحر (وما يعلِّمان من أحد حتَّى يقولا إنَّما نحن فتنةٌ فلا تكفر).
وسقط اُولئك اليهود في الفتنة، وتوغلوا في انحرافهم، فزعموا أنّ قدرة سليمان لم تكن من النّبوة، بل من السحر والسحرة، وهذا هو دأب المنحرفين دائماً، يحاولون تبرير انحرافاتهم بإتهام العظماء بالانحراف.
هؤلاء القوم لم ينجحوا في هذا الاختبار الإلهي، فأخذوا العلم من الملكين واستغلّوه على طريق الإفساد لا الإصلاح، لكن قدرة الله فوق قدرتهم وفوق قدرة ما تعلموه: (فيتعلَّمون منهما ما يفرِّقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارّين به من أحد إلاَّ بإذن اللهويتعلَّمون ما يضرُّهم ولا ينفعهم).
لقد تهافتوا على إقتناء هذا المتاع الدّنيوي وهم عالمون بأنّه يصادر آخرتهم (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الاْخرة منْ خلاق)(3) . لقد باعوا شخصيتهم الإنسانية بهذا المتاع الرخيص (ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون).
لقد أضاعوا سعادتهم وسعادة مجتمعهم عن علم ووعي، وغرقوا في مستنقع الكفر والانحراف (ولو أنَّهم آمنوا واتَّقوا لمثوبةٌ من عند الله خيرٌ لو كانوا يعلمون).
▲بحوث
▲1ـ قصّة هاروت وماروت
كثر الحديث بين أصحاب القصص والأساطير عن هذين الملكين، واختلطت الخرافة بالحقيقة بشأنهما، حتى ما عاد بالإمكان استخلاص الحقائق مما كتب بشأن هذه الحادثة التاريخية، ويظهر أنّ أصح ما قيل بهذا الشأن وأقربه إلى الموازين العقلية والتاريخية والاحاديث الشريفة هو مايلي:
شاع السحر في أرض بابل وأدّى إلى إحراج النّاس وازعاجهم، فبعث الله ملكين بصورة البشر، وأمرهما أن يعلما النّاس طريقة إحباط مفعول السحر، ليتخلصوا من شرّ السحرة.
كان الملكان مضطرين لتعليم النّاس اُصول السحر، باعتبارها مقدمة لتعليم طريقة إحباط السحر، واستغلت مجموعة هذه الاُصول، فانخرطت في زمرة الساحرينِ، وأصبحت مصدر أذى للناس.
الملكان حذرا النّاس ـ حين التعليم ـ من الوقوع في الفتنة، ومن السقوط في حضيض الكفر بعد التعلم، لكن هذا التحذير لم يؤثّر في مجموعة منهم(1) .
وهذا الذي ذكرناه ينسجم مع العقل والمنطق، وتؤيده أحاديث أئمّة آل البيت(عليهم السلام) منها ما ورد في كتاب عيون أخبار الرضا (وقد أورده في أحد طرقه عن الإمام الرض(عليه السلام) في طريق آخر عن الامام الحسن العسكري(عليه السلام))(2) .
أمّا ما تتحدث عنه بعض كتب التاريخ ودوائر المعارف بهذا الشأن فمشوب بالخرافات والأساطير، وبعيد كل البعد عمّا ذكره القرآن، من ذاك مثلا أنّ الملكين أرسلا إلى الأرض ليثبت لهما سهولة سقوطهما في الذنب إن كانا مكان البشر، فنزلا وارتكبا أنواع الآثام والذنوب والكبائر!! والنص القرآني بعيد عن هذه الأساطير ومنزّه منها.
▲2ـ لفظ هاروت وماروت
زعم بعض المحققين أنّ «هاروت» و«ماروت» لفظان فارسيان قديمان.
وقال: إنّ كلمة «هوروت» تعني «الخصب»، و«موروت» تعني «عديم الموت» واسما هاروت وماروت مأخوذان، من هذين اللفظين(1) ، وهذا الإتجاه في فهم معنى الاسمين لا يقوم على دليل.
وفي كتاب «آوِستا» وردت ألفاظ مثل: «هرودات» ويعني «شهر خرداد»، وكذلك «أمردات» بمعنى عديم الموت، وهو نفسه اسم «شهر مرداد»(2) .
وفي معجم (دهخدا) تفسير للفظين شبيه بما سبق.
والعجيب أنّ البعض ذهب إلى أنّ هاروت وماروت من البشر ومن سكنة بابل!، وقيل أيضاً أنّهما من الشياطين!! والآيات المذكورة ترفض ذلك طبعاً.
▲3ـ كيف يكون الملك معلّماً للإنسان؟
يبقى السّؤال عن الرابطة بين الملك والإنسان، وهل يمكن أن تكون بينهما رابطة تعليمية؟ الآيات المذكورة تصرح بأنّ هاروت وماروت علّما النّاس السحر، وهذا تمّ طبعاً من أجل إحباط سحر السحرة في ذلك المجتمع. فهل يمكن للملك أن يكون معلماً للإنسان؟
الأحاديث الواردة بشأن الملكين تجيب على هذا السّؤال، وتقول: إنّ الله بعثهما على شكل البشر، وهذه الحقيقة يمكن فهمها من الآية التاسعة لسورة الأنعام أيضاً، حيث يقول تعالى: (ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجل)(1) .
▲4ـ لا قدرة لأحد على عمل دون إذن الله
نفهم من قول الله في هذه الآيات أن السحرة ما كانوا قادرين على إنزال الضّر بأحد دون إذن الله سبحانه، وليس في الأمر «جبر» ولا إرغام، بل إنّ هذا المعنى يشير إلى مبدأ أساس في التوحيد، وهو أنّ كلّ القوى في هذا الكون تنطلق من قدرة الله تعالى، النار إذ تحرق إنّما تحرق بإذن الله، والسكين إذ تقطع إنما تقطع بأمر الله، لا يمكن للساحر أن يتدخل في عالم الخليقة خلافاً لإرادة الله.
كلّ ما نراه من آثار وخواص إنّما هي آثار وخواص جعلها الله سبحانه للموجودات المخلتفة، ومن هذه الموجودات من يحسن الاستفادة من هذه الهبة الإلهيّة ومنهم من يسيء الاستفادة منها. و«الاختيار» الذي منحه الله للإنسان إنّما هو وسيلة لإختباره تكامله.
▲5ـ السحر وتاريخه
الحديث عن السحر وتاريخه طويل، ونكتفي هنا بالقول إنّ جذوره ضاربة في أعماق التاريخ، ولكن بداياته وتطوراته التاريخية يلفّها الغموض ولا يمكن تشخيص أول من استعمل السحر.
وبشأن معناه يمكن القول: إنّه نوع من الأعمال الخارقة للعادة، تؤثر في وجود الإنسان، وهو أحياناً نوع من المهارة والخفة في الحركة وإيهام للأنظار، كما أنّه أحياناً ذو طابع نفسي خيالي.
والسحر في اللغة له معنيان:
1ـ الخداع والشّعوذة والحركة الماهرة.
2ـ كل ما لطف ودقّ.
والراغب ذكر للفظ السحر ثلاثة معان قرآنية:
الأوّل: الخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعبذ بصرف الأبصار عما يفعله لخفّة يده، وما يفعله الّنمام بقول مزخرف عائق للأسماع.
الثّاني: استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه.
الثّالث: هو اسم لفعل يزعمون أنه من قوّته يغيّر الصور والطبائع فيجعل الإنسان حماراً، ولا حقيقة لذلك(1) .
نستنتج من دراسة 51 موضعاً من مواضع ذكر كلمة «سحر» في القرآن الكريم أنّ السحر ينقسم في رأي القرآن الكريم على قسمين:
1ـ الخداع والشعبذة وخفة اليد وليس له حقيقة كما جاء في قوله تعالى: (فإذا حبالهم وعصيُّهم يخيَّل إليه من سحرهم أنَّها تسعى)(2) وقوله: (فلَّما ألقوا سحروا أعين النَّاس واسترهبوهم)(3) ويستفاد من هذه الآيات أنّ السحر ليس له حقيقة موضوعية حتى يمكنه التأثير في الأشياء، بل هو خفة حركة اليد ونوع من خداع البصر فيظهر ما هو خلاف الواقع.
2ـ يستفاد من آيات اُخرى أنّ للسحر أثراً واقعياً، كقوله سبحانه: (فيتعلَّمون منهما ما يفرِّقون به بين المرء وزوجه)، وقوله: (ويتعلَّمون ما يضرُّهم ولا ينفعهم) كما مرّ في الآيات التي نحن بصددها.
وهل أنّ للسحر تأثيراً نفسياً فقط، أم يتعدى ذلك إلى الجسم أيضاً؟ لم تشر الآيات أعلاه إلى ذلك، ويعتقد بعض النّاس أنّ هذا التأثير نفسي لا غير.
جدير بالذكر أنّ بعض ألوان السحر كانت تُمارس عن طريق الاستفادة من خواص المواد الكيمياوية والفيزياوية لخداع النّاس، فيحدثنا التاريخ أنّ سحرة فرعون وضعوا داخل حبالهم وعصيّهم مادة كيمياوية خاصّة (ولعلها الزئبق)، كانت تتحرك بتأثير حرارة الشمس أو أية حرارة اُخرى، وتوحي للمشاهد أنّها حيّة، وهذا اللون من السحر ليس بقليل في عصرنا الرّاهن.
▲السّحر في رأي الإسلام
أجمعت الفقهاء على حرمة تعلم السحر وممارسته، وجاء عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام): «مَنْ تَعَلَّمَ مِنَ السِّحْرِ قَلِيلا أَوْ كَثِيراً فَقَدْ كَفَرَ وَكَانَ آخِرُ عَهْدِهِ بِرَبِّهِ»(1) .
ولكن ـ كما ذكرناه يجوز تعلّم السحر لإبطال سحر السحرة، بل يرتفع الجواز أحياناً إلى حد الوجوب الكفائي، لإحباط كيد الكائدين والحيلولة دون نزول الأذى بالنّاس من قبل المحتالين. دليلنا على ذلك حديث روي عن الإمام أبي عبد الله جعفر محمّد الصادق(عليه السلام): «كَانَ عِيَسى بْنُ شَقفَى سَاحِراً يَأْتِيهِ النَّاسُ وَيَأْخُذُ عَلى ذَلِكَ الاَْجْرَ فَقَالَ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ أَنَا رَجُلٌ كَانَتْ صِنَاعَتِي السِّحْرُ وَكُنْتُ آخِذُ عَلَيْهِ الاَْجْرَ وَكَانَ مَعَاشِي وَقَدْ حَجَجْتُ مِنْهُ وَمَنَّ اللهِ عَلَيَّ بِلِقَائِكَ وَقَدْ تُبْتُ إلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهَلْ لِي فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ مَخْرَجٌ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ حُلَّ وَلاَ تَعْقُدْ»(2) .
ويستفاد من هذا الحديث أن تعلّم السحر والعمل به من أجل فتح وحلّ عقد السحر لا إشكال فيه.
▲السحر في رأي التوراة
أعمال السحر والشّعبذة في كتب العهد القديم (التوراة وملحقاتها) هي أيضاً ذميمة غير جائزة. فالتوراة تقول: «لا تلتفتوا إلى الجان ولا تطلبوا التوابع فتنجسوا بهم وأنا الربّ إلهكم»(1) .
وجاء في موضع آخر من التوراة: «والنفس التي تلتفت إلى الجان وإلى التوابع لتزني ورائهم إجعل وجهي ضد تلك النفس واقطعها من شعبها»(2) .
ويقول قاموس الكتاب المقدس: «واضح أن السحر لم يكن له وجود في شريعة موسى، بل إنّ الشريعة شددت كثيراً على أولئك الذين كانوا يستمدون من السحر».
ومن الطريف أنّ قاموس الكتاب المقدّس الذي يؤكّد على أنّ السحر مذموم في شريعة موسى، يصرح بأنّ اليهود تعلّموا السحر وعملوا به خلافاً لتعاليم التوراة فيقول: «... ولكن مع ذلك تسرّبت هذه المادة الفاسدة بين اليهود، فآمن بها قوم، ولجأوا إليه في وقت الحاجة»(3) .
ولذلك ذمّهم القرآن، وأدانهم لجشعهم وطمعهم وتهافتهم على متاع الحياة الدنيا.
▲السحر في عصرنا
توجد في عصرنا مجموعة من العلوم كان السحرة في العصور السالفة يستغلّونها للوصول إلى مآربهم:
1ـ الاستفادة من الخواص الفيزياوية والكيمياوية للأجسام، كما ورد في قصّة سحرة فرعون واستفادتهم من خواص الزئبق أو أمثاله لتحريك الحبال والعصيّ.
واضح أنّ الاستفادة من الخصائص الكيمياوية والفيزياوية للأجسام ليس بالعمل الحرام، بل لابدّ من الإطلاع على هذه الخصائص لاستثمار مواهب الطبيعة، لكن المحرم هو استخدام هذه الخواص المجهولة عند عامّة النّاس لإيهام الآخرين وخداعهم وتضليلهم، مثل هذا العمل من مصاديق السحر، (تأمل بدقة).
2ـ الاستفادة من التنويم المغناطيسي، والهيبنوتيزم، والمانية تيزم، والتله بآتي (انتقال الأفكار من المسافات البعيدة).
هذه العلوم هي أيضاً إيجابية يمكن الاستفادة منها بشكل صحيح في كثير من شؤون الحياة. لكن السحرة كانوا يستغلّونها للخداع والتضليل.
ولو استخدمت هذه العلوم اليوم أيضاً على هذا الطريق المنحرف فهي من «السحر» المحرّم.
بعبارة موجزة: إن السحر له معنى واسع يشمل كل ما ذكرناه هنا وما أشرنا إليه سابقاً.
ومن الثابت كذلك أنّ قوّة الإرادة في الإنسان تنطوي على طاقات عظيمة، وتزداد هذه الطاقات بالرياضات النفسية، ويصل بها الأمر أنّها تستطيع أن تؤثر على الموجودات المحيطة بها، وهذا مشهود في قدرة المرتاضين على القيام بأعمال خارقة للعادة نتيجة رياضاتهم النفسية.
جدير بالذكر أن هذه الرياضات تكون مشروعة تارة، وغير مشروعة تارة اُخرى، الرياضات المشروعة تخلق في النفوس الطاهرة قوّة إيجابية بناءة، والرياضات غير المشروعة تخلق قوّة شيطانية، وقد تكون كلا القوتين قادرتين على القيام بأعمال خارقة للعادة، لكن الاُولى إيجابية بناءة، والاُخرى مخربة هدّامة.
▲سورة البقرة / الآية 104 ـ 105
104 ) يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لاتَقُولُوا راعِنا وَ قُولُوا انْظُرْنا وَ اسْمَعُوا وَ لِلْكافِرينَ عَذابٌ أَليمٌ
105 ) ما يَوَدُّ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ لاَ الْمُشْرِكينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْر مِنْ رَبِّكُمْ وَ اللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظيمِ
▲سبب النّزول
روي عن ابن عباس أنّه قال: إنّ الصحابة كانوا يطلبون من رسول الله(صلى الله عليه وآله) لدى تلاوته الآيات وبيانه الأحكام الإلهيّة أن يتمهّل في حديثه حتى يستوعبوا ما يقوله، وحتى يعرضوا عليه أسئلتهم، وكانوا يستعملون لذلك عبارة: «راعنا» أي أمهلنا، واليهود حوّروا معنى هذه الكلمة لتكون من «الرعونة» فتكون راعنا بمعنى اجعلنا رعناء، واتخذوا ذلك وسيلة للسخرية من النبي والمسلمين.
الآية تطلب من المسلمين أن يقولوا «انْظُرْنَا» بدلا من «رَاعِنَا» لسد الطريق أمام طعن الأعداء.(1)
وقال بعض المفسرين: إنّ عبارة «رَاعِنَا» في كلام اليهود سبّة تعني «اسمع ولمّا تسمع»، وكانوا يرددون هذه العبارة مستهزئين!.(2)
وقيل إن اليهود كانوا يقولون بدلا من رَاعِنَا «راعينا» = (راعي + نا) ويخاطبون بذلك
النبي ساخرين،(3) وليس بين هذه العلل المذكورة لنزول الآية الكريمة تناقض، فقد تكون بأجمعها صحيحة.
▲التّفسير
▲لا توفّروا للأعداء فرصة الطعن
الآية الكريمة تخاطب المسلمين قائلة: (يا أيُّها الَّذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذابٌ أليمٌ).
ممّا سبق من سبب نزول هذه الآية الكريمة نستنتج أنّ على المسلمين أن لا يوفروا للأعداء فرصة الطعن بهم، وأن لا يتيحوا لهم بفعل أو قول ذريعة يسيئون بها إلى الجماعة المسلمة، عليهم أن يتجنّبوا حتى ترديد عبارة يستغلّها العدوّ لصالحه. الآية تصرّح بالنهي عن قول عبارة تمكن الأعداء أن يستثمروا أحد معانيها لتضعيف معنويات المسلمين، وتأمرهم باستعمال كلمة اُخرى غير تلك الكلمة القابلة للتحريف ولطعن الأعداء.
حين يشدّد الإسلام إلى هذا الحد في هذه المسألة البسيطة، فإن تكليف المسلمين في المسائل الكبرى واضح، عليهم في مواقفهم من المسائل العالمية أن يسدوا الطريق أمام طعن الأعداء، وأن لا يفتحوا ثغرة ينفذ منها المفسدون من الداخل والخارج للإساءة إلى سمعة الإسلام والمسلمين.
جدير بالذكر أنّ عبارة راعنا ـ إضافة إلى ما فيها من معنى آخر استغله اليهود ـ فيها نوع من سوء الأدب، لأنّها من باب المفاعلة، وباب المفاعلة يفيد المبادلة والاشتراك، وهي لذلك تعني: راعنا لنراعيك، وقد نهى القرآن عن ترديده(1) .
الآية التالية تكشف عن حقيقة ما يكنّه مجموعة من أهل الكتاب والمشركين من حقد وعداء للجماعة المؤمنة: (ما يودُّ الَّذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزَّل عليكم من خير من ربكم)، وسواء ودّ هؤلاء أم لم يودّوا فرحمة الله لها سنّة إلهيّة ولا تخضع للميول والأهواء: (والله يختصُّ برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم).
الحاقدون لم يطيقوا أن يروا ما شمل الله المسلمين من فضل ونعمة، وما منّ عليهم من رسالة عظيمة، ولكن فضل الله عظيم.
▲بحث
▲مغزى قوله تعالى: (يا أيُّها الَّذين آمنو)
أكثر من ثمانين موضعاً خاطب الله المسلمين في كتابه الكريم بهذه العبارة، وكل هذه المواضع من القرآن الكريم نزلت في المدينة، ولا وجود لهذه العبارة في الآيات المكية، ولعل ذلك يعود إلى تشكل الجماعة المسلمة في المدينة، وإلى ظهور المجتمع الإسلامي بعد الهجرة. ولذلك خاطب الله الجماعة المؤمنة بعبارة (يا أيُّها الَّذين آمنو).
وهذا الخطاب يتضمن إشارة إلى ميثاق التسليم الذي عقدته الجماعة المسلمة مع ربّها بعد الإيمان به، وهذا الميثاق يفرض على الجماعة الطاعة والإنصياع لأوامر ربّ العالمين، والإستجابة لما يأتي بعد هذه العبارة من أحكام.
جدير بالذكر أنّ كثيراً من المصادر الإسلامية بما في ذلك مصادر أهل السنّة، روت عن الرّسول(صلى الله عليه وآله) قوله: «مَا أَنْزَلَ اللهُ آيَةً فِيهَا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلاَّ وَعَلِيٌّ رَأْسُهَا وَأَمِيرُهَا»(1) .
▲سورة البقرة / الآية 106 ـ 107
106 ) ما نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْر مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْء قَديرٌ
107 ) أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الأَرْضِ وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ وَلِيّ وَ لا نَصير
▲التّفسير
▲الغرض من النّسخ
الآية الاُولى تشير أيضاً إلى بعد آخر من أبعاد حملة التشكيك اليهودية ضد المسلمين.
كان هؤلاء القوم يخاطبون المسلمين أحياناً قائلين لهم إنّ الدين دين اليهود وأنّ القبلة قبلة اليهود، ولذلك فإنّ نبيّكم يصلي تجاه قبلتنا (بيت المقدس)، وحينما نزلت الآية 144 من هذه السّورة وتغيّرت بذلك جهة القبلة، من بيت المقدس إلى مكّة، غيّر اليهود طريقة تشكيكهم، وقالوا: لو كانت القبلة الاُولى هي الصحيحة، فلم هذا التغيير؟ وإذا كانت القبلة الثانية هي الصحيحة، فكل أعمالكم السابقة ـ إذن ـ باطلة.
القرآن الكريم في هذه الآية يردّ على هذه المزاعم وينير قلوب المؤمنين(1) . ويقول: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أومثله)... وليس مثل هذا التغيير على الله بعسير (ألم تعلم أن الله على كلِّ شيء قديرٌ)؟!
الآية التالية تؤكد مفهوم قدرة الله سبحانه وتعالى وحاكميته في السماوات والأرض وفي الأحكام، فهو البصير بمصالح عباده: (ألم تعلم أنَّ الله له ملك السَّماوات والاْرْض)، وفي هذه العبارة من الآية أيضاً تثبيت لقلوب المؤمنين، كي لاتتزلزل أمام حملات التشكيك هذه، وتستمر الآية في تعميق هذا التثبيت، مؤكّدة أنّ المجموعة المؤمنة ينبغي أن تعتمد على الله وحده، وتستند إلى قوته وقدرته دون سواه، فليس في هذا الكون سند حقيقي سوى الله سبحانه: (وما لكم من دون الله من وليٍّ ولا نصير).
▲بحوث
▲1ـ هل يجوز النّسخ في الأحكام؟
النسخ في اللغة الإزالة، وفي الاصطلاح تغيير حكم شرعي واحلال حكم آخر محله، من ذلك:
1ـ المسلمون كانوا يصلون بعد الهجرة تجاه بيت المقدس، واستمروا على ذلك ستة عشر شهراً، ثم نزل الأمر بتغيير القبلة، فوجب على المسلمين أن يصلوا تجاه الكعبة.
2ـ الآية 15 من سورة النساء قررت معاقبة الزانية بعد شهادة أربعة شهود بإمساكها في البيت حتى الوفاة، أو يجعل الله لها سبيلا، والآية الثانية من سورة النور نسخت الآية المذكورة وبدّلت الحكم بمائة جلدة.
وهنا يطرح سؤال معروف بشأن سبب النسخ يقول: لو كان في الحكم مصلحة فلماذا نُسخ؟ وإن لم يكن كذلك فلماذا شُرع ؟ لماذا لم تطرح الشريعة منذ البداية حكماً غير قابل للنسخ؟
علماء الإسلام أجابوا منذ القديم على هذا السؤال، وتقرير هذا الجواب باختصار كما يلي:
نعلم أنّ بعض احتياجات الإنسان ثابتة لا تقبل التغيير، لأنّها ترتبط بفطرة الإنسان وطبيعته، وبعضها الآخر تتغير بتغير الزمان وظروف البيئة، وهذه المتغيرات قد تضمن سعادة الإنسان في زمن معين، لكنها تصبح عقبة أمام تقدم الفرد في زمان آخر.
قد يكون نوع من الدواء نافعاً للمريض في ظرف زمني معين، وقد لا يكون نافعاً ـ بل ضاراً ـ في مرحلة نقاهة المريض، لذلك يأمر الطبيب بدواء في وقت، ثم يأمر بقطعه والإمتناع عن تناوله في وقت آخر.
قد يكون درس معين مفيداً للطالب في مرحلة دراسية معينة، لكن هذا الدرس يصبح عديم الفائدة في المراحل الدراسة التالية. المنهج التعليمي الصحيح ينبغي أن ينظم الدروس بشكل يتناسب مع حاجة الطالب في كل مرحلة من مراحله الدراسية.
هذه المسألة تتضح أكثر في إطار القانون اللازم لتكامل الإنسان والمجتمع الإنساني، هذا القانون لابدّ أن يتضمن متغيرات كي يكون المنهج التكاملي مفيداً لكل مراحل مسيرة المجتمع. وتزداد أهمّية هذه التغييرات عند اندلاع الثورات الاجتماعية والعقائدية، وتزداد ضرورة مواكبة متطلبات التغيير في كل مرحلة من مراحل الثورة.
لابدّ من التأكيد أنّ اُصول الأحكام الإلهيّة ثابتة لا يعتريها التغيير، فالتوحيد والعدالة الإجتماعية وسائر الاُصول والمبادىء المشابهة ثابتة لا تتغير، وإنّما يطرأ التغيير على المسائل الفرعية والثانوية.
ومن الضروري أن نؤكّد أيضاً أنّ تكامل الدين قد يبلغ مرحلة يصبح فيها (الدين الخاتم)، وتصبح جميع أحكامه ثابتة لا تقبل التغيير (سنشرح مسألة خاتمية الرسالة في تفسير الآية 40 من سورة الأحزاب).
اليهود، مع اعتراضهم على المسلمين بشأن نسخ حكم القبلة الاُولى، أقرّوا النسخ في الأحكام الإلهيّة، واستناداً إلى ما جاء في مصادرهم الدينية.
تذكر التوراة أنّ كل الحيوانات كانت حلا لنوح(عليه السلام) حين نزل من سفينته، لكن هذا الحكم نُسخ في شريعة موسى، وحرّم قسم من الحيوانات(1) .
▲2ـ المقصود من الآية
الآية في اللغة العلامة، وفي القرآن لها معان متعددة:
1ـ مقاطع من القرآن، مفصولة عن بعضها بعلائم خاصّة، وهذا المعنى للآية نجده في قوله تعالى: (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحقِّ)(1) .
2ـ المعجزة سمّيت في القرآن آية كقوله سبحانه: (واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آيةً اخرى)(2) .
3ـ الدليل على وجود الله أو المعاد كقوله: (وجعلنا اللَّيل والنَّهار آيتين)(3) وقوله:
(ومن آياته أنَّك ترى الأرض خاشعةً فإذا أنزلنا عليْها الْماء اهتزَّت وربت إنَّ الَّذي أحياها لَمحي الموتى إنَّه على كلِّ شيء قديرٌ)(4) .
4ـ الأشياء البارزة الملفتة للأنظار كالأبنية الشاهقة، كما في قوله تعالى: (أتبنون بكلِّ ريع آيةً تعبثون)(5) .
والمعنى المشترك بين كل هذه المعاني هو «العلامة».
وقوله سبحانه: (ما ننسخ من آية...) يشير إلى نسخ الأحكام، فالحكم النّاسخ خير من المنسوخ أو مثله، أو إنّه يشير إلى نسخ معجزة الأنبياء، فيكون المعنى أن معجزة النبي التالي أفصح وأوضح من معجزة النبي السابق.(6)
ثمّة روايات في تفسير هذه الآية ذكرت أن المقصود من نسخ الآية هو وفاة الإمام ومجيء الإمام التالي بعده،(7) وهذا طبعاً بيان مصداق من مصاديق الآية، لا تحديداً لمفهومها.
▲3ـ تفسير عبارة (ننسه)
جملة «نُنْسِهَا» في الآية معطوفة على جملة «نَنْسَخْ» وهي من مادة «أنساء» بمعنى التأخير أو الحذف من الأذهان(1) .
فما هو معنى هذه العبارة في الآية الكريمة؟
المقصود من العبارة هو: ما ننسخ من آية أو نؤخر نسخها استناداً إلى مصالح معينة... نأت بخير منها أو مثلها... .
فعبارة «نَنْسَخْ» تشير إلى النسخ على المدى القصير، وعبارة «نُنْسِهَا»النسخ على المدى البعيد، (لاحظ بدقّة).
ثمّة احتمالات اُخرى ذكرت في هذا المجال لا تبلغ أهميتها ما ذكرناه.
▲4ـ تفسير (أو مِثْلِهَ)
سؤال آخر يطرح في هذا المجال بشأن عبارة «أو مِثْلِهَا» فلو كان الحكم النّاسخ مثل الحكم المنسوخ فلا فائدة من هذا التغيير، النسخ تظهر فائدته حين يكون النّاسخ خيراً من المنسوخ.
والجواب على ذلك هو أنّ الآية النّاسخة لها آثار في زمانها كتلك الآثار التي كانت الآية المنسوخة في زمانها.
بعبارة أوضح: قد يكون لحكم اليوم فوائد معينة، لكن هذه الفوائد لا تظهر لهذا الحكم غداً، ولابدّ أن ينسخ هذا الحكم بحكم آخر تكون له في زمن لاحق ـ على الأقل ـ نفس الفوائد التي كانت للمنسوخ في زمن سابق.
▲سورة البقرة / الآية 108
108 ) أَمْ تُريدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبيلِ
▲سبب النّزول
تعددت الآراء في كتب التّفسير حول سبب نزول هذه الآية الشريفة، إلاّ أنّها متقاربة في المضمون والنتيجة.
فقد نقل عن ابن عباس أنّه: جاء وهب بن زيد، ورافع بن حرملة إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)وقالا: إئتِ لنا بكتاب من الله مرسل إلينا نقرأه لكي نؤمن بك، أو إجر الانهار لنا حتى نتّبعك!(1)
وقال بعض آخر: إنّ جماعة من الأعراب جاءوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وطلبوا منه ما طلب بنو إسرائيل من موسى، فقالوا: أرنا الله جهرة.(2)
وقال آخرون: إنّهم طلبوا من رسول الله(صلى الله عليه وآله) أن يجعل لهم صنماً من شجرة خاصّة (ذات أنواط) ليعبدوه كما قال بنو إسرائيل لموسى: (إجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة).(3) (4) والآية أعلاه نزلت جواباً لهؤلاء.
▲التّفسير
▲حُجج واهية
هذا الآية الكريمة، وإن كانت تخاطب مجموعة من المسلمين ضعاف الإيمان أو المشركين إلاّ أنّها ترتبط أيضاً بمواقف اليهود.
لعل هذا السؤال وجه إلى الرّسول بعد تغيير القبلة، وبعد حملات التشكيك التي شنها اليهود بين المسلمين وغير المسلمين، والله سبحانه في هذه الآية الكريمة نهى عن توجيه مثل هذه الأسئلة السخيفة (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل)؟!
مثل هذا العمل إعراض عن الإيمان واتجاه نحو الكفر، ولذلك قالت الآية: (ومن يتبدَّل الكفر بالاْيمان فقد ضلَّ سواء السَّبيل).
الإسلام طبعاً لا يمنع طرح الأسئلة العلمية والمنطقية، ولا يحول دون طلب المعجزة من أجل إثبات صحة الدعوة، لأنّ مثل هذه الأسئلة والطلبات هي طريق الإدراك والفهم والإيمان، وهذه الآية الكريمة تشير إلى اُولئك الذين يتذرّعون بمختلف الحجج الواهية كي يتخلّصوا من حمل أعباء الرسالة.
هؤلاء كانوا قد شاهدوا من الرّسول معاجز كافية لإيمانهم بالدعوة وصاحبها، لكنهم يتقدمون إلى النبي بطلب معاجز اقتراحية اُخرى!
المعجزة ليست اُلعوبة بيد هذا وذاك كي تحدث وفق الميول والإقتراحات والمشتهيات، بل إنّها ضرورة لازمة للإطمئنان من صدق أقوال النبي(صلى الله عليه وآله)، وليست مهمّة النبي صنع المعاجز لكل من تهوى نفسه معجزة.
ثم هناك من الأسئلة ما هو بعيد عن العقل والمنطق، كرؤية الله جهرة، وكطلب اتخاذ الصنم.
القرآن الكريم ينبه في هذه الآية بأن المجموعة البشرية التي لا تسلك طريق العقل والمنطق في اسئلتها ومطالبتها، سينزل بها ما نزل بقوم موسى.
▲سورة البقرة / الآية 109 ـ 110
109 ) وَدَّ كَثيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إيمانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْء قَديرٌ
110 ) وَ أَقيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ ما تُقَدِّمُوا لاَِنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْر تَجِدُوهُ عِنْدَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصيرٌ
▲التّفسير
▲حسد وعناد
كثير من أهل الكتاب وخاصّة اليهود لم يكتفوا بإعراضهم عن الدين المبين، بل كانوا يودّون أن يرتد المسلمون عن دينهم، ولم يكن ذلك إلاّ عن حسد يستعر في أنفسهم، تقول الآية: (ودَّ كثيرٌ من أهل الكتاب لو يردُّونكم من بعد إيمانكم كفَّاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبيَّن لهم الحقُّ).
وأمام هذه المواقف الدنيئة والنظرات الضيّقة والآمال التافهة والنوايا الخبيثة التي تحملها الفئة الكافرة، يحدد الإسلام موقف الجماعة المسلمة، على أساس من رحابة الصدر وسعة الاُفق وبعد النظرة (فاعفوا واصفحوا حتَّى يأتي الله بأمره إنَّ الله على كلِّ شيء قديرٌ).
هذا الإمر الإلهي نزل حيث كان المسلمون بحاجة إلى بناء المجتمع الإسلامي، وفي تلك الظروف يوجب على المسلمين أن يلجأوا إلى سلاح العفو والصفح حتى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ.
كثير من المفسرين قالوا: إنّ «أمر الله» في هذه الآية يعني «أمر الجهاد»، ولعل الجماعة المسلمة لم تكن على استعداد شامل لخوض معركة دامية حين نزلت هذه الآية، ولذلك قيل إنّ آيات الجهاد نسخت هذه الآية.
ولعل التعبير بالنسخ في هذا الموضع ليس بصحيح، لأنّ الآية تحمل في عبارتها الإطار الذي يحدّها بفترة زمنية محدودة.
الآية التالية تأمر المسلمين بحكمين هامّين: إقامة الصلاة باعتبارها رمز إرتباط الإنسان بالله، وإيتاء الزكاة وهي أيضاً رمز التكافل بين أبناء الاُمّة المسلمة، وكلاهما ضروريان لتحقيق الانتصار على العدو: (وأقيموا الصَّلاة وأتوا الزَّكاة).
ثم تؤكّد الآية على خلود العمل الصالح وبقائه: (وما تقدِّموا لاِنفسِكم مِن خير تجِدوه عندالله). والله سبحانه عالم بالسرائر، ويعلم دوافع الأعمال، ولا يضيع عنده أجر العاملين (إنَّ الله بما تعملون بصيرٌ).
▲بحوث
1ـ «اصفحوا» من «صفح»، وصفح الشيء عرضه وجانبه كصفحة الوجه وصفحة السيف وصفحة الحجر، والأمر بالصفح هو الأمر بالإعراض، لكنّ عطفها على «فَاعْفُوا» يفهم أنّه أمر بالإعراض لا عن جفاء، بل عن عفو وسماح.
وهذا التعبير يوحي أيضاً أن المسلمين كانت لهم قدرة المقابلة وعدم الصفح، لكن الأمر بالعفو والصفح يستهدف اتمام الحجّة على العدوّ، كي يهتدي من هو قابل للإصلاح. بعبارة اُخرى: ممارسة القوّة ليست المرحلة الاُولى في مواجهة العدوّ، بل العفو والصفح، فإن لم يُجد نفعاً فالسيف.
2ـ عبارة (إنَّ الله على كلِّ شيء قديرٌ) قد تشير إلى أن الله قادر على أن ينصر المسلمين على أعدائهم بطرق غيبية، ولكن طبيعة حياة البشر والكون قائمة على أنّ الأعمال لا تتم إلاّ بالتدريج وبعد توفّر المقدمات.
3ـ عبارة (حسداً من عند أنفسهم) قد تكون إشارة إلى توغل الحسد في نفوس هؤلاء، فالحسد قد يتخذ أحياناً طابع الدين والرسالة، لكن حسد هؤلاء لم يكن له حتى هذا الظاهر، بل كان ضيّقاً شخصي(1) .
ويحتمل أيضاً أن تكون إشارة إلى أنّ الحسد متجذّر في نفوسهم.
▲سورة البقرة / الآية 111 ـ 112
111 ) وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ
112 ) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ
▲التّفسير
▲احتكار الجنّة!
القرآن في هاتين الآيتين يشير إلى ادّعاء آخر من الادّعاءات الفارغة لمجموعة من اليهود والنصارى، (وقالوا لن يدخل الجنَّة إلاَّ من كان هوداً أو نصارى)(1) ، ثم يجيبهم جواباً رادعاً قائلا (تلك أمانيُّهم) ثم تخاطب الآية رسول الله وتقول: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).
بعد التأكيد على أنّ إدعاء هؤلاء فارغ لا قيمة له، وأنّه مجرّد اُمنية تخامر أذهانهم، يطرح القرآن المعيار الأساس لدخول الجنّة على شكل قانون عام (بلى من أسلم وجهه لله و هو محسنٌ فله أجره عند ربِّه). ومن هنا فالمشمولون بهذا القانون هم في ظلال رحمة الله (ولاخوفٌ عليهم ولا هم يحزنون).
بعبارة موجزة: الجنّة ومرضاة الله والسعادة الخالدة ليست حكراً على طائفة معينة، بل هي نصيب كل من يتوفر فيه شرطان:
الأوّل: التسليم التام لله تعالى، أو الإنصياع لأوامره سبحانه، وعدم التفريق بين هذه الأوامر، أي عدم ترك ذلك القسم من الأوامر الذي لا ينسجم مع المصالح الفردية الذاتية.
الثّاني: وهو ما يترتب على التسليم في المرحلة الاُولى، من القيام بالأعمال الصالحة والإحسان في جميع المجالات.
والقرآن، بطرحه هذه الحقيقة، يرفض بشكل تام مسألة التعصب العنصري ويكسر طوق احتكار فئة معينة للسعادة، ويضع ضمنياً معيار الفوز متمثلا بالإيمان، والعمل الصالح.
▲بحوث
1ـ «الأماني» جمع «اُمنية» وهي الرجاء الذي لا يتحقق للإنسان.
والآية تطرح اُمنية واحدة من اُمنيات أهل الكتاب، ولكن هذه الاُمنية ـ أي أمنية احتكار الجنّة ـ هي مصدر أمان اُخرى، وبعبارة اُخرى: اُمنيّتهم لها فروع وإمتدادات، ولذلك عبّر عنها القرآن بلفظ (أماني).
2ـ نسبت الآية الكريمة التسليم إلى (الوجه): (بلى من أسلم وجهه...)، وذلك يعود إلى أنّ الإنسان حين يستسلم لشيء، فأوضح مظهر لهذا الاستسلام هو أن يولي وجهه تجاه ذلك الشيء. ومن المتحمل أيضاً أنّ «الوجه» يعني في الآية الذات، ويكون المعنى أنّ هؤلاء أسلموا بكل وجودهم لأوامر الله.
3ـ الآيتان المذكورتان تعلّمان المسلمين عدم الانجراف وراء الإدّعاءات الباطلة غير القائمة على دليل، وتعلّمهم أن يطلبوا الدليل والبرهان من صاحب الإدعاء، وبذلك يسدّ القرآن الطريق أمام الانجراف الأعمى وراء التقليد، ويجعل التفكير المنطقي سائداً في المجتمع.
4ـ ذكر عبارة (وهو محسنٌ) بعد طرح مسألة التسليم، إشارة إلى أنّ الإحسان بالمعنى الواسع للكلمة لا يتحقق إلاّ برسوخ الإيمان في النفوس، كما تفهم العبارة أنّ صفة الإحسان ليست طارئة في نفوس المؤمنين، بل هي خصلة نافذة في أعماق هؤلاء.
ونفي الخوف والحزن عن أتباع خط التوحيد سببه واضح، لأنّ هؤلاء يخافون الله دون سواه، بينما المشركون يخشون من كل ما يهدد مصالحهم الدنيوية التافهة، بل يخشون أموراً خرافية موهومة تقلقهم وتقضّ مضاجعهم.
▲سورة البقرة / الآية 113
113 ) وَ قالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْء وَ قالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْء وَ هُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذالِكَ قالَ الَّذينَ لايَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فيما كانُوا فيهِ يَخْتَلِفُونَ
▲سبب النّزول
قال ابن عباس أنّه لما قدم وفد نجران من النصارى على رسول الله(صلى الله عليه وآله) آتتهم أحبار اليهود فتنازعوا عند رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقال رافع بن حرملة: ما أنتم على شَيء، وجحد بنبوّة عيسى وكفر بالإنجيل. فقال رجل من أهل نجران: ليست اليهود على شيء، وجحد بنبوّة موسى وكفر بالتوراة، فأنزل الله هذه الآية.(1)
▲التّفسير
▲تعصّب وتناقض
فيما مرّ بنا من آيات رأينا جانباً من الادّعاءات الفارغة التي أطلقها جمع من اليهود والنصارى، ورأينا أنّ هذه الادّعاءات الفارغة تستتبعها روح احتكارية ضيّقة، ثم وقوع في التناقضات.
تقول الآية: (وقالت اليهود ليست النَّصارى على شيء وقالت النَّصارى ليست اليهود على شيء).
عبارة (لَيْسَتْ... عَلى شَيْء) تعني أنّ أفراد هذا الدين لا مكانة لهم ولا منزلة لدى الله سبحانه، أو تعني أنّ هذا الدين لا وزن له ولا قيمة.
ثم تضيف الآية: (وهم يتلون الكتاب).
أي إنّ هؤلاء لديهم الكتاب الذي يستطيع أن ينير لهم الطريق في هذه المسائل، ومع ذلك ينطلقون في أحكامهم من التعصب واللجاج والعناد!!
ثم تقول الآية: (كذلك قال الَّذين لا يعلمون مثل قولهم).
وهذه الآية الكريمة تجعل أقوال هذه المجموعة من أهل الكتاب المتعصبين شبيهة بأقوال الجهلة من الوثنيين. بعبارة اُخرى: هذه الآية تقرر أن المصدر الأساس للتعصب هو الجهل والبعد عن العلم، لأنّ الجاهل مطوّق بمحيطه المحدود، لا يقبل غيره، بل هو ملتصق بما ملأ ذهنه منذ صغره وإن كان خرافياً، ويرفض ما سواه.
ثم اختتمت الآية بالتأكيد على أنّ الحقائق إن خفيت في هذه الدنيا، فهي لا تخفى في الآخرة حيث تنكشف كل الأوراق: (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون).
وهذه الآية فيها أيضاً تثبيت للقلوب وطمأنة للنفوس، فهي تؤكّد للمسلمين أنّ الطوائف التي تجهزت لمحاربتهم لا تتميز بالإنسجام والوحدة، بل إنّ مجاميعها يكفّر بعضهم بعضاً، والذي يجمع بينهم على الظاهر هو الجهل، وبالتالي التعصب الناشيء عن هذا الجهل.
▲سورة البقرة / الآية 114
114 ) وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللّهِ أَنْ يُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ وَ سَعى في خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي الآْخِرَةِ عَذابٌ عَظيمٌ
▲سبب النّزول
روي عن ابن عباس إنّه الآية نزلت في «فطلوس» الرومي وجنده النصارى الذين حاربوا بني إسرائيل، وأحرقوا التوراة، وأسروا الأبناء وهدموا بيت المقدس.
وعن ابن عباس أيضاً أنها نزلت في الروم، غزوا بيت المقدس وسعوا في خرابه حتى أظهر الله المسلمين عليهم.(1)
وعن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّها نزلت في قريش حين حالوا دون دخول الرّسول(صلى الله عليه وآله) مدينة مكّة والمسجد الحرام.(2)
وقيل إنّها نزلت في مشركي مكّة ممن هدموا الأماكن التي اتخذها المسلمون للصلاة في مكّة، بعد هجرة النبي(صلى الله عليه وآله) منه(3) .
ولا يمنع أن يكون نزول الآية بسبب كل هذه الأحداث، وبذلك يكون كل واحد من أسباب النّزول المذكورة قد تناول بُعداً واحداً من أبعاد المسألة.
▲التّفسير
▲أظلم النّاس
أسباب النّزول توضّح أنّ الآية تتحدث عن اليهود والنصارى والمشركين، مع أنّ الآيات السابقة تتحدث أكثر ما تتحدث عن اليهود وأحياناً عن النصارى.
على أي حال «اليهود» بوسوستهم بشأن مسألة تغيير القبلة، سعوا إلى أن يتجه المسلمون في صلاتهم نحو بيت المقدس، ليتفوقوا بذلك على المسلمين، وليحطوا من مكانة الكعبة(1) .
و«مشركو مكّة» بمنعهم النبي(صلى الله عليه وآله) والمسلمين زيارة الكعبة سعوا عملياً في هدم هذا البناء الإلهي.
و«النصارى» باستيلائهم على بيت المقدس والعبث فيه على ما ذكر ابن عباس سعوا في تخريبه.
القرآن يقول لهؤلاء جميعاً ولكل من يسلك طريقاً مشابهاً لهؤلاء: (ومن أظلم ممَّن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابه).
القرآن الكريم أطلق على مثل هذا العمل اسم «الظلم الكبير»، وعلى العاملين اسم «أظلم النّاس» وأيّ ظلم أكبر من تخريب قاعدة التوحيد، وصدّ النّاس عن ذكر الله؟!
ثم تقول الآية: (اولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلاَّ خائفين).
أي إنّ المسلمين والموحدين ينبغي أن يكونوا على درجة من القوّة والمقاومة بحيث لا يستطيع الظلمة أن يمدوا أيديهم إلى هذه الأماكن المقدّسة، ولا يستطيعون أن يدخلوها جهرة بدون خوف أو خشية.
ومن المحتمل أيضاً أنّ الآية تقول: إنّ الظلمة لن يستطيعوا أبداً أن ينجحوا في الاستيلاء على هذه المراكز العبادية، بل إنّهم سوف لا يستطيعون في المستقبل أن يدخلوا هذه المساجد إلاّ وهم خائفون مذعورون، تماماً كالمصير الذي لاقاه مشركو مكّة بشأن المسجد الحرام.
والآية تبين بعد ذلك العقاب الذي ينتظر هؤلاء الظلمة ممن يريد أن يفصل بين الله وعباده: (لهم في الدُّنيا خزيٌ ولهم في الاْخرة عذابٌ عظيمٌ).
▲بحثان
▲1ـ تخريب المساجد
مفهوم الآية المذكورة واسع ـ دون شك ـ غير محدود بزمان أو مكان معيّنين. إنّها مثل سائر الآيات التي نزلت في ظروف خاصّة لكن حكمها ثابت على مرّ العصور والدهور. فكل الذين يسعون بنوع من الأنواع في تخريب المساجد مشمولون بهذا الخزي والعذاب العظيم.
من الضروري أنّ نؤكّد أن منع الذكر في مساجد الله والسعي في خرابها، لا يقتصر على هدم بنائها، بل إنّ كل عمل يؤدّي إلى القضاء على دور المسجد في المجتمع مشمول بهذه الآية.
وسوف نرى في الآية (إنَّما يعمر مساجد الله...)(1) أنّ المقصود من العمران ـ استناداً إلى الأحاديث والروايات الصريحة(2) ـ ليس هو تشييد البناء فحسب، بل الحضور فيها واحياؤها بالذكر، هو نوع من العمران، بل أهم أنواع العمران.
وفي النقطة المقابلة ـ إذن ـ يكون كل عمل يبعد النّاس عن المساجد، ويبعد المساجد عن دورها ظلماً كبيراً.
ومن المؤسف أن عصرنا يشهد ظهور مجموعة جاهلة متعصبة متعنتة بعيدة عن